نهضة إستراتيجية أم تبعية مستدامة؟

بالهجري: رسم مائي لمدينة دمشق في عهد الدولة الأموية - رسم سالم مذكور
رسم مائي لمدينة دمشق في عهد الدولة الأموية (الجزيرة)

قبل الخوض في واقعنا المعاصر، جميل أن أستحضر حادثة تاريخية تؤسس لسؤالنا المركزي؛ إذ إن الدولة الأموية في زمن الخليفة عبد الملك بن مروان كانت تعتمد على ولاية مصر في تأمين الوثائق التي تكتب عليها مراسلاتها ومراسيمها، وعرفت بالقراطيس (صحف البردي). وكانت تدون في أعلاها عبارات تمجد ديانات أخرى.

رأى عبد الملك أن بقاء هذه الرموز في مخاطبات القيادة المركزية يحد من قرارها السيادي، ويحدث ازدواجا في هويتها، وعلى المدى البعيد لن تكون حرة في تقرير مصيرها، فأصدر أمرا بأن تستبدل بتلك العبارات عبارات أخرى.

وعندما وصل الخبر إلى إمبراطور بيزنطة جستنيان الثاني هدد بصك دنانير تنقش عليها كلمات تمس العقيدة الإسلامية إن لم يتراجع الخليفة عبد الملك بن مروان عن قراره.

أدرك الخليفة خطورة الموقف، فبدأ يستشير خاصته: كيف أتصرف؟ لم يعد الأمر مجرد ورق يكتب عليه، بل قضية هوية واستقلال تمس جوهر الإرادة الوطنية وركائز الاكتفاء الذاتي، فأشار عليه خالد بن يزيد قائلا: يا أمير المؤمنين، لنترك دنانيرهم فلا نتعامل بها، ولنضرب للناس عملة خاصة بنا. فقال له الخليفة: فرجتها علي، فرج الله عنك.

لم يتوقف الأمر عند ذلك، بل أكمل الإصلاحات؛ فعرب الدواوين ونقلها من اليونانية والفارسية وغيرها إلى العربية.

ندرك جيدا أن التحرر الوطني والاستقلال الكلي لا يُبنيان دفعة واحدة، بل هما عملية تراكمية تبدأ بقرار، وتسير وفق الظروف وأركان القوة التي تمتلكها هذه الأمة أو غيرها

بهذا التوجه انتقلت البلاد من مرحلة الاعتماد على الغير إلى طور الكيان المستقل؛ ثقافيا وسياسيا وعسكريا واقتصاديا. فمن المهم أن تجسد الدول هويتها في خطابها الرسمي؛ لأن الإمساك بزمام الأمور يبدأ بالرمز قبل السلاح، وبالهوية قبل النفوذ.

فالخطوة لم تكن إجراء إداريا عابرا، بل تحولا في الوعي السياسي، ونموذجا مبكرا لمعركة التحرر الكلي من التبعية، التي ما زالت تتكرر بأشكال مختلفة في دول متعددة حتى الآن.

إعلان

بعد هذه المقدمة، أتساءل كغيري من المتابعين: إذا كان التاريخ قد حسم أمره يومئذ، فإن سؤال الحاضر الذي لا يزال معلقا هو: هل تمتلك دولنا مجتمعة عناصر استقلالها السياسي والاقتصادي؟ وهل تتحكم في سلاسل إنتاجها؟ وهل لغتها العربية حاضرة في علومها وتقنياتها؟

ندرك جيدا أن التحرر الوطني والاستقلال الكلي لا يُبنيان دفعة واحدة، بل هما عملية تراكمية تبدأ بقرار، وتسير وفق الظروف وأركان القوة التي تمتلكها هذه الأمة أو غيرها.

فنجد اليابانيين بعد أن كانوا سلطة إقطاعية منغلقة، ثم دخلوا مرحلة الإصلاح الشامل في عهد الإمبراطور موتسوهيتو (ميجي) عام 1868، لم يذوبوا في الغرب رغم اقتباسهم الكثير منه، بل حافظوا على لغتهم وعاداتهم وتقاليدهم، وجعلوا من الترجمة جسر عبور لا أداة ذوبان. فبدؤوا بالصناعة، ثم التعليم، فبناء الإنسان، وصولا إلى ترسيخ التقنية.

وفي العصر الحديث، حين فرضت بعض الدول قيودا على تصدير المكونات الإلكترونية والوسائل المتطورة، أدركت قوى كبرى أن الاعتماد الكامل على الخارج في مفاصل التكنولوجيا يهدد أمنها القومي، فسارعت إلى تعزيز صناعاتها الحساسة داخل حدودها.

وهكذا تتكرر المعادلة في كل عصر: من لا يصنع أدوات معرفته ونهضة بلاده لا يتحكم في القرارات الكبرى لأمته.

إن معالجة جذور الأزمات في المنطقة لم تعد ترفا ولا حاجة كمالية؛ إنها شرط للبقاء. فالدول لا تسقط بفعل الأعداء وقوتهم فقط، بل تتآكل من الداخل ببطء مع ضعف الوحدة وغياب الحلول

لا شك أن واقعنا يفرض علينا السعي لتحقيق أركان الأمن العربي، فهو لم يعد رأيا يتداول ولا خطابا يستهلك؛ إنه ضرورة وجودية وركيزة إستراتيجية. وما لم نكن يقظين في العقدين القادمين، مع توفر الإرادة الصلبة والرؤية الشاملة، سنكون هدفا لطرف تلو آخر ممن يريد السوء بثوابتنا وثرواتنا ومستقبل بلداننا.

فالعالم اليوم يحكمه منطق الاقتصاد المعرفي والذكاء الاصطناعي والتحالفات الإقليمية الكبرى؛ ومن يجمع هذه المفاتيح، أو بعضها، سيمتلك قوة التأثير، ومن يتكاسل يصبح سوقا للتصريف.

ولدى دولنا العربية مقومات متنوعة وطاقات بشرية هائلة، وهناك مؤشرات نهضة في أكثر من بلد. إن تم البناء عليها بروح الجماعة وتكاتف الإقليم، فربما نشهد تحولا إستراتيجيا من خلال الاستثمار الأمثل في البحث العلمي وبقية القطاعات، إلى جانب تكريس التكامل وتوطين التكنولوجيا بدلا من استيرادها.

إن معالجة جذور الأزمات في المنطقة لم تعد ترفا ولا حاجة كمالية؛ إنها شرط للبقاء. فالدول لا تسقط بفعل الأعداء وقوتهم فقط، بل تتآكل من الداخل ببطء مع ضعف الوحدة وغياب الحلول.

فإما أن ترتقي الدول العربية، ومعها قوى الإقليم، بقراراتها المصيرية بشكل يخدم شعوبها ومستقبل أبنائها لتعود معادلة يُحسب لها حساب، أو تبقى ساحة نفوذ تتقاطع فيها مصالح الآخرين وخرائطهم.

ختاما: نحن أمام منعطف تاريخي ولحظة فاصلة لا تحتمل أنصاف القرارات؛ إما نستكمل دورنا ونحقق تطلعات أمتنا، أو سيُكتب تاريخ جديد، لكن هذه المرة سنكون قرّاءه لا صنّاعه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان
كيف كانت تجربتكم معنا؟

إعلان