- المعرفة.. هندسة الوعي ومسارات الفهم الإنساني
- ماهية المعرفة
تعد "المعرفة" حجر الزاوية في حياة الإنسان ومفتاح فهمه للعالم من حوله، فهي الوسيلة التي تمكن العقل البشري من تفسير الظواهر وفهم العلاقات والتنبؤ بالمستقبل.
كما يعد مفهوم "المعرفة" من أكثر المفاهيم إثارة للجدل في الفلسفة والفكر الإنساني، إذ حظي بتعريفات شتى عبر العصور.
ولعل التعريف الأكثر قبولا وشيوعا هو أن المعرفة هي "الاعتقاد المبرر". وقد تناول الفيلسوف اليوناني "أفلاطون" هذا المفهوم في محاورته الشهيرة، حيث عرض ثلاثة تعريفات كانت متداولة في زمانه: "المعرفة هي الإدراك أو الإحساس"، أو "المعرفة هي الاعتقاد الصادق المصحوب بتفسير عقلي أو سند منطقي".
وبعد بحث عميق، خلص أفلاطون إلى أن "المعرفة" لا تمنح هذه الصفة إلا إذا كانت اعتقادا صادقا ومبررا، أي أنها تتأسس على ثلاثة أركان: الإيمان، والصدق، والتبرير.
ومن جهة أخرى، قدم الفيلسوف الإنجليزي "جون لوك"، رائد النزعة التجريبية، تعريفا مغايرا حين اعتبر أن المعرفة هي "إدراك التوافق أو عدم التوافق بين فكرتين". بينما ذهب الفيلسوف "جون ديوي" إلى أن المعرفة ليست تراكم المفاهيم فقط، بل هي استنتاج مبني على الأدلة، أي أنها نتاج عملية عقلية تفاعلية تربط بين الخبرة والدليل.
يبدأ الطفل منذ لحظة الولادة وحتى مرحلة الطفولة المبكرة بالاعتماد على الإدراك الحسي بشكل كبير، إذ يأتي ذلك بشكل طبيعي وفطري
أبعاد المعرفة
لقد طور الفكر الإنساني عبر العصور رؤية أعمق للمعرفة، فهي ليست خزينا للمعلومات فحسب، بل يمكن النظر إليها على أنها خبرة منظمة عبر اللغة في أنماط من التفكير وبنى مفهومية تخلق المعنى وتمنحنا القدرة على فهم العالم الذي نحيا فيه.
وهي في الوقت نفسه تتجسد في أشكال من النشاط والعمل، وفي مهارات يدوية وذهنية تسهم في بناء الأشياء وصنعها وفي التفاعل مع الواقع المحيط.
ومع تراكم التجارب الإنسانية، نشأت أجساد معرفية متعددة شكلت بدورها مخزونا ثريا من طرائق التفكير وأساليب الشعور وأنماط الفعل والإبداع.
ومن هنا تبرز ثلاثة أبعاد أساسية ترتبط بالمعرفة:
- الأول، آليات اكتسابها وتوليدها وبنائها، أي السبل التي بواسطتها نعرف ونفكر ونتعلم.
- والثاني، أشكال المعرفة وأنواعها، إذ إن المعرفة تمثل حصيلة الفهم الإنساني، ولا بد أن تتجلى في صور متنوعة من الفهم والتصور.
- والثالث، غايات المعرفة ووظائفها، فلكل سياق إنساني غاية من طلب المعرفة، مما يجعل الغوص في عملية المعرفة أكثر أهمية من الاقتصار على نتائجها أو منتجها.
مستويات المعرفة
تتعدد السبل الصالحة لاكتساب المعرفة، وأبرزها الإدراك الحسي، والعقل، والمنطق، واللغة. يبدأ الطفل منذ لحظة الولادة وحتى مرحلة الطفولة المبكرة بالاعتماد على الإدراك الحسي بشكل كبير، إذ يأتي ذلك بشكل طبيعي وفطري.
ومع دخول مرحلة الطفولة المتقدمة، تبدأ الطرق الثلاث الأخرى للمعرفة في الظهور التدريجي، لتتبلور لدى البالغين القدرة على استخدام مزيج متكامل من هذه الوسائل الأربع لاكتساب المعرفة.
وفي هذا السياق، يظهر تأثير اللغة في تشكيل الفكر بصورة غير ملحوظة غالبا، لما تتميز به من سلاسة وانسيابية في الاستخدام. أما قوة الحجة المحكمة، فيمكن للإنسان إدراكها حتى دون أي تدريب رسمي في المنطق أو وسائل الاستدلال الأخرى.
من هذا المنطلق، يتوقع من المعلم أن يقوم بتدريب المتعلمين على التقييم النقدي للمعرفة، بحيث يدركون أن لكل نوع من المعرفة طرقه الخاصة في الحكم والتقدير. هذا التدريب يمكن المتعلمين من مقارنة المعرفة الجديدة بمسائل معرفية محددة وفهم طبيعة كل معرفة وفق سياقها.
عندما تنشأ نزاعات حول ادعاءات معرفية، فإن ما يكون مطروحا للنقاش ليس الحقائق فحسب، بل أيضا المنطق أو الأسباب المقدمة لقبول تلك الحقائق والإجراءات المستخدمة للوصول إلى النتائج
وفيما يلي نتناول أبرز الطرق التي يمكن من خلالها إدخال المتعلم في عملية المعرفة بشيء من التفصيل:
الإدراك الحسي
يعد الإدراك الحسي عملية نشطة وانتقائية وتفسيرية للتسجيل أو الوعي بالعالم الخارجي عبر التجربة الحسية. وتكتسب هذه التجارب أساسا من خلال الحواس الخمس: اللمس، والتذوق، والشم، والسمع، والبصر.
على سبيل المثال، عند انعكاس الضوء عن سطح ما، تستثار أعيننا فتكون تصورا ذهنيا يسمى بالإدراك. يعتمد هذا التصور على الهياكل والإستراتيجيات الداخلية للدماغ.
بمعنى آخر، نستخدم ما نعتقده صحيحا عن العالم لتصنيف ما ندركه. ومن هنا يعد الإدراك الحسي أبسط وأسرع طرق المعرفة، لكنه في بعض الأحيان قد لا يكون مصدرا موثوقا تماما.
ومن المهم التفرقة بين الإحساس والإدراك. فالإحساس هو تجربة حسية بسيطة تساعد على الانتباه إلى الخصائص مثل اللون أو الصوت أو الطعم أو الرائحة أو الحرارة أو البرودة، بينما الإدراك هو بناء معقد لتجارب بسيطة مترابطة لتكوين تجربة ذات معنى.
ونظرا لأن الإدراك الحسي نشاط ذاتي، فإنه يختلف من فرد لآخر بحسب القدرات الفطرية، كما تؤثر الظروف البدنية والمستوى التحفيزي والحالة الذهنية على طريقة إدراكنا.
اللغة
تلعب اللغة دورا محوريا كوسيط لنقل المعرفة من فرد إلى آخر، فهي تتضمن معاني متفقا عليها يتم دمجها وفق مجموعة من القواعد لأغراض التواصل وصياغة الأفكار وتخزين المعرفة أو كوسيلة للتفكير.
وتتيح اللغة دمج المعرفة المكتسبة من مصادر متنوعة وفي أماكن مختلفة، كما تساعد على التعبير عن المعرفة وتكامل أبعادها المختلفة. كما تكتسب أهميتها في نقل المعرفة من خلال حملها للسياق الذي يمنح المعنى ويتيح إعادة صياغته.
فعندما تقدم حجة منظمة ومبنية بعناية، يكون من السهل إدراكها وفهمها مقارنة بما يقدم دون أي استدلال أو منطق. ولا تقتصر أهمية اللغة على وصف التجارب فحسب، بل تمتد إلى هيكلة هذه التجارب وتنظيمها.
وتلعب اللغة دورا أساسيا في تسهيل عملية المعرفة، إذ إن المعنى، باعتباره جوهر المعرفة، يتطور من خلالها. فهي تساعد على رسم الفروق وتصنيف الأمور وتكوين فئات معرفية.
ووفق نظرية الخطاب، تستخدم اللغة في بناء الواقع. وعند التعلم أو المعرفة، يحدث تعديل في التفكير من خلال التفاعلات الاجتماعية، إذ ينتمي أعضاء المجموعة الاجتماعية إلى سياقات مختلفة، مما يؤدي إلى تطوير فهم أعمق للعالم.
وعندما تنشأ نزاعات حول ادعاءات معرفية، فإن ما يكون مطروحا للنقاش ليس الحقائق فحسب، بل أيضا المنطق أو الأسباب المقدمة لقبول تلك الحقائق والإجراءات المستخدمة للوصول إلى النتائج. ومن خلال استخدام اللغة في تواصلنا، يمكن تسوية النزاعات والوصول إلى إجماع معرفي.
يعد العقل والمنطق من أهم الوسائل لاكتساب المعرفة وتنظيمها، إذ يمنحان الإنسان القدرة على استخدام الاستنتاج المنطقي للانتقال من أفكار أولية أو مقدمات إلى استنتاجات صحيحة
العاطفة
تلعب العواطف دورا فعالا في تشكيل الفكر وتأثير السلوك وتوجيه السعي نحو المعرفة. فالعاطفة قد تكون مفتاحا لفهم الذات وفهم العالم من حولنا. غير أن التعبير عن العواطف يختلف بين الثقافات، لذا فإن المعرفة المكتسبة عبر العاطفة قد تكون ذاتية وقليلة القياس، مما يجعلها أقل موثوقية في بعض الأحيان.
ومع ذلك، يمكن للعواطف أن تكون عاملا مساعدا أو عائقا في عملية بناء المعرفة. ويعد تدريب العواطف عاملا أساسيا لتعزيز عملية التعليم والتعلم معا.
فإثارة العواطف الإيجابية لدى المتعلم تسهل انتقال المعرفة بسلاسة أكبر. ومن مسؤولية المعلم أن يساعد في خلق مشاعر إيجابية تجاه المعرفة المراد تعلمها، مثل الفضول والحماس، إذ يعدان من أهم العوامل المحفزة على التعلم والبحث عن المعرفة.
العقل والمنطق
يعد العقل والمنطق من أهم الوسائل لاكتساب المعرفة وتنظيمها، إذ يمنحان الإنسان القدرة على استخدام الاستنتاج المنطقي للانتقال من أفكار أولية أو مقدمات إلى استنتاجات صحيحة.
على سبيل المثال:
المقدمة 1: "علي رجل".
المقدمة 2: "جميع الرجال لديهم عقل يفكر".
السؤال: هل لعلي عقل يفكر؟
الاستنتاج: نعم، لعلي عقل يفكر.
هذا المثال يوضح ما يعرف بالاستنتاج المنطقي، حيث يكون الاستنتاج صحيحا إذا كانت المقدمات صحيحة.
مثال آخر:
المقدمة 1: "فاطمة طالبة".
المقدمة 2: "جميع الطالبات يحللن المعلومات".
السؤال: هل تحلل فاطمة المعلومات؟
الاستنتاج: نعم، بما أن الاستنتاج يتبع منطقيا المقدمات.
هنا يظهر أن المنطق يضمن صحة التسلسل الفكري حتى لو كانت المعلومات الأولية افتراضية.
علاوة على ذلك، يختلف المنطق الاستقرائي عن الاستدلال الاستنباطي، إذ يبدأ الاستقرائي من ملاحظة محددة أو تجربة معينة للوصول إلى تعميم عام.
على سبيل المثال، إذا لاحظنا أن جميع الكتب في مكتبة المدرسة مكتوبة باللغة العربية، يمكننا استنتاج أن من المرجح أن تكون كل الكتب في المكتبة مكتوبة بالعربية. هذا النوع من الاستدلال يعتمد على الملاحظة والخبرة، ولا يمكن إثباته بشكل قاطع، لكنه يعد أداة قوية لتكوين المعرفة وفهم العلاقات بين الأشياء.
إن المعرفة الافتراضية وحدها لا تكفي لاكتساب المعرفة الشخصية أو الإجرائية، فهي تشكل قاعدة ضرورية، لكن تطوير المهارات أو الخبرات الشخصية يتطلب استخدام هذه الحقائق بطرق محددة ومنهجية
أنواع المعرفة
لقد صنف الفلاسفة "المعرفة" إلى ثلاثة أنواع رئيسية: المعرفة الشخصية، والمعرفة الإجرائية، والمعرفة الافتراضية أو الحقائقية.
- المعرفة الشخصية
المعرفة الشخصية هي عملية جمع المعلومات وتنظيمها وتخزينها واسترجاعها ومشاركتها في الأنشطة اليومية للفرد. وهي تتعلق بكيفية استفادة الشخص من هذه المعرفة في أداء مهامه العملية والحياتية.
ويقوم هذا النوع من المعرفة على فكرة أن العاملين في مجالات المعرفة يجب أن يكونوا مسؤولين عن تطويرهم الشخصي وتعليمهم الذاتي. ومن هذا المنطلق، تدار المعرفة الشخصية من الأسفل إلى الأعلى، بمعنى أن الفرد نفسه يشرع في بناء معرفته وتوسيعها وفق احتياجاته وقدراته.
- المعرفة الإجرائية
أما المعرفة الإجرائية، فهي معرفة "كيفية القيام بشيء ما". فالشخص الذي يقول إنه يعرف كيفية قيادة السيارة أو العزف على آلة موسيقية لا يكتفي بالمعرفة النظرية، بل يؤكد امتلاكه المهارة الفعلية لأداء هذا الفعل.
على سبيل المثال، يمكن للمرء أن يعرف النظرية الكاملة للقيادة، مثل موقع دواسة البنزين والفرامل ومكان فرملة اليد ونقاط العمى التي يجب الانتباه لها، لكنه لن يعرف القيادة حقا إلا عندما يجلس خلف المقود ويطبق هذه المعرفة النظرية عمليا.
وبالتالي، فإن المعرفة الإجرائية تتطلب امتلاك مهارة تمكن الفرد من الأداء العملي، وهو أمر مختلف تماما عن مجرد معرفة مجموعة من الحقائق.
- المعرفة الافتراضية أو الخبرات الواقعية
أما النوع الثالث، وهو الأكثر اهتماما للفلاسفة، فهو المعرفة الافتراضية أو الحقائقية، وهي معرفة الحقائق. فعندما نقول، على سبيل المثال: "أعلم أن مجموع زوايا المثلث الداخلية يساوي 180 درجة"، أو "أعلم أنك تناولت ساندويتشي"، فإننا نشير إلى امتلاك معرفة افتراضية.
وعلى الرغم من وجود أنواع متعددة للمعرفة، تظل المعرفة الافتراضية هي محور الاهتمام الأساسي لعلم المعرفة، لأنها تتعلق بالحقائق والأحداث التي يمكن التأكد من وقوعها.
ومن الجدير بالذكر أن الفروقات بين هذه الأنواع الثلاثة ليست صارمة تماما. فالمعرفة الشخصية غالبا ما تتضمن بعض الحقائق الافتراضية، إذ لا يكفي مجرد التعرف على شخص ما لفهمه، بل يجب معرفة بعض الأمور عن حياته وسلوكه. وبالمثل، فإن المعرفة الإجرائية غالبا ما تتطلب معرفة بعض الحقائق، إذ إن معرفة كيفية قيادة السيارة تشمل فهما لنتائج تحريك عجلة القيادة.
ومع ذلك، فإن المعرفة الافتراضية وحدها لا تكفي لاكتساب المعرفة الشخصية أو الإجرائية، فهي تشكل قاعدة ضرورية، لكن تطوير المهارات أو الخبرات الشخصية يتطلب استخدام هذه الحقائق بطرق محددة ومنهجية.
إذا كانت الحضارات تتمايز بما تملكه من ثروة معرفية، فإن مستقبل الإنسانية إنما يرسم بخطوط هذا السعي المتجدد إلى الفهم والاكتشاف والإبداع
ختاما، ليست المعرفة ركاما من المعلومات أو حصيلة من الحقائق المجردة فحسب، بل هي روح تسري في الفكر الإنساني، تشكل وعيه وتوجه أفعاله، وتمنحه القدرة على إعادة بناء ذاته والعالم من حوله.
فهي تتجلى في الحواس واللغة والعاطفة والعقل، وتتشعب في أنماط شخصية وإجرائية وافتراضية، لتؤكد أن الإنسان كائن معرفي بامتياز، لا يكتمل وجوده إلا بقدر ما يسعى في دروبها ويغترف من ينابيعها.
وإذا كانت الحضارات تتمايز بما تملكه من ثروة معرفية، فإن مستقبل الإنسانية إنما يرسم بخطوط هذا السعي المتجدد إلى الفهم والاكتشاف والإبداع. وهكذا تبقى المعرفة جسرا بين الماضي والحاضر والمستقبل، وعنوانا خالدا لمسيرة الإنسان في البحث عن الحقيقة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

