على وجه هذه الأرض لنا أيام نعيشها ثم نمضي.. نمضي ويبقى لنا في الدنيا أثر تتركه كلمات نقولها، وخطوات نمشيها، وخصال يعرفها فينا الناس، وتبقى تجلياتها محفورة في ذاكرتهم.
ولئن تفاوت الناس في رفعهم إحدى الخصال أو ذمهم أخرى، فإنهم عند بعضها يكادون يكونون متفقين. وإني ما رأيت اتفاقا بينهم على فضيلة رفعوها كما الوفاء، ولا رذيلة كان منهم ذمها كما الخيانة.
فلقد مضى على موت السموأل زمن طويل، ولكن الناس ما زالت تذكره إذا ذُكر الوفاء، وكتب التاريخ تحفظ لنا أنه خُير بين أن يسلم ودائع تُركت عنده كأمانة، أو أن يُقتل ابنه أمام عينيه، فكان رده: "لا أخفر ذمتي وأخون أمانتي"! وكان أن جرى مثلا قول الناس: "أوفى من السموأل".
وفي المقابل، ما زالت الشتائم تأتي تترى كلما ذُكر ابن العلقمي، الذي كان وزير الخليفة العباسي المستعصم، فخان الأمانة وكاتب هولاكو، وقوى عزمه على قصد العراق، فكان سببا في سقوط بغداد وإنزال السيف بأهلها حتى قُتل منهم مئات الآلاف.
هما صورتان، وقد كان لكل منهما عبر العصور نظائر وأشباه، وسيبقى الأمر كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
إن من خان الوطن خان كل ما فيه ومن فيه، خان الأهل والخلان، خان الأرض والعرض، خان الديار والمقدسات، خان الدماء التي سالت ليبقى الوطن عزيزا ويعيش أهله كراما
طرائق شتى
والخيانة خنجر مسموم، تغرزه يد يُفترض فيها أن تكون الراعية والحامية، فإذا بها تأتي بالشنيع فتترك قلبا داميا، ومشاعر تصيرها حطاما، وتترك قدرا هائلا من الفجيعة والهوان.
وللخيانة تبعا لضحاياها ألوان ومذاهب، ومن ألوانها الغدر بالأخ أو الطعن بالصديق، إذ يُسلم هذا أو ذاك إلى عدو أو يدفع في مهلكة، دون مراعاة لعشرة عمر، أو وقوف عند رابطة دم.
ألا وإن من ولاه الناس أمرا من أمورهم، وقد توسموا فيه الخير والصلاح منتظرين أن يحسن إدارة شؤونهم ورعاية مصالحهم، ثم جاءه إغراء رخيص انحرف به عن الجادة، وحاد عن الصراط، فإنه خائن للأمانة، غادر بمن أعطوه الثقة، ظالم لمن استرعاه، وظالم قبل ذلك لنفسه.
وهل سمعتم عن خيانة القلم؟! وإنما ذكروا القلم مجازا وأرادوا في الحقيقة صاحبه؛ فهذا قد يخون، ويكون ذلك بأن يوظف مهاراته وبراعته في سَوق الكلام لتمويه الحقائق وقلب الموازين، فيجعل الحق باطلا، ويزين الباطل ليراه الناس حقا، ويكتم ما ينبغي له أن يظهر، ويخترع لقرائه أوهاما، ويدفع بهم إلى الضياع.
وتتعدد ألوان الخيانات، وتتعدى ما أشرنا إليه، ولكن واحدة منها تجمع بين الكثير من تلك الألوان، ألا وهي خيانة الوطن؛ فإن من خان الوطن خان كل ما فيه ومن فيه، خان الأهل والخلان، خان الأرض والعرض، خان الديار والمقدسات، خان الدماء التي سالت ليبقى الوطن عزيزا ويعيش أهله كراما.
لم يجد أبرهة من يدله على الطريق في حملته لغزو البيت الحرام، فتصدى أبو رغال لهذه المهمة، ثم مات في الطريق في موضع يسمى المغمس، وبعدها ظل قبره مرجوما في الجاهلية كرمز للطعن في الخيانة
حصاد الخيبات
ويبقى لنا أن نتساءل: ما الذي يدفع الوفي في الطريق الذي ارتضاه؟ وما الذي يجر الخائن في درب الخسة والدناءة؟
لو تحرينا الأمر لوجدنا صاحب الوفاء قد تصالح مع إنسانيته، وأرضى ضميره، وانسجم مع ذاته، وهذه عنده قيمة عالية لا يعادلها مال، وحسبه هذا من الدنيا. أما عن الآخرة، فإن من جعلها نصب عينيه، وأخلص النية لله، فإنه ينتظر عظيم الأجر من رب كريم قرن الوفاء بالتقوى، فقال في كتابه العزيز: {بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين} [سورة آل عمران: 76]، ووعد المحسنين إحسانا فقال: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} [سورة الرحمن: 60].
أما الخائن، فربما أطمعه مال، أو أغرته منافع دنيوية زائلة، فما الذي جناه بعد ذلك؟
لم يجد أبرهة من يدله على الطريق في حملته لغزو البيت الحرام، فتصدى أبو رغال لهذه المهمة، ثم مات في الطريق في موضع يسمى المغمس، وبعدها ظل قبره مرجوما في الجاهلية كرمز للطعن في الخيانة.
أما ابن العلقمي، فقد سعى بفعلته الشنيعة ليتخذ عند هولاكو يدا، وليتمكن من أغراضه، ولكنه مات ذليلا محتقرا بعد أشهر قليلة من سقوط بغداد، ورغم خضوعه للمغول والتذلل لهم فإنهم أهانوه ولم يمنحوه السلطة المرجوة، فتوفي غما وكمدا.
ونيمم وجهنا صوب الغرب لنرى صورة جاسوس نمساوي ساعد الجيش الفرنسي في دخول النمسا؛ وبعد الانتصار حاول الجاسوس مصافحة نابليون، فرفض الأخير ورمى له كيسا من المال قائلا: "تأبى يدي أن تصافح الخونة".
هكذا هو الخائن، يطعن القريب منتظرا أن يكافئه الغريب، فيؤوب بالخيبات من الجميع! ولا غرابة؛ فحيال الخائن يجد الخصمان ما يتوافقان عليه، فالخائن يراه سيده، كما يراه المجروح بطعنته، شيئا حقيرا تافها.. كل ما في الأمر أنه بالنسبة للأول سلعة لها استخدام معين ضمن فترة صلاحية، فإذا ما انتهت صلاحيته، ركلته بعيدا قدم سيده، وسحقته أقدام السائرين على الطريق.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

