العلاقة بين العرب وإيران.. أين تكمن المصلحة؟

الكاتب: في لحظة شبح الحرب، يصبح من الواقعية السياسية القول إن منع حرب شاملة على إيران ليس "مجاملة لطهران"، بل استثمارا عربيا في منع اختلال مدمر لميزان القوة الإقليمي (الفرنسية)

لكي يكون المقال صادقا مع "اللحظة"، لا يكفي أن نتحدث عن توتر عربي-إيراني في فراغ. كثير من العرب يرون أن بوصلة الخطر الأوسع ليست إيران بحد ذاتها، بل مشروع ضمان تفوق إسرائيل وأمنها بلا سقف، عبر تفكيك التوازنات الإقليمية، واستدامة الاستثناء من المحاسبة، وتحويل المنطقة إلى ساحات متنازعة تدار بالتجزئة.

وهنا لا نتحدث عن "شعار"، بل عن واقع يراه الناس يوميا في غزة: حرب ذات كلفة بشرية هائلة، دمار واسع للبنية العمرانية والاجتماعية، هيئة الأمم المتحدة للمرأة قدرت مقتل أكثر من 28 ألف امرأة وفتاة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتحديثات أممية استندت إلى بيانات مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية (UNOSAT)، تشير إلى أن نسبة كبيرة جدا من مباني غزة تضررت أو دمرت، مع حجم ركام ضخم يجعل "الحياة الطبيعية" نفسها سؤالا مؤجلا.

وعلى المسار القانوني الدولي، أصدرت محكمة العدل الدولية تدابير مؤقتة في يناير/كانون الثاني 2024 في قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل، ثم أمرا إضافيا في مايو/أيار 2024، ما يعكس قناعة المحكمة بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية الحقوق محل الدعوى، وتسهيل الإغاثة ومنع تفاقم الخطر.

وفي المسار الجنائي، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغالانت وقيادي من حماس، على خلفية اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مرتبطة بغزة.

في ظل هذا كله، تبدو فكرة "إسرائيل دولة طبيعية" في نظر قطاعات عربية واسعة، فكرة صعبة التصديق، لا لأن الدول لا تخطئ، بل لأن منظومة الاستثناء (السياسي والقانوني) تجعل بعض السياسات قابلة للتكرار بلا كلفة.

رفض الحرب على إيران لا يعني تبني مشروعها، بل يعني منع المنطقة من الدخول في مرحلة "فرض"، يزداد فيها نفوذ القوة الغالبة، بينما تتآكل قدرة العرب على التفاوض في أي ملف، وفي المقدمة فلسطين

شبح الحرب على إيران: لماذا يصبح منعها مصلحة عربية؟

الخوف من الانفجار لا يصنع مصالحة تلقائية، لكنه يصنع مصلحة مشتركة دنيا هي منع الكارثة.

إعلان

وهنا تظهر، في كواليس السياسة العربية، فكرة تتردد بهدوء لكنها ثقيلة: هزيمة إيران في حرب إقليمية واسعة لا تعني "سقوط خصم" فقط، بل تعني اختلال ميزان القوة لصالح إسرائيل وحلفائها بدرجة قد تجعل المنطقة تدار من موقع ضعف، وتفرض عليها ترتيبات سياسية وثقافية وأمنية لا تراعي مصالح شعوبها.

هذه ليست دعوة للاصطفاف مع إيران، ولا تبرئة لسياساتها؛ إنها قراءة توازنات: منع حرب شاملة على إيران قد يكون، في ميزان عربي بارد، حماية لحد أدنى من التوازن الإقليمي، وبالتالي حماية لمصالح الخليج والمشرق وفلسطين في آن.

بالمعنى العملي: رفض الحرب على إيران لا يعني تبني مشروعها، بل يعني منع المنطقة من الدخول في مرحلة "فرض"، يزداد فيها نفوذ القوة الغالبة، بينما تتآكل قدرة العرب على التفاوض في أي ملف، وفي المقدمة فلسطين.

فلسطين: ميزان الصدق وميثاق الحد الأدنى

أي حديث عن علاقة عربية-إيرانية يتجاوز فلسطين يبقى ناقصا؛ ففلسطين ليست شعارا إضافيا، بل القضية التي تختبر معنى السياسة في المنطقة: معنى الشرعية، ومعنى الأخلاق العامة حين تصبح حياة المدنيين هي المعيار لا البلاغات.

الفاجعة في غزة لا تختصر في رقم واحد، لكنها تلزم المنطقة بحد أدنى: الحق الفلسطيني أصل لا هامش، وحماية المدنيين ليست ملفا انتقائيا، والتجويع والعقاب الجماعي ليسا "تفاصيل حرب"، ومسار القانون الدولي ليس رفاهية تستدعى في مكان وتهمش في مكان.

والحقيقة المرة أن تفكك المجال العربي لم يبدأ فقط من اختلاف المصالح، بل من اختلاف النظر إلى فلسطين نفسها حين يتحول الخلاف من "الوسائل" إلى "القيمة". فلسطين حين تهمش تفقد المنطقة بوصلتها المشتركة؛ وحين تستعاد كقاسم جامع، يمكن للسياسة أن تستعيد بعض معناها وقدرتها على الفعل.

خفض التوتر العربي-الإيراني لا يكفي وحده؛ يجب أن يترجم إلى مشروع تعاون يطوي صفحة "ساحات النفوذ"، ويبدأ صفحة "إنقاذ الدول"، وهو الطريق الأكثر واقعية لتخفيف الفوضى وإغلاق بوابات الحرب القادمة

ما وراء الجغرافيا: إنقاذ الدول الهشة مشروع عربي-إسلامي لا ساحة نفوذ

حتى لو تم ضبط العلاقة العربية-الإيرانية، ستبقى المنطقة عرضة للاشتعال ما لم تعالج جذور "الدول الهشة"، التي تحولت إلى مصانع تعقيد.

لكن الأهم من التشخيص هو تغيير طريقة التعامل معها: الدول المأزومة ليست "مساحات فراغ" لتنافس النفوذ، بل هي خطوط دفاع عن استقرار الإقليم كله، لأن انهيارها يصدر السلاح والتهريب والهجرة والاقتصاد الموازي والتطرف، ويحول كل خلاف خارجي إلى أزمة داخلية متنقلة.

لهذا، يصبح منطق اللحظة أن تنتقل الدول العربية والإسلامية من إدارة الأزمات عبر "محاور" إلى إدارتها عبر ائتلاف تسوية: تكتل سياسي-اقتصادي يضع حدا أدنى مشتركا لإنقاذ الدول القابلة للإنقاذ، ويفرض قواعد تغلق باب "الحروب بالوكالة"، وتفتح باب الدولة.

فاليمن- مثلا- ليس محكوما بالبقاء حلبة صراع دائم، ولو توافقت القوى العربية الأساسية مع إيران على سقف واقعي (وقف دعم التصعيد، ضمانات أمن الجوار، مسار سياسي شامل، ومقاربة اقتصادية-إنسانية طويلة النفس)، لأمكن تحويل اليمن من معادلة استنزاف إلى معادلة تسوية.

إعلان

والأمر نفسه ينطبق على السودان الذي يحترق، وعلى ليبيا التي ظلت رهينة التشرذم، وعلى الصومال الذي يترك طويلا ليتحول إلى ساحة تتناوب عليها التدخلات، بدل أن يكون مشروع دولة.

المطلوب هنا ليس "وصاية" على هذه البلدان، بل تضافرا منظما يعيدا تعريف المصلحة المشتركة:

  • دعم مسار وطني جامع بدل تغذية انقسام الفصائل.
  • تمويل إعادة بناء المؤسسات والخدمات الأساسية بدل تمويل الاصطفافات.
  • دعم ترتيبات أمنية تعيد احتكار السلاح للدولة تدريجيا بدل تكريس المليشيا.
  • حماية الاقتصاد من الانهيار عبر حزم إنقاذ وإعمار مشروطة بالشفافية.

قطر قدمت نموذجا محترما في الوساطة، وعُمان تلعب أدوار تهدئة مهمة، لكن المطلوب أكبر من جهود دولة واحدة: كتلة عربية-إسلامية تملك ثقلا ماليا وسياسيا ودبلوماسيا، تجعل "حل الأزمات" سياسة إقليمية ثابتة لا رد فعل موسمي، وتخرج الدول الهشة من كونها ساحات اختلاف "عليها وفيها" إلى كونها مسؤولية مشتركة يحميها الجميع؛ لأن انهيارها يهدد الجميع.

بهذا المعنى، خفض التوتر العربي-الإيراني لا يكفي وحده؛ يجب أن يترجم إلى مشروع تعاون يطوي صفحة "ساحات النفوذ"، ويبدأ صفحة "إنقاذ الدول"، وهو الطريق الأكثر واقعية لتخفيف الفوضى وإغلاق بوابات الحرب القادمة.

الجوار لا يختار، لكن قواعده تختار.. المنطقة ليست مطالبة بتحويل الخلاف إلى صداقة كي تتنفس؛ لكنها مطالبة- إن أرادت النجاة- بتحويل الخصومة إلى سقف يمنع الانفجار

من الجوار إلى القواعد: خمس خطوات قابلة للتنفيذ

لا توجد وصفة سحرية، لكن هناك خطوات واقعية تقلل الانزلاق وتراكم الثقة:

  • ميثاق عدم استخدام الأراضي كساحات: لا منصات هجوم، ولا رسائل عسكرية عبر حدود الآخرين.
  • قناة إدارة أزمات دائمة: خط سياسي-أمني مباشر لتفكيك الحوادث قبل توسعها.
  • قواعد لحماية الملاحة: هرمز وباب المندب خطوط حياة، وتعطيلهما يضرب العرب أولا.
  • اقتصاد التهدئة: تجارة وترانزيت وطاقة، ليصبح الاستقرار مصلحة ملموسة لا شعارا.
  • فلسطين كأرض تعاون لا تنافس: تنسيق عملي في الإغاثة والدعم القانوني والضغط الدبلوماسي والاقتصادي غير العنيف، بدل تحويل القضية إلى مزايدة تضعفها وتضعف أصحابها.

الجوار لا يختار، لكن قواعده تختار.. المنطقة ليست مطالبة بتحويل الخلاف إلى صداقة كي تتنفس؛ لكنها مطالبة- إن أرادت النجاة- بتحويل الخصومة إلى سقف يمنع الانفجار.

وفي لحظة شبح الحرب، يصبح من الواقعية السياسية القول إن منع حرب شاملة على إيران ليس "مجاملة لطهران"، بل استثمارا عربيا في منع اختلال مدمر لميزان القوة الإقليمي، اختلال قد يترجم مزيدا من الفوضى، ومزيدا من الاستثناء لصالح إسرائيل، ومزيدا من العجز العربي عن حماية فلسطين أو حماية اقتصاداته وممراته.

أما فلسطين، فستبقى الميثاق الذي يمنع انهيار المعنى: كل تقارب عربي-إيراني يتجاوزها سيبقى هشا؛ وكل خصومة تؤدي إلى نسيانها ستنتهي إلى مزيد من التفكك، ومزيد من قابلية الإقليم لأن يدار من خارج إرادته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان