نافذة على كتاب "المثقف والسلطة"

المثقف-و-السلطة
غلاف كتاب المثقف والسلطة لإدوارد سعيد (الجزيرة)

إدوارد سعيد (1935-2003) هو مفكر وناقد أدبي وأكاديمي فلسطيني أمريكي بارز، يعد من مؤسسي دراسات ما بعد الاستعمار. اشتهر عالميا بكتابه "الاستشراق" (1978)، الذي نقد فيه التصورات الغربية عن الشرق، وكان صوتا مدافعا بقوة عن الحقوق الفلسطينية، وشغل منصب أستاذ للأدب المقارن في جامعة كولومبيا.

لهذا المفكر مواقفه السياسية والفكرية الحرة، وله العديد من المؤلفات، ومقالتنا هذه تفتح نافذة على واحد من كتبه.

في ثنايا الكتاب يخبرنا إدوارد سعيد أن أجهزة الإعلام طلبت منه مرات عديدة أن يعمل لديها مستشارا يتقاضى أجرا ما، لكنه رفض القيام بذلك، ويعلل رفضه بأن ذلك العمل يعني بالنسبة له أن يقتصر على محطة تلفزيونية أو مجلة متخصصة واحدة، وأن يقتصر أيضا على اللغة السياسية المستخدمة في تلك المحطة أو المجلة، وعلى الإطار الفكري لهذه أو تلك.

كأنما أراد سعيد بذلك أن يؤكد لنا أن سلوكه وممارساته لا تتناقض مع ما يدعو إليه في كتابه "المثقف والسلطة". فما هي دعوته؟ وما فهمه لها؟

يعقد الكاتب مقارنة بين واقع المنفى وما يعانيه المثقف، فيجد بين الحالين شبها، ففي كل منهما قلق وحركة وعدم استقرار، وتسبب في عدم استقرار الآخرين

الواقع أنه عند الإشارة إلى المثقف تستحضر الأذهان تصوراتنا عما يمتلكه من مواهب وقدرات، وما عنده من سعة اطلاع وغنى في المعارف. لكن هذا ليس كل شيء، فمؤهلاته تلك تتطلب منه، حسب ما يرى مؤلف الكتاب، أن يكون في مجتمعه حامل رسالة، ومنارة رأي، وصاحب موقف، وألا ينطلق في ذلك كله من تبعية لحكومات أو شركات تسعى لاستقطابه، بل من الانحياز إلى صفوف الضعفاء، ومن الحرص على تمثيل الأشخاص والقضايا التي عادة ما يكون مصيرها النسيان أو التجاهل أو الإخفاء.

هذا يعني أن مهمة المثقف ليست يسيرة، فهو دائما يقف بين العزلة والانحياز، وهو مطالب بالتشكيك فيما يسمى "الروايات الرسمية" ومبررات السلطة التي تروجها أجهزة إعلامية ذات قوة متزايدة.

إعلان

وهنا يسوق لنا إدوارد سعيد مشهدا من التاريخ المعاصر، كان ينبغي على المثقف أن يسجل موقفا فيه، فيوضح التناقض الذي وقعت فيه الولايات المتحدة الأمريكية خلال حرب الخليج ضد العراق سنة 1991، إذ اعتبرت العراق مدانا في غزوه للكويت، وهذا حق، ونسيت أنها وقعت فيما أدانت به غيرها حينما قامت بغزو كل من فيتنام وبنما.

ويظن إدوارد سعيد أن الاختيار الرئيسي الذي يواجهه المثقف هو الاختيار بين الانضمام إلى استقرار المنتصرين والحكام، أو السير في الطريق الشاق بوقوفه مع المستضعفين، وتمثيله للمعاناة التي يكابدها شعبه.

لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد، فعلى المثقف ألا يقصر اهتمامه على حدود دولته وشعبه، بل أن يتعداها إلى ما يشمل الإنسانية جمعاء. وسيكون بذلك مطالبا برفض أي معاناة تقع في إحدى بقاع الأرض، حتى وإن كان شعبه هو المتسبب بها.

ويعقد الكاتب مقارنة بين واقع المنفى وما يعانيه المثقف، فيجد بين الحالين شبها، ففي كل منهما قلق وحركة وعدم استقرار، وتسبب في عدم استقرار الآخرين. لكن، إذا كان صحيحا أن "المنفى" هو الحال الذي يتسم به كل مثقف، باعتباره إنسانا هامشيا مستبعدا من أطايب العيش التي تأتي بها الامتيازات والسلطة، ومن الإحساس براحة الانتماء، فإن تلك الحال تأتي بفوائد، بل بمزايا معينة.

يقف المفكر إدوارد سعيد عند ما يعتبره الخطر الخاص الذي يتهدد المثقف اليوم، ويراه في أن ينظر إلى عمله الثقافي باعتباره شيئا يؤديه لكسب الرزق، منضبطا بتوقيت وسلوكيات محددة

وتتمثل إحدى هذه المزايا في المتعة التي يجدها الإنسان في الدهشة، وفي عدم التسليم بشيء، وفي أن يتعلم كيف يتصرف تصرفا معقولا في ظروف القلقلة والبلبلة التي تربك الآخرين.

وهناك مزية ثانية لموقف المثقف هنا، وهي أنه يكون أقرب إلى أن يبصر الأمور باعتبارها نتيجة لسلسلة من الخيارات التاريخية التي اتخذها البشر، رجالا ونساء، وباعتبارها حقائق اجتماعية صاغها أبناء البشر.

على هذا، فالمدار الأساسي لحياة المثقف يتمثل في المعرفة والحرية، ولكنّ هاتين لا تكتسبان معناهما باعتبارهما من التجريدات، بل باعتبارهما خبرات فعلية يمر بها الإنسان في حياته.

فالمثقف يشبه الملاح الذي تحطمت سفينته فتعلم أن يعيش مع الأرض لا فوقها، وهو دائما راحل من مكان إلى مكان، قد ينزل ضيفا على أحد إن استضافه، لكنه ليس طفيليا ولا فاتحا ولا غازيا.

ويقف المفكر إدوارد سعيد عند ما يعتبره الخطر الخاص الذي يتهدد المثقف اليوم، ويراه في أن ينظر إلى عمله الثقافي باعتباره شيئا يؤديه لكسب الرزق، منضبطا بتوقيت وسلوكيات محددة. فبدلا من ذلك، على المثقف أن يصبح من الهواة، وأن يعتبر من حقه إثارة القضايا الأخلاقية التي تنشأ حتى في صلب اشتغاله بالمهنة التي يحترفها، ما دامت تمس بلده وقوته، وأسلوبه في التعامل مع المواطنين فيه، وكذلك مع المجتمعات الأخرى.

هذه صورة المثقف مع السلطة كما يراها ويتمناها إدوارد سعيد، ولنا أن نتساءل عن مدى مقاربة الواقع لأمانيه.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

إعلان

إعلان