رمضان في بلغاريا هذا العام جاء كعادته هادئا وباردا، لكنه لا يعكس أبدا هذا الدفء الناشب في القلوب، والحنين الجارف والمتدفق إلى الأسرة البعيدة في الجانب الآخر من المتوسط. "رمضان في بلادنا العربية شيء آخر".
توافق يجمع عليه المغتربون الذين يبحثون هنا عن معنى آخر للحياة. وبينما تهيم الروح في عوالم المسحراتي، ولمّة العائلة، وصخب الشوارع بعد الإفطار، يقاوم الجسد الثلوج المتراكمة في الطرقات بملامحها الجامدة والباردة، محاولا استعارة الدفء من "فانوس" الذاكرة المشتعل خلف الضلوع.
تمثل المائدة الرمضانية في بلغاريا نقطة اشتباك ثقافي بين المطبخ البلقاني الأصيل ومحاولات المغتربين العرب استعادة نكهات أوطانهم
جغرافيا الشتات وتقاطع الهويات
بينما تضاء مآذن مسجد "باني باشي" العتيق في قلب العاصمة صوفيا، وتتردد أصداء الأذان عبر وديان جبال "الرودوب" الثلجية، يكشف شهر الصيام هذا العام عن مشهد اجتماعي يتجاوز الشعائر الدينية ليصبح "مرآة للتحولات الديمغرافية".
يبدو "الحنين المزدوج" الذي تفرضه الهجرة أحد هذه المظاهر؛ فمن جهة تعيش القرى البلغارية المسلمة واقع "الموائد المنقوصة" بعدما نزح شبابها نحو دول غرب أوروبا للعمل هناك، تاركين كبار السن يمارسون طقوسهم في عزلة وجدانية.
فيما تبرز الجاليات العربية والطلاب المغتربون في المدن الكبرى كقوة اجتماعية تحاول "استحضار الأوطان" عبر التواصل اليومي مع الأسرة، والسعي لخلق مائدة رمضان شرقية بنكهة أوروبية.
طقوس المطبخ كآلية دفاع
تتحول تفاصيل الحياة اليومية للمغترب العربي قبيل رمضان إلى سلسلة من التحديات اللوجيستية التي تحمل أبعادا هوياتية؛ حيث تبدأ الرحلة بجهد استقصائي في الأسواق المحلية بحثا عن سلع تموينية محددة، كالتمور ذات الجودة العالية أو الخضراوات المجمدة.
هذا السعي لا يقتصر على تأمين الغذاء، بل يمتد ليشمل محاولات جادة لاستنساخ الممارسات التقليدية، مثل صناعة المعجنات الرمضانية يدويا بالاستعانة بالتوجيهات العائلية عبر الاتصال المرئي، أو البحث عن وصفات بعينها في تطبيقات السوشيال ميديا المختلفة.
هذه الجهود المكثفة لإعادة إنتاج المطبخ والتقاليد في بيئة جغرافية ومناخية مغايرة تتجاوز كونها رغبة في التذوق، لتصبح آلية دفاع نفسية واجتماعية في مواجهة الاغتراب. تبدو وسيلة لترميم الهوية الثقافية، وتقليل حدة الفجوة بين واقع البعد وذاكرة "الوطن الدافئة"، مما يمنح المغترب شعورا بالاستقرار النفسي والاتصال الوجداني مع جذوره البعيدة عبر بوابة الطقوس اليومية، خصوصا في شهر الصيام.
المائدة البلغارية.. الأصالة الريفية
تمثل المائدة الرمضانية في بلغاريا نقطة اشتباك ثقافي بين المطبخ البلقاني الأصيل ومحاولات المغتربين العرب استعادة نكهات أوطانهم.
تعتمد العائلات البلغارية المسلمة على أطباق شتوية ثقيلة لمواجهة البرد القارس، من بينها "البانيتسا" وهو الطبق المركزي؛ وهي معجنات من رقائق العجين المحشوة بالجبن الأبيض البلغاري والبيض والزبادي، ويتم إعدادها في الفرن.
تمثل "البانيتسا" في رمضان رمزا للاجتماع الأسري الذي بات يفتقد أركانه الشابة. والطبق الثاني "السارمي"، وهو "المحشي" البلقاني؛ ويعد من ورق الكرنب (الملفوف) المخمر شتاء، المحشو بالأرز واللحم المفروم والأعشاب الجبلية، ويقدم غالبا مع الزبادي البلغاري المميز. وأخيرا هناك "التاراتور"، وهي شُربة باردة من الزبادي والخيار والشبت والجوز.
يبدو رمضان أشبه بـ "بيان إنساني" عن وحدة الشتات. تتحول الحالة الرمضانية من مجرد شعيرة دينية محلية إلى منصة ديمغرافية عابرة للحدود، تختزل في تفاصيلها تعقيدات حركة الهجرة واللجوء
الخارطة الديمغرافية والبنية التحتية
يشكل المسلمون في بلغاريا ما يقرب من 10% إلى 13% من إجمالي السكان (نحو 639 ألف نسمة وفق إحصاء 2021)، فيما يبلغ عدد سكان بلغاريا حوالي 6.5 ملايين نسمة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا العدد سجل انخفاضا بنسبة 11.5% مقارنة بتعداد عام 2011، وهو ما يفسر ظاهرة "الهجرة وتفريغ القرى". وتمتلك البلاد بنية تحتية دينية كبيرة تضم حوالي 1260 مسجدا، فيما تشير البيانات إلى وجود مجتمع عربي مستقر يقدر بنحو 12 ألف نسمة يتركزون في المدن الكبرى (صوفيا وبلوفديف)، حيث يمثل مسجد "باني باشي" مركز جذب للطلاب القادمين من بلاد شتى، ويبلغ عددهم نحو 17 ألف طالب يدرسون في جامعات العاصمة.
ثنائية الهجرة والتوحد
حالة من التقاطع الوجداني بين فئتين تتوحدان في تجربة الفقد الاجتماعي؛ حيث يواجه المجتمع المحلي "الاغتراب المعكوس" نتيجة نزيف الكوادر الشابة، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 55% من المهاجرين البلغار مستقرون للعمل في مدن أوروبية كبيرة مثل لندن وبرلين، مما أفرغ الموائد من طابعها الجماعي.
وينتج عن هذا الفراغ آلية "إسقاط تعويضي"؛ حيث يميل المسن البلغاري لرؤية ابنه الغائب في الشاب العربي المغترب، بينما يجد الأخير في الجار البلغاري بديلا رمزيا لأسرته البعيدة.
وتبدو المساجد نقطة الالتقاء المركزية الوحيدة التي يذوب فيها هذا الحنين المزدوج. لا يعمل المسجد كدار للعبادة فحسب، بل يمثل المساحة المشتركة. وخلال صلاة التراويح ووجبات الإفطار الجماعية، يتم ردم الفجوة اللغوية والعرقية؛ حيث يتشارك الطرفان الدعاء والمكان.
صيانة الهوية في شتاء الغربة
يبدو رمضان أشبه بـ "بيان إنساني" عن وحدة الشتات. تتحول الحالة الرمضانية من مجرد شعيرة دينية محلية إلى منصة ديمغرافية عابرة للحدود، تختزل في تفاصيلها تعقيدات حركة الهجرة واللجوء. لم يعد الأمر مجرد ميقات ديني، بل تحول إلى أداة لاستعادة المركزية الثقافية في بيئة مغايرة.
وتؤكد قدرة المغترب على تطويع أدوات الغربة، من تكنولوجيا الاتصال إلى بدائل المطبخ المتاحة، أن "الوطن" في سياق الشتات ليس حيزا جغرافيا بقدر ما هو بناء اجتماعي متجدد؛ يعاد تشكيله مع كل موعد إفطار ليكون صمام أمان يحمي الهُوية من التآكل، وجسرا يربط بين واقع العزلة في الشمال ودفء الذاكرة في الشرق.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

