من المحيط إلى الخليج، تمتد خريطة واحدة، تتحد فيها اللغة والدين والتاريخ والعادات وحتى الأحلام. أرض غنية بالموارد الطبيعية من النفط إلى الغاز، ومن الفوسفات إلى الثروات البحرية والزراعية. أكثر من 400 مليون إنسان يجمعهم لسان واحد وتاريخ مشترك، لكنهم يتفرقون عند حدود السياسة والأنانية الوطنية الضيقة.
تلك المفارقة هي لب السؤال: متى يستيقظ العرب ليدركوا أن تفرقهم الاقتصادي هو أصل ضعفهم؟ وأنهم ما داموا لم يتوحدوا على لقمة واحدة فإن مصيرهم سيظل هو ذاته: العزلة والتبعية والتناحر على موائد الآخرين.
لقد فرقت السياسة ما جمعه التاريخ، وأخرت المصالح الضيقة ولادة مشروع اقتصادي عربي قادر على جمع الطاقات في تكتل يحترمه العالم. فبينما انشغلت أوروبا بتأسيس سوقها المشتركة منذ خمسينيات القرن الماضي، ظل العرب يتبادلون الخطابات لا المصالح، والوعود لا الإستراتيجيات.
بينما تتبادل دول الاتحاد الأوروبي أكثر من 60% من تجارتها داخليا، لا تزال الدول العربية تعتمد في صادراتها ووارداتها على الأسواق الأجنبية
الثروة الموزعة.. والفقر المتبادل
تملك الدول العربية مجتمعة ثروة هائلة؛ فهي تضم أكثر من 55% من احتياطي النفط العالمي، وتعتبر من أهم مصدري الغاز والفوسفات والحديد، وتمتلك سواحل تمتد آلاف الكيلومترات وموارد زراعية متنوعة من وادي النيل إلى الهلال الخصيب. ومع ذلك، لا يتجاوز حجم التجارة البينية العربية 10% من إجمالي التجارة الخارجية للدول العربية، وهي نسبة متدنية جدا مقارنة بالتكتلات الكبرى.
فبينما تتبادل دول الاتحاد الأوروبي أكثر من 60% من تجارتها داخليا، لا تزال الدول العربية تعتمد في صادراتها ووارداتها على الأسواق الأجنبية، مما يجعلها رهينة لتقلبات السياسة الدولية ومزاج القوى الكبرى.
إن غياب السوق المشتركة جعل كل دولة عربية تعيش في دائرة اقتصادية مغلقة:
- دول غنية بالموارد لكنها فقيرة بالصناعة.
- دول تملك اليد العاملة ولا تملك المشاريع.
- دول تستورد القمح من أوروبا رغم أن أراضي جيرانها قادرة على تصديره.
- دول تشتري التكنولوجيا من الخارج بدل أن تبنيها بشراكة مع جيرانها.
لو اجتمعت هذه العناصر في كيان اقتصادي واحد لتحول العالم العربي إلى قوة عظمى بكل المقاييس.
حين تأسس الاتحاد الأوروبي، لم تكن كل دوله غنية أو متقدمة. بلغاريا ورومانيا واليونان كانت غارقة في الأزمات، وإسبانيا خرجت من دكتاتورية ودمار اقتصادي
ماذا لو قامت السوق العربية المشتركة فعلا؟
تخيل لو اتفقت الدول العربية على تأسيس سوق اقتصادية مشتركة توحد التعريفات الجمركية، وتسمح بحرية تنقل السلع ورؤوس الأموال والأفراد، وتبني شبكة نقل بري وبحري وجوي تربط العواصم ببعضها.
حينها لن يكون النفط والغاز مجرد سلعة تصدرها بعض الدول، بل ركيزة لطاقة عربية موحدة تدعم الصناعة والزراعة والسياحة في كل الأقطار.
ستصبح السوق العربية من أضخم الأسواق الاستهلاكية في العالم، بأكثر من 400 مليون مستهلك، وبقدرة شرائية تتضاعف مع التكامل الإنتاجي.
سيكسب العالم العربي احترام القوى الاقتصادية الكبرى التي ستضطر للتعامل معه كتكتل واحد، لا كمجموعة دول يمكن تفكيكها بالمغريات والضغوط.
وسيكون للعرب، أخيرا، صوت اقتصادي واحد في مفاوضات الطاقة والغذاء والبيئة والذكاء الاصطناعي، بدل أن يستعمل كل بلد كورقة في يد هذا الطرف أو ذاك.
دروس من أوروبا.. واتحاد أنقذ أمما
حين تأسس الاتحاد الأوروبي، لم تكن كل دوله غنية أو متقدمة. بلغاريا ورومانيا واليونان كانت غارقة في الأزمات، وإسبانيا خرجت من دكتاتورية ودمار اقتصادي. ومع ذلك، بفضل السوق الأوروبية المشتركة، أصبحت بلغاريا اليوم عضوا فاعلا في منظومة اقتصادية تحميها وتدعمها، وتمكنت إسبانيا من التحول إلى اقتصاد مزدهر، فيما أنقذ الاتحاد الأوروبي اليونان من الإفلاس في أزمة 2008.
تلك الدول لم تنجُ لأنها تخلت عن سيادتها، بل لأنها فهمت أن السيادة لا تختزل في السياسة فقط، بل في القدرة على العيش الكريم.
السوق الأوروبية ليست اتحادا مثاليا، لكنها نموذج واضح لما يمكن أن يفعله التعاون الاقتصادي في حماية الشعوب من الفقر والانهيار.
فما الذي يمنع العرب من السير في طريق مشابه، يضع الاقتصاد فوق الخلافات السياسية، ويوجه الطاقات نحو التنمية بدل الحروب؟
ليس الحلم العربي مستحيلا، لكنه يحتاج إلى شجاعة القرار: شجاعة أن نؤمن بأن اقتصادا عربيا واحدا أقوى من مئة دولة متفرقة، وأن لقمة مشتركة تجمعنا خير من موائد متنازعة تفرقنا
بين السياسة والاقتصاد.. خيار الحياة
من المؤسف أن معظم المشاريع العربية الاقتصادية ولدت ميتة، لأن السياسة كانت دائما تتقدم على المصلحة العامة. بينما في العالم المتقدم يستعمل الاقتصاد جسرا لتجاوز الخلافات السياسية، نحن نحول السياسة إلى جدار يمنع أبسط أشكال التعاون.
لقد جرب العرب الثورات والانقلابات والحروب الأهلية، ولم يجنوا منها سوى الانقسام والفقر. أليس من الأجدر أن يجربوا أخيرا طريق السوق المشتركة؟
أن يجلسوا لا لتقاسم النفوذ، بل لتقاسم الفرص. أن يضعوا خريطة مصالح لا خريطة حدود.
الحلم ينتظر الشجاعة
ليس الحلم العربي مستحيلا، لكنه يحتاج إلى شجاعة القرار: شجاعة أن نؤمن بأن اقتصادا عربيا واحدا أقوى من مئة دولة متفرقة، وأن لقمة مشتركة تجمعنا خير من موائد متنازعة تفرقنا.
فالعالم لن ينتظرنا، والقرن الحادي والعشرون لا مكان فيه للدول الصغيرة المعزولة، بل للتكتلات الكبرى التي تعرف كيف تصنع مصالحها.
وما لم يستفق العرب إلى هذه الحقيقة، سيظلون يدورون في الحلقة ذاتها من الأزمات السياسية والانقسامات الشعبية والأحلام المؤجلة.
ربما آن الأوان أن نترك السياسة تلهث خلف الاقتصاد، لا العكس..
فمن يدير لقمة العيش هو من يدير المصير.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

