في كل مرة يفتح ملف المرأة في إيران، تستدعى صورتان جاهزتان: صورة غربية تختزل القصة في "حجاب يعني قمعا"، وصورة دفاعية تنفي وجود أي توتر وتكتفي بقول "كل شيء طبيعي". وبين الصورتين يضيع الفهم: إيران ليست مجتمعا واحدا، ولا دولة تقرأ من لقطة شارع، ولا قضية تختصرها قطعة قماش.
هذه قراءة مختلفة تحاول فهم إيران كما هي: دولة لها فلسفة أخلاقية واضحة في المجال العام، ومجتمع متنوع متغير، وامرأة حاضرة في التعليم والعمل والثقافة والفن والعلوم، مع قوانين تنظم المجال العام ضمن محددات ومحظورات، كما تفعل الدول كلها وإن اختلفت الفلسفات.
ملاحظة تأسيسية: ما المقصود بـ"الحريات" هنا؟ حين نقول إن الحريات الإنسانية للمرأة مكفولة ومحترمة على نطاق واسع في الواقع الإيراني، فنحن نعني تحديدا: حق التعليم، وحق العمل، وحق التنقل، وحق التملك، وحق التقاضي، وحق المشاركة الاجتماعية والحضور في الفضاء العام، وبناء المسار المهني والعلمي والثقافي.
وهذه الحقوق ليست شعارا عابرا، بل جزءا ظاهرا في الحياة اليومية لنساء إيران: في المدارس والجامعات، في المشافي والعيادات، في المؤسسات، في السوق، وفي المشهد الثقافي والعلمي.
في المقابل، توجد تنظيمات قانونية، خصوصا في المجال العام وبعض المؤسسات الرسمية، لكل قانون فيها أساس فلسفي ومحددات ومحظورات. والجدل الحقيقي يدور حول حدود هذه التنظيمات وأدوات تطبيقها، لا حول إنسانية المرأة ولا أهليتها ولا وجودها في المجتمع.
الخلاف إذن ليس بين "مع المرأة" و"ضد المرأة"، بل بين فلسفتين: واحدة تحاول حماية الكرامة من التسليع، وأخرى تعطي الأولوية لتوسيع الخيارات الفردية حتى لو أعاد السوق تشكيلها بقسوة
فلسفتان تتصادمان: "الحرية المسؤولة" أم "الحرية السوقية"؟
الرؤية الإسلامية التي يقوم عليها كثير من الخطاب الاجتماعي الرسمي في إيران ترى أن الحرية ليست انفلاتا، بل حرية مسؤولة تتوازن فيها الإرادة الفردية مع مقاصد مثل صون الكرامة وتقليل الأذى وحماية المجال العام من أن يتحول إلى مساحة لتسليع الجسد.
في المقابل، الفردانية الليبرالية، خصوصا في صورتها الإعلامية، تجعل الجسد ملكية فردية مطلقة وتريد للدولة أن تنكمش. لكن التجربة الحديثة تظهر تناقضا واسعا: حين يغيب الضابط الأخلاقي ويهيمن السوق، قد تتحول "الحرية" إلى ضغط استهلاكي ومعايير شكل تشيئ الإنسان بدل أن تحرره.
الخلاف إذن ليس بين "مع المرأة" و"ضد المرأة"، بل بين فلسفتين: واحدة تحاول حماية الكرامة من التسليع، وأخرى تعطي الأولوية لتوسيع الخيارات الفردية حتى لو أعاد السوق تشكيلها بقسوة.
قاعدة منهجية تمنع الخلط: القانون شيء.. والإنفاذ شيء.. والحياة الخاصة شيء ثالث
لفهم إيران دون مبالغة، يجب تثبيت ثلاث طبقات لا يصح خلطها:
- القانون: ما هو مكتوب ومنصوص عليه بوصفه تنظيما للمجال العام.
- الإنفاذ: كيف يطبق القانون على الأرض، وما يطرأ عليه من تشدد أو رخاوة وفق الظروف.
- الحياة الخاصة: ما يجري داخل البيوت والتجمعات الخاصة، وهو مجال واسع لا يمكن اختزاله في صور الشارع، ولا يدار عادة كمساحة تفتيش يومي مستمر.
من هنا نفهم كيف يمكن أن تتسع الحياة الخاصة والاجتماعية بمرونة كبيرة، بينما تبقى بعض قواعد المجال العام أو بعض المؤسسات الرسمية أكثر تحفظا بوصفها فضاء الدولة.
التعليم الأساسي شبه شامل، والتعليم العالي يشهد حضورا نسائيا كبيرا في السنوات الأولى، وهذا يخلق كتلة اجتماعية من النساء ذوات المهارات والطموح والتوقعات العالية
الحجاب: فلسفة "قانون عام" لا "معيار قيمة"
في الرؤية التي تتبناها الدولة وأنصارها، قانون الحجاب ليس، في فلسفته الأساسية، احتقارا للمرأة، بل تنظيما عاما هدفه حماية الكرامة وتقليل الأذى ومنع تسليع الجسد في المجال العام. ويستحضر هنا معنى الآية: "ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين"، بوصفها منطقا اجتماعيا أخلاقيا قبل أن تكون سلاحا سياسيا.
لكن ما يجعل الحجاب ملفا سياسيا هو أمران:
- حين يربط بالهوية والسيادة والشرعية، يتحول من ممارسة إلى رمز.
- وحين تتفاوت أدوات الإنفاذ عبر الزمن، يصبح النقاش عمليا حول الحدود والأساليب أكثر من كونه نقاشا دينيا مجردا.
واللافت، كما يلاحظ كثيرون اليوم، أن إنفاذ قواعد الشارع شهد رخاوة أكبر مع الزمن في مساحات متعددة، بينما تبقى بعض الدوائر الحكومية أشد التزاما بكونها تمثل المجال الرسمي. هذه ليست مفارقة عشوائية، بل نتيجة طبيعية لتمايز فضاء الدولة عن فضاء المجتمع.
التعليم والعمل: حضور واسع لا يكتمل فهمه دون رؤية "التميز"
التعليم الأساسي شبه شامل، والتعليم العالي يشهد حضورا نسائيا كبيرا في السنوات الأولى، وهذا يخلق كتلة اجتماعية من النساء ذوات المهارات والطموح والتوقعات العالية. لكن النقطة الأهم التي يجب إبرازها، كي لا يتحول الكلام إلى أرقام جافة، هي أن المرأة الإيرانية لا تكتفي بالوجود في التعليم والعمل، بل تملك شواهد كثيرة على التميز.
في الطب والبحث العلمي والهندسة والتقنية، وفي الثقافة والفنون والكتابة والإعلام، تظهر أسماء وتجارب أوسع بكثير من إطار المشاركة وحدها. ولهذا اكتسب إعلان رسمي هذا العام، في ذكرى الثورة، دلالة رمزية: الحديث عن نشر أسماء أكثر من 1500 امرأة في مجالات التميز، ليس فقط كقائمة، بل كرسالة مفادها أن صورة المرأة تقدم بوصفها إنجازا وعلما وإبداعا، لا مجرد عنوان صراع.
هذه النقطة تربك السردية الاختزالية في الخارج: من يرى المرأة قضية لباس يتجاهل عمدا أنها قضية إنتاج ومعرفة أيضا.
المعركة الثقافية في بلاد المسلمين، وإيران نموذج، لا تتحكم فيها نظرية إسلامية وحدها بقدر ما تتحكم فيها العولمة وأدواتها: منصات، وموضات، ومحتوى، وسوق، وإيقاع حياة سريع يعيد تشكيل الذائقة والمعايير
الحياة الخاصة والاجتماعية: مساحة حرية لا ترى في التغطيات الصاخبة
من أكبر أخطاء القراءة الخارجية أنها تنقل معركة المجال العام إلى كل تفاصيل المجتمع. الواقع أن داخل البيوت والتجمعات الخاصة توجد مساحات واسعة من الحرية الاجتماعية وأنماط حياة مختلفة، تتغير مع الجيل والمدينة والطبقة والثقافة. وهذا جزء من طبيعة المجتمع الإيراني التي تجمع بين التقاليد والتحديث، وبين التدين والذوق المعاصر، وبين الانفتاح والمحافظة بدرجات متفاوتة.
فهم إيران كما هي يعني الاعتراف بأن الشارع لا يختصر البيت، وأن القانون العام لا يلغي الحياة الخاصة.
أفضل اعتراض.. والرد عليه بهدوء
قد يقول ناقد: وجود تنظيمات في اللباس العام يناقض فكرة أن الحريات مكفولة بالكامل. والجواب ليس إنكارا ولا انفعالا: الخلاف هنا ليس على حق المرأة في التعليم والعمل والتنقل والمشاركة، وهذه حقوق تمارسها النساء يوميا، بل على حدود تنظيم المجال العام بين فلسفتين. هذا نقاش سياسي قيمي حول الحدود، لا صك اتهام لوجود المرأة ولا لمكانتها.
العولمة: المعركة الثقافية "صراع" أكثر منها "نصا"
المعركة الثقافية في بلاد المسلمين، وإيران نموذج، لا تتحكم فيها نظرية إسلامية وحدها بقدر ما تتحكم فيها العولمة وأدواتها: منصات، وموضات، ومحتوى، وسوق، وضغط أقران، وإيقاع حياة سريع يعيد تشكيل الذائقة والمعايير.
لهذا لا يكفي أن نقول "هذا حلال وهذا حرام" أو "هذه حرية وهذه وصاية". المطلوب سياسة ثقافية أعمق: تربية ووعي وذوق عام واقتصاد ثقافي وإعلام مهني وخطاب ديني رصين وحوار اجتماعي يقلل الحاجة إلى القسر ويزيد مساحة الاقتناع.
الحريات الإنسانية الأساسية، بمعناها العملي: تعليم، وعمل، وتنقل، وتقاضٍ، ومشاركة، متاحة وفاعلة على نطاق واسع في الحياة اليومية
مثال كاشف: قيادة "الموتور" وتفكيك الصور النمطية
حين تذكر قضايا مثل قيادة المرأة للدراجات النارية، يسهل على البعض تحويلها إلى كاريكاتير أخلاقي. لكن الواقع أكثر تعقيدا: جزء من الجدل مرتبط بالسلامة المرورية وطبيعة قيادة الدراجات ومخاطرها، لا بفكرة المرأة عورة. وحين تقنن الدولة الأمر وتسمح به، فهي تنهي منطقة رمادية وتستجيب لتغير اجتماعي عملي، وهو ما ينسجم مع فكرة أن حركة المرأة ونشاطها وتنقلها جزء أصيل من الواقع اليومي.
صورة إيجابية بلا سذاجة
المرأة في إيران حاضرة بقوة وتميز: تعليما، وعملا، وطبا، وعلما، وثقافة وفنا وإبداعا.
الحريات الإنسانية الأساسية، بمعناها العملي: تعليم، وعمل، وتنقل، وتقاضٍ، ومشاركة، متاحة وفاعلة على نطاق واسع في الحياة اليومية.
القيود ليست إلغاء للحقوق، بل تنظيمات قانونية للمجال العام تقوم على فلسفة كرامة ورفض للتسليع، ولكل قانون فيها محدداته ومحظوراته وأدواته، وهي موضع نقاش وتطوير دائمين في مجتمع يتغير تحت ضغط العولمة.
بهذا التوازن نرى إيران كما هي: دولة تحاول حماية تصورها للكرامة في المجال العام، ومجتمعا لا يتوقف عن التغير والتفاوض، وامرأة ليست رمزا في معركة الآخرين، بل فاعلة تصنع علما وحياة وثقافة ومكانة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
