- إبستين وسيكولوجيا النخب.. ما الذي يحدث عندما تفقد السلطة حدودها؟
لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد فضيحة جنسية عابرة، ولا حادثة معزولة انتهت بانتحار غامض داخل السجن. فما كشفت عنه وقائع هذه القضية يعكس وجها أعمق للسلطة حين تتحول إلى دائرة مغلقة، ترى نفسها فوق القواعد، وتتعامل مع البشر باعتبارهم مراتب متفاوتة، لا ذواتا متساوية في الكرامة الإنسانية.
لقد مثلت قضية إبستين لحظة صادمة كشفت كيف تعمل النخب حين يتقاطع النفوذ مع الإفلات من المساءلة، وحين تضمحل الأخلاق وتخفت الاعتبارات القانونية داخل عوالم مظلمة لا تصلها الرقابة إلا متأخرة.
في سيكولوجيا النخب يكمن شعور غير معلن بالاستثناء، ليس استثناء قانونيا بالضرورة، بل هو إحساس داخلي بأن القواعد وضعت لإدارة المجتمع، لا لتقييد من يديرونه. وهو شعور لا يظهر فجأة، بل يتكون مع الوقت عبر وفرة المال وقوة العلاقات وتكرار الإفلات من العقاب، إلى أن يصبح جزءا من نظرة النخبة إلى نفسها، وتمثلا ذهنيا راسخا للعالم من حولها.
أظهرت أبحاث في علم النفس الاجتماعي أن السلطة التي تدوم طويلا تضعف القدرة على التعاطف، وتحد من رؤية أفراد المجتمع كذوات مكتملة، وقد يصل الأمر أحيانا إلى حد نزع الإنسانية عن الآخرين
وتجسد قضية جيفري إبستين هذه الذهنية بوضوح، فالرجل لم يكن فاعلا معزولا، بل شكل حلقة وصل بين دوائر سياسية ومالية وثقافية نافذة، واستمر نشاطه لسنوات رغم كثرة الشكاوى وتراكم القرائن ضده، ليس بسبب جهل المؤسسات بالوقائع، بل لأن الاطلاع على ما يحدث داخل الدوائر الضيقة للنخب لا يؤدي دائما إلى المحاسبة، وقد يتحول إلى اتفاق ضمني على الصمت المتبادل. ففي مثل هذه البيئات لا تحمى القيم بقدر ما يحمى تماسك الشبكة، من أجل ضمان استمرار الاستفادة منها.
وقد أظهرت أبحاث في علم النفس الاجتماعي أن السلطة التي تدوم طويلا تضعف القدرة على التعاطف، وتحد من رؤية أفراد المجتمع كذوات مكتملة، وقد يصل الأمر أحيانا إلى حد نزع الإنسانية عن الآخرين، مما يجعل الفئات الأضعف في نظر النخبة مجرد وسائل وأدوات يمكن استغلالها.
وبالتالي فإن ضحايا شبكة إبستين لم يكونوا مجرد ضحايا فرد معزول، بل كانوا ضحايا مسافة طبقية ونفسية أجازت الانتهاك، وبررته دون أدنى شعور بالذنب لدى مرتكبيه.
ولا يمكن فهم الاستغلال الجنسي في هذه القضية بوصفه انحرافا فرديا فقط، فداخل بعض الدوائر المغلقة لا يكون الهدف هو المتعة في حد ذاتها، بقدر ما هو كسر المحرم واختبار الحدود الأخلاقية، ليتحول الجنس في هذا السياق إلى لغة سلطة، وإلى وسيلة لإثبات القدرة على فعل ما لا يسمح للآخرين.
تكشف قضية جيفري إبستين أن النخب قد تطور منطقا ترى نفسها بموجبه فوق القانون والأخلاق، وتحول الآخرين إلى أدوات داخل شبكتها
بيد أن الأخطر في قضية إبستين ليس الفعل نفسه، بل اللامبالاة التي أحاطت به. فحين تصبح الجرائم ممكنة داخل دوائر مغلقة دون إنذار فعال، فهذا يعني أن الخلل لم يعد أخلاقيا فحسب، بل إدراكيا كذلك، إذ لا تنظر النخبة في هذه الحالة إلى المجتمع كما هو، بل كما تحتاجه أن يكون من أجل ضمان استقرارها واستمرارها.
سلطت بعض الأعمال الفنية المعاصرة الضوء على سيكولوجيا النخب، محاكية الواقع من خلال إشارات رمزية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مسلسل لعبة الحبار، الذي يتمحور حول لعبة قاتلة تديرها نخبة غير مرئية، تراقب المشاركين من الأعلى، وتتعامل معهم كأدوات متعة وأرقام قابلة للاستبدال. وكما هو الحال في واقع قضية إبستين، لا يهم من يستغل أو يهان أو حتى يقتل، بقدر ما يهم استمرار اللعبة وتحقيق المتعة.
في المحصلة، تكشف قضية جيفري إبستين أن النخب قد تطور منطقا ترى نفسها بموجبه فوق القانون والأخلاق، وتحول الآخرين إلى أدوات داخل شبكتها. وما يجعل الأمر أخطر ليس الجريمة نفسها، بل الاعتياد عليها واستمرارها في الظل، إذ يصبح الصمت والتواطؤ قاعدة ثابتة داخل هذه الدوائر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

