أرسل الله، عز وجل، الرسل مبشرين ومنذرين، وتمييزا لهم عن غيرهم من مدعي النبوة جعل الله لهم معجزات خارقة تدل على أنهم أنبياء من عنده؛ لأن الإنسان قد لا يتقبل من غيره إن كان في مستواه، حتى وإن كان يملك الحقيقة. فكان لزاما أن يكون مستوى الأنبياء مرتفعا عن مستوى البشر، لا لتكبر -حاشاهم- وإنما دعما لدعوتهم.
فعيسى عليه السلام يحيي الموتى بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وصالح، عليه السلام، يخرج الناقة من الصخر بإذن الله، وإبراهيم، عليه السلام، يخرج من النار بسلام بإذن الله.
نعم، كلها معجزات خارقة يستحيل على العقل البشري تصورها، ولكننا نؤمن بها وبأنها حصلت على أيدي أنبياء الله. غير أن المقصود منها لم يكن ترسيخ ثقافة الخرافة في النفوس، وإنما هو دليل على صدق الرسل، فلذا وجب الإيمان بهم.
إن الثبات في الكون يمنح الاستقرار في نفس المؤمن، فالطريق واضح لا مجال للخرافة فيه
يعتقد الكثير أن المعجزات والكرامات قابلة للتحقيق بسهولة، وهذا شيء ثابت في عقيدتهم، حيث أجرى الله معجزات كثيرة، فلذا لا داعي للتعجب. وظنوا جهلا منهم أنها قد تحصل إن كان الإنسان مؤمنا متورعا فقط. مشكلتنا ليست فقط في ترسيخ مفهوم الخرافة، وإنما أيضا في الركون بعدها وعدم الجدية في العمل.
وانتقلت هذه الثقافة إلينا وترسخت، وصرنا نباهي بخرافات لم تحصل، ونحن نعلم في قرارة أنفسنا أنها شيء غير منطقي، ولكننا نخاف من تكذيبها فقط لأنها ارتبطت بالدين، والدين بريء منها.
لا ننكر المعجزات والكرامات التي ثبتت بما لا يدع مجالا للشك بإنكارها، ولكن المبالغة في سرد القصص والحكايا التي لا تثبت بدليل أوجدت عند الناس أملا كاذبا في أنه من الممكن قلب الأحداث بمعجزة دون عمل منهم، بحجة أنها قد حصلت مسبقا والله لا يعجزه شيء.
إن الله بلا شك لا يعجزه شيء، ولكن هذا ليس الموقف المناسب لنختبر قدرة الله. فالله لن يكسر لك قوانينه الثابتة من أجلك وأنت قاعد بلا عمل، فأنت لم تحقق شرط العبودية الخالصة ولا العمل الخالص ليجعل لك كرامة.
فحتى أنبياء الله أعطاهم ما أعطاهم من المعجزات والكرامات بعد عناء وكد في دعوة أقوامهم. قال تعالى: "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء". والله قد كسر لهم قوانين الكون الثابتة في لحظتها.
إن الكون يسير وفق قوانين ثابتة، وهذا من لطف الله بنا. فلو أن الكون تتبدل قوانينه كل يوم لما استطعنا مداومة العيش. فلن تشرق الشمس مثلا من مشرقها، ولن تطير الطائرة بنفس الكيفية التي تطير بها كل يوم. وهذه السنن الثابتة ليست مقتصرة على الأحداث الكونية، وإنما أيضا في قوانين الله مع الخلق؛ فمتى كثرت الفاحشة نزل العقاب، ومتى أرسل الله الرسل أقام الحجة على الناس بلزوم الاتباع، وهكذا.
إن الثبات في الكون يمنح الاستقرار في نفس المؤمن، فالطريق واضح لا مجال للخرافة فيه. ومن يؤمن بالخرافة يكاد يكون بمنزلة من يسيء الظن بالله، فالله أوجد الكون وسيره بدقة، فلماذا نخالف القوانين؟
الكسوف ظاهرة طبيعية تحدث بشكل متكرر، ولو كانت غير ذلك لما استطعنا معرفة الكسوفات والخسوفات لمئة سنة قادمة
هناك كثير من الآيات دلت على إعمال العقل، فقال تعالى: "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب"، وقال أيضا: "أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون"، وغيرها الكثير من الآيات التي أوجبت على الإنسان التدبر. لذلك كان الإسلام دينا يحترم العقل ويواجه بالحجة والبرهان.
وفي الآثار وردت بعض الأحداث التي دلت على نبذ الخرافة. فحادثة موت إبراهيم ابن النبي محمد، صلى الله عليه وسلم، في يوم كسوف للشمس، قال بعض الناس إن الشمس كسفت لموت إبراهيم، فكان رده صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات الله يريهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة". إنها الخرافة مرة أخرى، فالنفس دائما تميل إلى تهويل الأمور وجعل كل شيء في حياتها عظيما، ولكن الرد كان أقوى من الخرافة: "ولكنهما آيتان من آيات الله".
فصحيح أن ابن النبي قد مات في هذا اليوم، ولكن الكسوف ظاهرة طبيعية تحدث بشكل متكرر، ولو كانت غير ذلك لما استطعنا معرفة الكسوفات والخسوفات لمئة سنة قادمة. لذلك لا داعي لتهويل الأمور وجعل الطبيعيات ترقى إلى الكرامات والمعجزات.
وانظر إلى مثال آخر سطره الفاروق عمر بن الخطاب، حيث أمر بقطع الشجرة التي بايع الصحابة النبي تحتها بيعة الرضوان لما رأى الناس ينتابونها ويصلون عندها.
إن شجرة الرضوان شجرة عادية مزروعة في التراب، وتحتاج إلى الماء وضوء الشمس لتصنيع غذائها، وعندما يغيب الضوء تبدأ باستهلاك الأكسجين لقيامها بعملية التنفس. ولا أظن أن ما تقوم به هذه الشجرة مختلف عما تقوم به سائر الأشجار على الكوكب، ولكنها الخرافة عندما تضرب أصولها في النفوس فتجعل المرء يرى الطبيعي البديهي مذهلا تعجيزيا. فأصبح الناس يقدسون تلك الشجرة بالصلاة عندها والدعاء بجاهها، ولكن هيهات أن يفوت ذلك عمر الفاروق.
وما قصة الحجر الأسود عن هذه الحادثة ببعيد، فقال عمر: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي يقبلك ما قبلتك".
لا ينبغي لنا أن نبقى فقط في وضع المتفرج الذي يرقب الأحداث منتظرا حدثا جليلا لإصلاح كل شيء
قد تعمدت ذكر هذه الأمثلة للحرج الشديد الذي قد ينتاب البعض كونها متعلقة بالدين بالضرورة. فإبراهيم بن محمد النبي، وشجرة الرضوان مذكورة في القرآن، والحجر الأسود له الشأن العظيم في النفوس. فالخرافة تبقى خرافة وإن علا شأن من ألصق بها. والخرافة عند استقرارها في النفوس تدفع إلى تحجيم العقل وإسخافه، والكسل عن العمل والتقاعس، وهذا حالنا اليوم.
إننا نعيش اليوم في وهم الخرافة، في أن إصلاح الأمور كلها سيأتي فجأة، بل وحتى دون سابق إنذار. فحال الأمة الإسلامية حتما سيكون مشرقا، وعلينا فقط أن نكون في وضع الانتظار. انتظر فقط وسترى النتائج، فالله لا يضيع دينه. وكما قالت قريش سابقا للبيت رب يحميه، فنحن في زماننا نقول للدين رب يحميه.
لا ينبغي لنا أن نبقى فقط في وضع المتفرج الذي يرقب الأحداث منتظرا حدثا جليلا لإصلاح كل شيء. فالله لم يخلقنا عبثا لنكون فقط شاهدين بلا عمل. ومن ينتظر حدوث المعجزات والكرامات فليبقَ في مكانه الخرافي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

