- 14 عاما من الانتظار.. يوم التقى ضحايا يزين وجوههم سلطان العدل عند باب المحقق
قبل أيام وصلتني معلومة مفادها أن مجرما من شبيحة الأسد موقوف لدى الأمن العام، وأنه قد يطلق سراحه في أي لحظة لعدم وجود أي ادعاء رسمي ضده. وحين سمعت اسمه، انفتحت في مخيلتي نافذة زمنية مؤلمة، وعاد بي شريط الذاكرة 14 عاما، وتحديدا إلى ذلك اليوم الذي انطبعت جراحه في جسدي وروحي.
في 13 ديسمبر/كانون الأول عام 2011، كان الهواء في "جوبر" مشبعا برائحة البارود المرة، وصوت الرصاص يتردد كضربات قلب خائف.
كنت أنا وإخواني من الثوار الأوائل نركض بين الأزقة الضيقة، قلوبنا تنبض بالإيمان والعزم، نحمي مظاهرة سلمية من كمين خبيث أعده النظام. نجحنا في إنقاذ الأبرياء، لكن الفرحة كانت قصيرة، إذ سقط "أبو حمزة" العجوز شهيدا؛ صحيح أن قلوبنا انفطرت لرحيله، لكنه سقط بطلا في ساحة الشرف.
كنا قد أنهينا توا ما يشبه "مهمة صغيرة" في قاموس الحرب، لكنها في قاموسنا كانت تجربة كبيرة، جديدة وشبه كاملة. كان المكان يعرف كيف يبتلع الأصوات، وكيف يترك لكل حجر ذاكرة. انسحبنا في "ميكروباص" متهالك، متجهين نحو الغوطة الشرقية، ذلك الملاذ الذي يحتضن الثوار كأم حنون.
في تلك الأثناء، وفي بيتنا، كان زمن آخر يتوقف. أخبرتني أختي فيما بعد أنها مع أمي، ومنذ اللحظة التي أوصلتاني فيها إلى ساحة جامع بدر، لم تلتفت عيونهما عن الطريق الذي غبت فيه، ولم ينطق أحد من أهلي بكلمة منذ وصولهما إلى المنزل. كان الصمت سيد الموقف، والقلوب معلقة بين الدعاء واليقين بالله، وبين خشية أن يكون ذاك الوداع هو الأخير. كانوا يعيشون المعركة بقلوبهم، ينتظرون رنة هاتف تكسر حدة هذا الصمت القاتل.
اتصلت بوالدتي. كان صوتي يصارع ليرتدي ثوب التماسك كي لا أروعها: الحمد لله، خرجنا من جوبر، أمورنا بخير، لكني أصبت إصابة خفيفة
ساد الصمت داخل الحافلة، كان صمتا ثقيلا مشحونا بالترقب، نعد فيه الدقائق للخروج من عنق الزجاجة قبل وصول تعزيزات النظام. وبسبب خطأ في تقدير طريق الانسحاب، مررنا من أمام وكر المجرم "الحرستاني"، أحد أشد المجرمين سوءا في جوبر، ومن "العواينية" الذين عملوا ضد الثورة.
فجأة تحول السكون إلى صخب جنوني من النار الغادرة. لم يبدأ الأمر برؤية الرصاص، بل بصوت ارتطام عنيف سبقه أزيز صم الآذان. انفجر الزجاج ليتحول إلى شظايا نارية تنهش الأجساد، واخترقت رصاصات "الحرستاني" ومجموعته هيكل الحافلة بضجيج معدني مرعب.
في تلك الأجزاء من الثانية، اجتاحت رأسي صدمة كهربائية عنيفة، أعقبها سريان حرارة كزيت مغلي، وصوت غائر انبعث من أعماقي؛ كان صوت تهشم العظام، كأن صخرة هشمت داخل جمجمتي.
انبثقت دماء ساخنة غطت رقبتي وكتفي، وبوجل شديد رفعت يدي أتحسس حجم الكارثة، فتعثرت أصابعي بقطعة من أذني تتدلى على خدي. لقد انشطرت الأذن، واستقر في روعي أن الرصاصة سكنت الداخل، وأن الجمجمة قد تحطمت. في تلك اللحظة لم يشغلني الألم، بل ذاك اليقين بأن شريط العمر قد وصل إلى تتر النهاية.
في تلك اللحظات، وبقلب يتهيأ للرحيل، سلمت أمري لله، واتصلت بوالدتي. كان صوتي يصارع ليرتدي ثوب التماسك كي لا أروعها: "الحمد لله، خرجنا من جوبر، أمورنا بخير، لكني أصبت إصابة خفيفة يا ماما. لذا تعالي بسرعة، أحضري الجميع؛ والدي، وزوجتي، وأولادي، وإخوتي وأخواتي، أريد الاطمئنان عليكم ورؤيتكم".
كنت في أعماقي أعلم أن إصابات الرأس لا ترحم، وأن دقائقي معدودة، وكل ما أردته هو نظرة أخيرة في عيونهم قبل الغياب، وأنا لا أعلم ما إن كان الموت سيمهلني حتى أراهم، أم إن الروح ستفيض قبل اللقاء.
في تلك اللحظات التي خلتها الأخيرة، تمدد الزمن ببطء موحش. داخل الميكروباص المظلم خيم صمت ثقيل كالجبال على تسعة شباب، كأن على رؤوسهم الطير. لم يكن صمت خوف، بل كان ذهولا ألجم الأفواه؛ فكل واحد منا انطوى على ذاته يستجمع بقايا روحه، يرنو بنظره إلى نهاية الطريق وكأنها طوق النجاة الوحيد.
مدفوعا برهبة الموقف، وتحت وطأة يقين استقر في روحي بأنني ميت لا محالة، رجوت "أبو أحمد" بإصرار أن يضيء هاتفه
كنا قد خرجنا للتو من المعركة، دفعنا ثمنها دماء رفيقنا، وها نحن الآن نلملم شتاتنا تحت وطأة هذا الاستهداف الغادر. أصيب أربعة منا، ومع ذلك لم يجرؤ أحد في تلك العتمة أن يسأل الآخر عما جرى، أو يتقصى حجم الضرر. كان الجو مشحونا بالصدمة، والجميع ينتظر بصمت مهيب لحظة الوصول إلى مدخل الغوطة.
بدأت أستسلم لانتظار سكرات الموت التي لم تأتِ. استغربت أني ما زلت واعيا رغم يقيني بحجم الإصابة. حاولت تحريك فكي، فلم أجد ألما غريبا ولا تغيرا في حركة فمي. طلبت من الرفيق الجالس بجانبي، الشهيد "أبو أحمد"، أن ينظر في حجم الإصابة، لكنه، حاله كحال الجميع، كان يعيش وجوما عميقا، كأنه خرج من جسده للتو، ولم يتفاعل.
كنا على المتحلق الجنوبي، خارجين من جوبر العظيمة متجهين إلى الغوطة الكريمة. بعد بضعة كيلومترات كان علينا أن نصعد الجسر لنقطع المتحلق وندخل "عين ترما"، وهنا حدث التحول.
كان الشهيد "غسان قويدر" في المقعد الذي أمامي مباشرة، يسند رأسه ويديه على مسند المقعد الذي أمامه، وخلته يغالب تعبه ويجمع خواطره. ومع ميلان السيارة عند المنعطف، خانت الجسد قواه، فانزلق عن مقعده وسقط بجمود مريع كجسم فقد معنى التوازن. ظنناها لحظة دوار، أو إغماءة عابرة. لم أكن أدرك بعد أنها كانت الغيبة الأبدية.
انحنينا نحوه، وفي ضوء خافت ورجفة تسكن أصابعنا، نظرنا إليه مذهولين، فرأيت ما لا يمكن أن ينساه إنسان. في تلك اللحظة تجلت الحقيقة الصادمة: صوت العظم الذي ملأ رأسي كان لتهشم جمجمة غسان رحمه الله، لا رأسي. لكنه كان رحيلا مهيبا دون صوت.
انفطر قلبي حين اتضح لي أن الرصاصة التي عبرتني قد استقرت فيه؛ فاجتمع في صدري ذهول قاسٍ وتسليم تام أمام مشيئة الله الذي اصطفاه للشهادة وأخرني، وسالت دموعي ساخنة، لا لأنني ضعفت، بل لأن النجاة في حضرة الموت جاءت ثقيلة.
مدفوعا برهبة الموقف، وتحت وطأة يقين استقر في روحي بأنني ميت لا محالة، رجوت "أبو أحمد" بإصرار أن يضيء هاتفه. مسح الدم عني بيدين ترتجفان، ثم همس بصوت متهدج: "لا جرح عميق في رأسك… الأذن مقسومة إلى طرفين، وشظايا الزجاج تملأ جسدك من الخلف". حمدت الله بصوت زلزل أركان صدري، وبأمل ممزوج بحزن لا يوصف؛ ففي تلك اللحظة كنت أنا الذي ولد من جديد.
اتصلت بوالدتي مجددا، وصوتي يرتجف محاولا تثبيت نبرتي: "ماما حبيبتي، كل شيء بخير، الحمد لله، الإصابة سطحية، لا تقلقوا. خلوا بالكم بالبيت، الجو مكركب كتير". لكنها رفضت التصديق بإصرار يفيض حبا وقلقا مكتوما؛ فقلب الأم دليلها الذي لا يخطئ.
ورغم محاولتي المستميتة لثني عائلتي عن القدوم خوفا عليهم من خطورة الطريق والاستنفار الأمني المكثف، كانت لهفتهم أقوى من كل التحذيرات. لم يقووا جميعا، أبي وأمي وزوجتي، على البقاء تحت رحمة الانتظار والمجهول، فاندفعوا نحو الغوطة غير آبهين بالأخطار.
عشت بعد ذلك اليوم 14 عاما من العمل والإصرار، حتى سقط الطاغية وجاء يوم العدالة
وصلنا "سقبا" الحنونة، فاحتضنتنا أيدي الإخوة بحنان عميق، في ليلة كان النظام المجرم يقطع فيها الكهرباء، لتقبع الغوطة في عتمة العقوبة الجماعية. لم يمضِ وقت طويل حتى وصلت عائلتي كاملة: والدي، وزوجتي، وإخوتي، وأولادي الصغار. هناك التقينا، لا لوداعي كما ظنوا عند الجامع، بل لنقف جميعا بخشوع وإجلال أمام تضحية هذين الجميلين، ونودعهما بدموع الفخر وعزم لا يلين على إتمام الطريق.
وفي منزل طبيب كريم آوانا، وتحت ضوء الشموع، بدأت رحلة العلاج. لعدم وجود مخدر، كان الطبيب بصوته الرقيق وكلماته الطيبة يحاول أن يهدئني ويصرف ذهني عن ألم الغرزات، بينما كان يزيل شظايا الزجاج من رقبتي وظهري، ويعيد تشكيل أذني بخيوط خشنة وقطب كبيرة. كانت كل غرزة فيها تغرس في ذاكرتي ثمن الحرية. خرجت بضماد على رأسي، وندبة ستبقى للأبد تذكرني بتلك الليلة، وبثمن الحرية الذي دفعه رفاقي من دمائهم.
في اليوم التالي تزينت الغوطة وجوبر لزفة الأبرار، وخرج الناس يشيعون أبناءهم الذين ضحوا بأغلى ما يملكون، ودفناهم في تراب جوبر العظيمة، رغم أنف الطاغية وجنوده، وعلى مرأى منهم ومسمع.
عشت بعد ذلك اليوم 14 عاما من العمل والإصرار، حتى سقط الطاغية وجاء يوم العدالة. ذهبت لأشتكي على "الحرستاني"، فوجدت "سامر"، ابن الضحية غسان قويدر، كأنه والده بجسده النحيل ومعالم وجهه الحازمة، يقف شامخا يطالب بدم والده. ووجدت "أبو هارون"، الذي أصيب في الحادثة ذاتها، يسعى للمحاسبة. ووجدت ابن جوبر الذي لم ينسَ ملامح القاتل، يرفع صوته بالحق مطالبا بدم عمه الذي اغتالته يد المجرم غدرا.
جئنا لنقول جملة واحدة: لا يموت حق وراءه مطالب، ولا عدالة بلا ادعاء، ولا محاسبة بلا مبادرة. المحقق الغيور قالها اليوم بوضوح: "هناك كثير من المجرمين لا نستطيع إحالتهم للعدالة لأنه لا أحد يتقدم بادعاء". وهذه مشكلة مجتمع يخسر حقه بصمته، ثم يتفاجأ بخروج الجناة "قانونيا".
أخذوا بصمتي على محضر الشكوى والادعاء الذي قدمته. ورغم أنني لم أحب يوما البصمة بدلا من التوقيع، فإن بقايا الحبر الأزرق على أصابعي هذه المرة كانت براقة جميلة
أنا اليوم لست هنا للثأر ولا للتحريض، أنا هنا لأدعم مسار العدالة، وأفتح ملف واقعة بتاريخ محدد، وشهود أحياء، وإصابات موثقة، وحقوق لا تسقط أخلاقيا ولا وطنيا.
وأقولها كسوري يرى المستقبل بعين الدولة: المرحلة القادمة لن تبنى بالخطابات وحدها، بل بـ"حوكمة العدالة". شكاوى رسمية، إفادات، تقارير طبية، وتوثيق منظم. العدالة الانتقالية ليست مزاجا، بل "مسار امتثال" يحمي المجتمع من إعادة تدوير الجريمة.
رسالتي لكل من يعرف شيئا عن هذه الوقائع أو عن غيرها: أعلم ما فعله وهن السنين، وأن ظروف الحياة القاسية بين بيوت مهدودة وأحياء مدمرة قد أثقلت الكواهل. وأدرك أن الشك في جدوى المحاسبة أو عدم فهم آليات العدالة قد يدفع البعض إلى الصمت.
لكن تذكروا أن الصمت ليس حيادا؛ الصمت مخاطرة وطنية. وإذا لم نطالب بحقوقنا من المجرمين فنحن، بأيدينا، نسهل إفلاتهم، ونرسل رسالة قاتلة للأجيال القادمة مفادها: أن الدم يمكن أن يصبح مجرد تفصيل عابر في كتاب تاريخنا المنسي.
كل الاحترام للأمن العام ولكل محقق يحاول أن يحمي العدالة وسط هذا الفراغ. أما نحن فعلينا دور وواجب: أن نحول الذاكرة إلى ملف، والوجع إلى إجراء، والحق إلى ادعاء.
أخذوا بصمتي على محضر الشكوى والادعاء الذي قدمته. ورغم أنني لم أحب يوما البصمة بدلا من التوقيع، فإن بقايا الحبر الأزرق على أصابعي هذه المرة كانت براقة جميلة، كأنها ختم العبور نحو فجر طال انتظاره.
اليوم تقدمت بادعائي، وسأتابع. المجد لأبطالنا الراحلين، والعدالة لسوريا وللسوريين.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

