إلى أين نمضي؛ والطريق موحش بتسلط النافذين؟ وعمَ نبحث؛ والبحث أضناه انحدار الضمير قبل الطريق؟ فهل حقا نبحث عن غايات لا تدرك في ظل قيم تترك؟
كيف نؤمن بمصطلحات دفع بها في عمومية النظريات؛ بين ليبرالية تتصادم مع إمبريالية مقيتة، وطبقية أرستقراطية وبرجوازية تحرثان في حاجة بروليتارية؟ وكيف نصدق أبعاد التكنوقراط في ظل بيروقراطية تنتهج التعامل السيكوباتي؟
أين نحن من إرث لملم شتات قوم يتحاربون ليل نهار؟ وأين نحن من دروس الأمم السابقة التي حل عليها الرجز الإلهي؟ لنتأمل قليلا في هذه الحياة التي تجاوزت ناطحات السحاب فيها أكواخ الجوع والبرد، فأصبح الناس ينظرون إليها لتكون تسلية من تخمة الأنا
عالم متناقض
هذا العالم المتناقض مع نفسه لم يكن إلا قارعة حل، نذيرها من أجل أن تعيد البشرية حساباتها، علها تستفيق من غفلتها التي شوهت كل شيء يصنف ضمن إطار التعاملات الإنسانية.
والأقرب لوصف الوضع السائد أنه زمن التيه الذي تجاوز شريعة الغاب وتفوق عليها في نصب الشراك والاستقواء على الضعيف، حتى أكلت النفوس قصعتها وتجردت من كل ما يمت إلى عقلانية الإنسانية.
في الفترة الأخيرة تدافعت الأخبار كأنها جراد منتشر، فأصابت أذهان البعض ممن يهرولون خلف الصورة المعالجة بتقنيات الفوتوشوب بصدمة، فيما منحت البعض الآخر يقينا باعتبارهم قرؤوا الواقع وتنبؤوا بما يحدث، وفق نظرة تشخيصية عميقة لمسارات المجتمعات الغربية التي تتشدق بالقيم.
إنسان هذا الزمان لا يتوافق مع نفسه، فكيف يمكن أن يقود مسارا تصالحيا مع الآخر؟ فالقرارات تصاغ في دوائر ضيقة تتحكم فيها مصالح فئوية على حساب حقوق الأكثرية، لتدور الشعوب في دوامات أوسع بكثير من دوائر صنع القرار. فالأقلية تتحكم في الأكثرية وفق نزوات خاصة واندفاعات سيكوباتية عدائية.
أين نحن من إرث لملم شتات قوم يتحاربون ليل نهار؟ وأين نحن من دروس الأمم السابقة التي حل عليها الرجز الإلهي؟ لنتأمل قليلا في هذه الحياة التي تجاوزت ناطحات السحاب فيها أكواخ الجوع والبرد، فأصبح الناس ينظرون إليها لتكون تسلية من تخمة الأنا.
ولننظر كيف تصافحت شعارات الأخلاق مع صفقات القوة، فمدت الأيادي الملطخة بالدماء ليكون ظاهرها طوق إنقاذ الغريق. ولنتمعن كثيرا في تلك الرايات التي وسمت بالحرية، بينما أفواه الحق كممت وزج بها في السجون؛ لأنها قالت الحقيقة، فأي شتات وتمزق هذا؟
لقد عكست حالة التسلح ذروة الخوف الناشئ من عدم الثقة بين الأنظمة وشعوبها، فيما عكس تضخم الأخبار وكثرة المعلومات حالة القلق المعرفي بين المجتمعات.
فالتسليح المادي الذي يجتاح العالم المتأخر، من طائرات مسيرة وأنظمة دفاع متطورة، هو تجارة رائجة لا تعرف وجهتها وضد من توجه، بل يعرف بأنها على حساب رخاء الإنسان وأمنه وأمانه وحاجته في عيش يومي.
كما أن التسليح الإعلامي هو ذروة الضجيج العالمي الذي أراد أن يخفي الحقائق، ويلهي الشعوب عما يدور في جزر متناثرة انتهكت فيها الإنسانية، وظهرت عندما اختلف اللصوص فيما بينهم.
إننا نرى بهذا التناقض الفاضح تسليحا متزايدا يقابله فقر متفاقم، وبناء تحالفات باسم الأمن، بينما هناك أمن يهدم باسم التحالفات (نموذج غزة)، وبروز دوائر قرار سياسي واقتصادي مغلقة، وأفواج بشرية منفتحة على كل شيء دون يقين أو تدبر.
إننا نعيش اليوم في حالة الهروب إلى الخلف، خاصة في فهم فكرة الاعتزال، فيما تدفعنا القيم بعمق معناها إلى مواجهة العالم ومقاومة انحرافاته التي يجب أن تكون منهج حياة
رمضان.. فلسفة رحمة
في تلك السياقات المهشمة، وفي ظل الفريق الذي يبحث عن تعريف القوة والمعلومة والمصلحة، ثمة جملة من الأسئلة تتدافع مع حلول شهر رمضان، لتخرج الذوات من الاعتزال السلبي إلى فضاء الانضباط الداخلي الذي يمنع الانزلاق إلى عنجهية فكرة "أنا ومن بعدي الطوفان"، ليتبنى فضائل الرحمة على النهج المحمدي: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
فكيف يمكن التحول من فلسفة الاعتزال التعبدي في روحانية شهر رمضان، حيث ينكفئ الإنسان على ذاته اتقاء للضجيج وطلبا للصفاء، إلى فلسفة الفعل الأخلاقي التي تعيد وصل الروح بالواقع، لتجنب الوقوع في فهم أن الشهر يتحول إلى طقس زمني عابر ينطفئ مع هلال شهر شوال؟
إن المتغيرات التي يقترفها الإنسان هي النوايا التي تتماثل مع الواقع، وهي نتاج صنيعه وعمله وتوجهاته. فهل يمكن أن نقف برهة مع الزمن لنعيد الفهم السائد إلى جادة الصواب؟ حيث نجعل الصوم وصفة لإعادة ترتيب واقعنا، لا مجرد امتناع عن بعض المفطرات، للخروج من مأزق فكرة الشعور بالجوع كحرمان إلى الشعور بالجوع كتحرير للنفس من عبودية التسلط.
إننا نعيش اليوم في حالة الهروب إلى الخلف، خاصة في فهم فكرة الاعتزال، فيما تدفعنا القيم بعمق معناها إلى مواجهة العالم ومقاومة انحرافاته التي يجب أن تكون منهج حياة.
لذلك فقد زادت الفجوة حين تحول الاعتزال إلى انسحاب دائم، واختزلت روحانية شهر رمضان في طقوس وشعائر شكلية منفصلة عن بنية السلوك العام. فإن كان رمضان في أصله السماوي مدرسة في ضبط النفس، فلماذا تعلق مسؤولية الفرد والمجتمع على مبدأ "لا مساس" أو "لا علاقة لي بالآخر"؟
إذًا، التوجه يقودنا إلى فهم متعمق لتوظيف حالة التقدم المتسارعة في سبيل معالجة اندثار الأبعاد القيمية والأخلاقية لإيجاد تحول يتدبر ولا يدبر، ويؤمن بأن الشهر ليس طقسا زمنيا بل بنية تربوية متجددة.
ويؤكد على أن الاعتزال ليس غاية بل وسيلة للانضباط الداخلي، والروحانية ليست انفصالا عن الواقع بل ترقية لأخلاق الفعل فيه، والصوم ليس امتناعا عن الطعام وسائر المفطرات فقط، بل هو امتناع عن الفوضى والانفعال والأنانية، وهو تهذيب للمواجهة عند وقوع الظلم.
لماذا علينا الخروج من حدود الاعتزال التعبدي؟ هذا السؤال الجوهري في حد ذاته دعوة معرفية لكيفية بناء الكيان الإنساني وفق الفطرة الربانية والنهج المحمدي. لأننا إذا أطرنا الاعتزال التعبدي بحدود ضيقة لا يمكن أن ننتقل به إلى فعل قيمي ذي أثر جماعي، بل سنعيد تكرار واستنساخ الأعوام السابقة وفق الشعور بصفاء مؤقت يعقبه اندفاع قديم، ينتهي مع نشوة عيد الفطر والولوج بشهوة إلى كل ما كان مفطرا.
نحن نحتاج إلى تغيير خارطة طريق وعينا إن لم نستطع تغيير خرائط العالم، وإيقاف سباق الأنانية المفرطة والمفطرة إن لم نتمكن من إيقاف أو تقليل سباق التسلح الذي يبيدنا
تحولات في الجذور
لذلك، فإن التحول المنشود في إطار هذا السرد يدعو إلى دفع النفس إلى لحظة مسترسلة المبدأ، متماثلة الواقع، لمراجعة جذرية تترجم إلى سلوك مستدام وتكون ذات أثر.
أو هي كما يسمى إدارة التغيير وفق أدوات تنقلنا من العادة إلى العبادة، تتبنى نهجا إصلاحيا بنفس طويل، ليكون رمضان شهرا لانطلاقة إصلاحية، وليس ملاذا من العالم وما يدور حولنا.
وبالتالي، تبنى التحولات هنا على ثلاثة مسارات مترابطة؛ أولها يبدأ من فهم كيفية التحول من السكون إلى الوعي أو المعرفة، وثانيها التحول من المعرفة إلى المسؤولية، وثالثها التحول من المسؤولية إلى العمران.
ففي أولها تهذيب نفسي يصبح فيه الصوم منصة تدريبية على كبح الاندفاع وضبط إيقاع ردة الفعل، ومقاومة شهوة الذات في التعدي على حقوق الآخرين أو الردود المهشمة لمن حولنا، خاصة في منصات التشاحن اللااجتماعي.
وفي ثانيها التحول من سباق التسلح المادي إلى سباق التسلح الأخلاقي، من خلال تسليح الضمائر بالعدالة، وبناء الكلمة على الصدق، ودفع القرار بمعيار التوازن. أي: كل التشكلات الروحانية التي لا تنعكس على العدالة الاجتماعية والنزاهة المهنية والشفافية المؤسسية تبقى ناقصة مجتزأة من أصلها.
وفي ثالثها ربط بين تزكية النفس وصلاح العمران كما أشار ابن خلدون في مقدمته، حيث إن العمران، وبدون أدنى شك، لا يقوم على القوة وحدها، بل على ثراء الثقة التي تنشأ وتتكئ على صدق المعاملة وعدالة القوانين.
وتأكيدا، فإن شهر رمضان ليس محطة انسحاب واعتزال، بل محطة شحذ وشحن النفوس، وهو إعادة بناء وتموضع وتأسيس لعلاقة الفرد مع ذاته وعلاقته مع المجتمع، وهو منطق تفكر وتدبر لمنظومة العبادة والعمران، وهو فهم وتبين بين الخيط الأبيض والخيط الأسود، وهندسة محوكمة بين الخلوة والخطوة.
خلاصة القول؛ نحن نحتاج إلى تغيير خارطة طريق وعينا إن لم نستطع تغيير خرائط العالم، وإيقاف سباق الأنانية المفرطة والمفطرة إن لم نتمكن من إيقاف أو تقليل سباق التسلح الذي يبيدنا.
وإذا كان واقعنا يتناص أو يتماثل مع شريعة الغاب، بل هو أكبر وأبقى، فعلينا أن نوقن بأن شريعة الغيب لها ميزان لا تشتريه التحالفات، ولا تختله الصفقات، وهي رحمة لا تحتكرها القوى العظمى.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

