كيف تتميز في دراسة القانون؟ 8 نصائح من عبد الحي حجازي

الكاتب: الخلق أليق وألزم على طالب علم القانون وما بُعث الرسول محمد إلا ليتمم مكارم الأخلاق (مواقع التواصل)

8 نصائح للتميز في دراسة القانون: مستقاة من كتاب المدخل لدراسة العلوم القانونية للدكتور عبد الحي حجازي.

أجمع لكم نصائح كتبها الفقيه عبد الحي حجازي في مقدمة كتابه، أو مطوله بصورة أدق، لكن قبل ذلك دعوني أقدم لهذا الفقيه بترجمة موجزة.

وُلد عبد الحي حجازي عام 1914، وأنهى المرحلة الجامعية عام 1937 في كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول، وعُين معيدا بها، ثم أكمل طريقه إلى الدكتوراه، فبرع في كتابة رسالته أيما براعة، على الرغم من أن موضوعها في مصر إبان ذلك كان جديدا حديثا، فكان هو أول من استهل فتح الباب في موضوع: "عقد المدة أو العقد المستمر والدوريّ التنفيذ"، ولا تزال رسالته إلى يومنا الحاضر مرجعا أساسيا في هذا الموضوع.

كان حجازي يتقن خمس لغات، هي: العربية، والإنجليزية، والفرنسية، والإيطالية، والألمانية.

انتقل الفقيه إلى الكويت واستقر فيها، ودرس في كلية الحقوق والشريعة، وأصدر هناك مجموعة من الطبعات لكتبه، وتوفي رحمه الله سنة 1974.

وبعد هذه الترجمة الموجزة، نشير لكم بأهم النصائح للتميز في دراسة القانون من كتابه "المدخل لدراسة العلوم القانونية":

محبة علم القانون

يقال اليوم: "أحبب الشيء حتى يحبك"، و"من لا يعطي لا يأخذ"، فما سبيل التميز في علم القانون إن لم تعود نفسك حبه؟ وإن كان جبرا في بادئ الأمر.

فالمحبة شرط مفترض، وركن أساسي يقوم عليه المبنى، وأكاد أقول إنه من المستحيل أن يقوم من دونه؛ لأن العلم طريقه طويل عسير، شاق وعر، تحفه المصاعب والمخاطر، وحبه يتيسر السعي فيه، فيسهل الحمل الثقيل، ويقصر المسلك الطويل، وينير السبيل.

وبنقيضه يكل الطالب، ويمل الشاب من المطلوب، فيسترخص المأمول، ويزهد في الأثر، وتكون النتيجة الفساد، ويعوج عن طريق السداد.

وإذا أحببت العلم فلن تنفك منه، وتصبح علاقتك معه سرمدية، تخدمه كلك بغاية أن تحصل على بعضه. وفي عشقه قال ابن القيم: "وأما عشاق العلم فأعظم شغفا به وعشقا له من كل عاشق بمعشوقه، وكثير منهم لا يشغله عنه أجمل صورة من البشر".

إعلان

ولنا في شيخ الإسلام ابن تيمية أسوة حسنة، فعندما وصفه تلميذه الحافظ ابن عبد الهادي قال إنه: "لا تكاد نفسه تشبع من العلم، ولا تروى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكل من البحث…".

علم القانون مزدحم بالنظريات الدسمة الثقيلة التي يصعب هضمها، ويتعسر على العقل تقبلها، فلا تتأتى إلا مع الوقت وبجرعات متتابعة، ولا يتشربها الطالب إلا رويدا رويدا

التحلي بالصفات الأدبية

والخلق أليق وألزم على طالب علم القانون، وما بُعث الرسول محمد إلا ليتمم مكارم الأخلاق، فعليه أن يتحلى بالصفات الحميدة، ويبتعد عن القبيحة، كأن يتواضع بأن ينخفض للعلم، ويترك العجب ولا يعلو عليه، فالأول عطوف، والثاني منفر، وحاجته إلى الأول حاجة ماسة، فبه يزداد علما، كما الأماكن المنخفضة التي يزداد بها الماء عن الأماكن العالية.

ويجب على طالب القانون أن يبتعد عن الكلام المذموم، كالسب والنميمة وبث الفتنة، ويلجأ إلى الكلام الطيب: "والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا".

تنمية الملكة القانونية

يقال: "العلم على المناقشة أثبت منه على المتابعة"، كما يقال: "العلم في الراس لا في الكراس". لكن ما هي الملكة القانونية؟

الملكة القانونية هي ثقابة المعرفة، وقوة الفطنة، فإصابة الفكرة، ونفاذ بصيرة، فإقناع بمنطقية، وإيصال رسالة.

وهذه الملكة القانونية تقوى بالاستعمال وتنقص بالإهمال، فتزداد بكثرة التجارب، والاطلاع على السوابق، ومواكبة المستجدات، وزيادة القراءات، كما تنقص بالتفاهات والمنكرات، ومجالسة قليلي الهمم.

المذاكرة أولا بأول

علم القانون مزدحم بالنظريات الدسمة الثقيلة التي يصعب هضمها، ويتعسر على العقل تقبلها، فلا تتأتى إلا مع الوقت وبجرعات متتابعة، ولا يتشربها الطالب إلا رويدا رويدا.

فهي بمثابة المشروب الساخن، إذ لا يمكن للشخص أن يشرب الشاي بدلقة واحدة، وهكذا علم القانون.

فلا يمكن للطالب أن يفهم نظرية الحق في جلسة مفردة، ولا يستطيع أن يحيط بنظرية الالتزام في يوم أو يومين، ولا يتسنى له استيعاب مبدأ مشروعية القرار الإداري بقراءة فاحصة، وهلم جرا على بقية النظريات القانونية.

تأمل معي وصية الفاروق، رضي الله عنه، لأبي موسى الأشعري: "أما بعد، فإن القوة في العمل ألا تؤخر عمل اليوم إلى الغد، فإنكم إذا فعلتم ذلك تداركت عليكم الأعمال- يعني تتابعت وتكاثرت- فلم تدروا بأيها تأخذون، فأضعتم".

فلا تسوف نفسك بالمواعيد الكاذبة، واملأها بانقطاع الأشغال المتصلة.

على الطالب أن يطلع على مراجع جمة في كل فرع من فروع القانون، ومصادر شتى من كل حدب وصوب، ومن ثم فعليك اقتناؤها، سواء أكانت عربية أم أجنبية، تدريسية أم مرجعية

الاستفادة الحسنة من الأستاذ

ويكون ذلك بالسؤال عما استشكل في المحاضرة، يقال: العلم خزائن ومفاتيحها السؤال.

وقيل لابن عباس، رضي الله عنه: بمَ نلت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول.

وقد أنشد المبرد عن أبي سليمان الغنوي:
فسل الفقيه تكن فقيها مثله ..       لا خير في علم بغير تدبر
فإذا تعسرت الأمور فأرجها..     وعليك بالأمر الذي لم يعسر

عدم الاكتفاء بالشرح في المحاضرة

كتاب المقرر سلاح الطالب طوال مسيرته العلمية والعملية، فهو المنطلق والمنتهى لطلاب العلم، ولا بد أن يلتزم به، وبهذا تتكامل العملية المعرفية.

إعلان

ففي النقطة السابقة بينا لكم أهمية التعاون مع الأستاذ، وهنا تتجلى لنا قيمة الكتاب.

وأعلم أن لكل مقرر دراسي توصيفا يتضمن أمورا كثيرة، ومنها المراجع والمصادر التي يعتمدها الأستاذ، وبخلاف كتاب المقرر، يجب على طالب العلم أن يروح ويغدو عليها، وألا يكتفي بالكتاب التدريسي، وبهذا تتكون الملكة القانونية، وتتسع الآفاق المطلوبة لرجل القانون.

يقول ابن الجوزي في صيد الخاطر: "فسبيل طالب الكمال في طلب العلم الاطلاع على الكتب".

ويحتّم ما سبق أن يطلع الطالب على مراجع جمة في كل فرع من فروع القانون، ومصادر شتى من كل حدب وصوب، ومن ثم فعليك اقتناؤها، سواء أكانت عربية أم أجنبية، تدريسية أم مرجعية، موجزة أم مطولة، ورقية أم إلكترونية.

وبهذا الاكتناز يحيط طالب العلم بأهم المراجع القانونية في تخصصه، كالسنهوري في القانون المدني، وفتحي والي في المرافعات، ومحمود نجيب حسني في الجنائي، وهكذا دواليك.

ومن جانب آخر تتكون لديه مكتبة قانونية ضخمة مع مرور الوقت، تكون له نعم المعين، قاضيا كان أم محاميا، أستاذا أم باحثا.

وقد انتشرت ظاهرة سيئة مؤداها الفشل المحتوم، حيث أصبحت دارجة في الصروح التعليمية، وهي أن يعتمد الطالب على شرائح العرض PowerPoint المختصرة الموجزة التي يستعين بها الأساتذة لاستذكار المعلومة، وهي في الحقيقة لا تنشئ طالب علم ولا رجل قانون، لأنها قشور المعرفة لا ثمرها.

النص القانوني هو الوحدة التي تتناول في مضمونها فرضا أو مسألة أو واقعة، وفي مقابلها حكم أو أثر أو حل لها

الاهتمام بالأحكام القضائية

فالسوابق القضائية هي بمثابة البوابة التي ينتقل منها طالب العلم القانوني، على الرغم من جلوسه، من الجانب النظري إلى الواقع العملي، فيتحرك رغم جموده الواقعي.

وإذا تفكرنا قليلا وجدنا أن الأحكام القضائية في علم القانون بمثابة المنهج الإحصائي عند بقية العلوم.

الرجوع إلى النصوص القانونية

النص القانوني هو الوحدة التي تتناول في مضمونها فرضا أو مسألة أو واقعة، وفي مقابلها حكم أو أثر أو حل لها.

وبجمع النصوص تتكون المجموعة، وبقصر النظر يصبح فهم الفرض أو المسألة أو الواقعة معيبا، إذ تجد في بعض الأحيان ما يتعلق بهذا الفرض في النص الذي يليه.

وهكذا فإن قراءة المواد القانونية بمجموعها تساعد على شمولية الفهم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان