سبق الكلام عن قدومنا إلى دمشق، ويومنا الأول في "الرحلة الشامية"، ونتابع الحديث هنا مستعرضين مشاهدات وأحداث اليوم الثاني، ثم الثالث والأخير.
اليوم الثاني
استيقظنا قبل أذان الفجر، ونيتنا أن نصلي الفجر في الجامع الأموي… لن أتكلم عن تاريخ هذا الجامع ومن دخله من العظماء؛ لأن هذا يحتاج إلى كتاب مستقل، كما فعل الطنطاوي وحسن زكي، وقد ألف عبد الرزاق البيطار كتابا في قبته فقط، لكني سأصف بعض مشاهداتي:
فمنها أني حضرت درسا بين الأذان والإقامة للشيخ محمد فواز النمر، وهو إمام ومدرس في الجامع منذ عام 1986، وكان درسه في الآداب الإسلامية، وعن مسألة الأخذ والإعطاء باليمين.
ورأيت في الجامع المكان الذي يقال إن فيه رأس يحيى، عليه السلام، ورأيت من يتحرى الدعاء عنده، وفيهم قال ابن تيمية الدمشقي في "الفتاوى": "وما يفعله بعض الناس من تحري الصلاة والدعاء عند ما يقال إنه قبر نبي… كمن يتحرى الصلاة والدعاء في قبلي شرقي جامع دمشق عند الموضع الذي يقال إنه قبر هود، والذي عليه العلماء أنه قبر معاوية بن أبي سفيان، أو عند المثال الخشب الذي يقال تحته رأس يحيى بن زكريا ونحو ذلك… فهو مخطئ مبتدع، مخالف للسنة" (2/435).
وأفاد الدكتور وهبة الزحيلي الدمشقي (ت:2015) في "فتاواه" أن المقام الموجود ليحيى مجرد مقام فارغ من قبر حقيقي، وذكر أن من المحقق وجود قبره بفلسطين في القدس لا في الديار السورية. أما مالك، إمام دار الهجرة، فقال: "ليس في الدنيا قبر نبي يُعرف إلا قبر نبينا، صلى الله عليه وسلم" (مجموع الفتاوى، 27/444)، وفي المسألة بحث.
ورأيت في الجامع الخبز في أكياس توزع على الفقراء والمساكين، ورأيت معلم القرآن يتجول بعد الصلاة في ساحة الأموي، والطلاب يمشون معه يسمّعون محفوظهم في منظر بديع، التقطه صديق معي في الرحلة.
والتقيت في الجامع بالأستاذ الحبيب بلال، ابن الشيخ والأستاذ الكبير زهير الشاويش، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وفي الجامع تعرفت أيضا على رجل الأعمال رامز الخياط، الذي رافقنا تكرما منه وفضلا في معظم جولاتنا، وفتح لنا أبواب دمشق، فجزاه الله عنا خير الجزاء، وشكر الله سعيه، وكتب أجره على ما قدمه لنا.
ثم أخذنا أخ متخصص في تاريخ الجامع الأموي في جولة تعريفية مطولة، يشرح لنا خبايا وزوايا الجامع، وما فيه من آثار وعجائب خالدة، منها قبة النسر التي كتب تحتها الأئمة، والبئر الغريبة في قلب الجامع، واللوحة الأموية الفنية الفاتنة، ذات الزخرفات والزركشات الأنيقة:
الزخـرفات أكاد أسمع نبـضها .. والزركشات على السقوف تنادي
أتأمل وأنا لا أكاد أصدق نفسي أني أمشي تحت قبة الجامع الذي مشى فيه أئمة الدنيا، كابن تيمية وابن القيم وابن رجب وابن كثير والصفدي والمزي والسبكي وابن مالك والنووي، وأمة لا يحصيها إلا الله. هذا الجامع العظيم لطالما خرجت منه جيوش المجاهدين في الدولة الأموية، كما قال نزار:
وأمـية راياتـها مرفوعـة .. وجيـادها موصـولة بجيـاد
لما وصلنا إلى باب السجن، رأيت مكتوبا على جداره بالخط الأحمر العريض وسط علم الدولة الجديد: "صيدنايا يا وجع الروح، وغصة النصر"، وعلى الجدار الأيسر: "المسلخ البشري
تجولنا في ساحة الجامع، فرأيت في طرفه قبرا مكتوبا عليه: "هنا يرقد زعيم العراق والعروبة ياسين باشا الهاشمي، استشهد في 1937". وياسين باشا انقلب عليه بكر صدقي، ففر إلى سوريا، وقيل إنه مات بسكتة قلبية حزنا وهما وكمدا.
ورأيت ثلاثة قبور لطيارين عثمانيين سقطوا في محاولة طيران وماتوا عام 1914، فكرموهم بدفنهم عند الجامع الأموي. ورأيت قبر السلطان العظيم صلاح الدين الأيوبي:
زمان صلاح الدين هل لك عودة .. فإن جيوش الروم تنهى، وتأمر
يحاصرنا كالموت ألف خليفة .. ففي الشرق هولاكو، وفي الغرب قيصر
وبجانبه قبر رخامي فارغ، هو هدية من الإمبراطور الألماني غليوم الثاني (ت:1941)، قدمها عند زيارته دمشق في عهد السلطان عبد الحميد الثاني عام 1878، وفي ملحق الصور من كتاب الطنطاوي (ص219) صورة لموكب الإمبراطور وهو في ساحة المرجة.
وبجانبهما قبر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، وقد كُتب على قبره هذا البيت لأبي الحسن الششتري (ت: 1269) من شعراء الأندلس السليب:
أتيتك بالفقر يا ذا الغنى .. وأنت الذي لم تزل محسنا
ورأيت ورأيت ورأيت.. رأيت الكثير في هذا الجامع العظيم المبارك، لكني مضطر أن أختم كلامي عنه بهذا النص التاريخي اللطيف، لأنتقل بكم إلى مشهد آخر من رحلتنا، فقد روى الحافظ ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (2/247) فقال:
"لما دخل المأمون مسجد دمشق، ومعه أبو إسحاق المعتصم ويحيى بن أكثم، قال: ما أعجب ما في هذا المسجد؟! فقال له أبو إسحاق: ذهبه وبقاؤه، فإنا نهيئه في قصورنا فلا يمضي به العشرون سنة حتى يتغير، قال: ما ذاك أعجبني منه. فقال يحيى بن أكثم: تأليف رخامه، فإني رأيت فيه عقدا ما رأيت مثلها. قال: ما ذاك أعجبني!
فقالا له: ما الذي أعجبك؟ قال: بنيانه على غير مثال متقدم!".
ثم التقينا بسعادة سفير دولة قطر عبد العزيز بن عبد الله آل محمود، الذي بذل كل جهده ووقته لأجلنا ولم يقصر في شيء من ذلك، والجود من معدنه لا يُستغرب، وهو رجل غاية في التواضع والأدب ورقي الأخلاق، فلا تغادر الابتسامة محياه، مع ثقافة حسنة واطلاع واسع على جغرافيا الشام وتاريخها الحديث، وكأنه من أهلها، وكانت وقفته معنا من أسباب نجاح الرحلة بعد الله، عز وجل، فبيض الله وجهه في الدارين.
صعدنا بعد ذلك إلى جبل قاسيون، ورأينا "قصر الشعب" حيث مقر الرئيس، ذلك القصر الذي كان يطل منه الهارب على شعبه وهو يُقصف ويُرمى بالبراميل بأوامره أمام عينيه، في مشهد لا يمكن أن يوصف، ولم أستوعبه إلا حين وقفت على سفح قاسيون، ورأيت قصر الشعب عن يميني، ودمشق أمامي.
وقد أذل الله هذا الطاغية، وأخرجه وجنوده من قصورهم، فيا الله! {كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين} [سورة الدخان: 25-29].
رأيت "جامع البزورية"، الذي بناه الشيخ والتاجر أبو بكر محفوظ بن معتوق البغدادي البزوري، الذي كان واحدا من عشاق الكتب، فجمع كتبا كثيرة ووقفها في تربته بسفح قاسيون
وتلوت على أصدقائي، حين علمت أن الرئيس أحمد الشرع يسكن في هذا القصر الآن، قوله تعالى: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرا} [سورة الأحزاب: 27]. فيا لله كم في فتح الشام على يد أبي محمد الفاتح من دروس وعظات وعبر وآيات.
ثم نزلنا إلى ريف دمشق، ودخلنا المأمونية وجوبر وزملكا وحرستا وعربين ومدينة التل، ورأينا الدمار المهول الذي خلفه النظام البائد، دمارا- والله- لا تصفه الحروف ولا تلتقطه الكاميرات؛ فهناك أحياء كاملة قد أصبحت خاوية على عروشها، وغدت أثرا بعد عين كأن لم تغنَ بالأمس، لتبقى شاهدة على واحدة من أعظم الجرائم في التاريخ الحديث. وفي وسط هذا الدمار والركام كان مفاجئا لي وجود أسر ما زالت تعيش هناك.
ولما هممنا بالمغادرة، جاءنا شاب مستنير المحيا، وسألنا بكل أدب وذوق وقال: "من وين أنتم بلا صُغرة؟!"، وكم أحب هذا القيد والاحتراز الأدبي في كلامهم، فقلت له: إخوانك من قطر، فاستبشر وتهلل، ودعانا إلى القهوة في بيته! فليت شعري، أي بيت سيستضيفنا فيه هذا الشاب الشهم الكريم وسط هذا الدمار والخراب؟!
والله إني لأكتب هذه الحروف والدموع تصارعني لتنهمر لكني أزجرها، فإن المشاهد التي رأيناها ما رأيتها في حياتي قط، ولم يخطر ببالي هنا إلا إخواننا الأبطال في غزة العزة، ونسأل الله أن يلطف بهذه الأمة.
ومن آلام الريف والغوطة إلى سجن صيدنايا المرعب سيئ الصيت، ذاك السجن الذي صُعق العالم حين ذاع خبره، وخرج منه سجناؤه في مشهد مزلزل مؤثر، وثّقته عدسات الكاميرات. وهنا انقسم الإخوة، فمنهم من امتنع عن الذهاب إلى السجن بعد الدمار الذي رأيناه في الغوطة، ومنهم من ذهب، وكنت من الفريق الثاني.
لما وصلنا إلى باب السجن، رأيت مكتوبا على جداره بالخط الأحمر العريض وسط علم الدولة الجديد: "صيدنايا يا وجع الروح، وغصة النصر"، وعلى الجدار الأيسر: "المسلخ البشري، لن ننسى، ولن نسامح"، وعبارة: "يلعن روحك يا حافظ"، وفوقها بالإنجليزية "FREE SYRIA".
يقبع السجن في مساحة كبيرة كئيبة، وهو محاط بثلاثة أسوار تجعل هروب السجين منه مستحيلا، ويتموضع السجن في رأس قمة تلة، ويحق لي أن أنشد هنا قول نزار: والعالم العربي إما نعجة مذبوحة… أو حاكم قصاب.
كلما التفتُّ يمينا رأيت تاريخا وأثرا ومعلما، ثم ألتفت شمالا فأرى أدبا وشعرا، أقترب من لوحة جدارية فأقرأ فيها: "مقام مار جرجس للأرثوذكس"، وعليه علم الاتحاد الأوروبي
وبينما نحن ننتظر الإذن بالدخول، وصلنا خبر من قطر أحزننا جميعا، وهو خبر وفاة رجل عزيز علينا، وابن رجل عالم من علماء قطر، أعني اللواء عبد العزيز بن عبد الله الأنصاري، رحمه الله رحمة واسعة، وهو صاحب الكلمة المشهورة التي شاعت في الناس أيام كأس العالم 2022، بعد هجوم الإعلام الغربي على قطر حين منعت مظاهر الشذوذ والخمر في الملاعب فقال: "لن نغير ديننا لأجل بطولة تستمر 28 يوما"، وهكذا يخلّد التاريخ الرجال بمواقفهم وصنائعهم، لا بأنسابهم ومناصبهم.
ورأيت جامع "السنانية"، الذي بُني في عهد الوالي سنان باشا سنة 988هـ، وكان يدرس فيه جملة من العلماء، منهم العلامة جمال القاسمي، وعنده درس العلامة ابن مانع، وهو جامع أنيق بديع، تحدث عنه نجم الدين الغزي في "لطف السمر وقطف الثمر"، ولم يتيسر لي دخوله، ولكن دخله صاحبي الموفق والتقط له صورا بديعة كعادته. وانظر لمزيد الفائدة "منادمة الأطلال" لابن بدران الدمشقي (ص379).
ثم حضرنا معرض الكتاب الدولي، وهناك رأيت أمورا كثيرة:
رأيت إقبالا عظيما من الناس على المعرض إلى حد الاختناق، رأيت الناس مكتظين متزاحمين حذو المنكب بالمنكب، خصوصا على الكتب الشرعية، وزرت جناحي "دار روافد" و"ابن النديم"، وفرحت كثيرا لرؤية كتبي لأول مرة تباع علنا في دمشق، وأي مكرمة أكبر من هذه؟
وحضرت طرفا من محاضرة في المعرض، يلقيها الكاتب السوري والمفكر عبد الكريم بكار، الذي قرأنا له ونحن صغار، ولما خرجت رأيت الناس تتبع رجلا كبيرا في السن، يبدو مشهورا، ووجهه مألوف، لكني لم أعرفه.
سألت صاحبي القطري، فقال بعد عصف ذهني سريع: هذا والد الرئيس أحمد الشرع! هكذا كان يمشي دون موكب وأضواء، ولا أظن أنه كانت هناك حراسة، ذهبنا إليه وسلمنا عليه ورحب بنا ومازحنا.
ثم خرجنا وذهبنا إلى دمشق القديمة، ودخلنا شارعا يقال له "الشارع المستقيم"، عمره 2000 سنة (بثلاثة أصفار)، ولعلي أعيدها لك بالحروف كي تتأكد أني لم أخطأ، نعم عمره ألفا سنة، ورأينا فيه كنيسة عمرها 1800 سنة، ورأينا فيه الغرائب والعجائب مما يفوق الوصف.
ثم مشينا، وكلما التفتُّ يمينا رأيت تاريخا وأثرا ومعلما، ثم ألتفت شمالا فأرى أدبا وشعرا، أقترب من لوحة جدارية فأقرأ فيها: "مقام مار جرجس للأرثوذكس"، وعليه علم الاتحاد الأوروبي، ثم أمضي فأرى جدارا رخاميا قد كُتب عليه بخط فاتن بيتا البحتري:
أما دمشق فقد أبدت محاسنها .. وقد وفى لك مطريها بما وعدا
كأنما القيظ ولى بعد جيئته .. أو الربيع دنا من بعد ما بعدا!
فخفضت رأسي تحته، فقرأت قول أمير الشعراء:
آمنت بالله واستثنيت جنته .. دمشق روح وجنات وريحان
لولا دمشق لما كانت طليطلة .. ولا زهت ببني العباس بغدان!
ثم ختموا الجدارية بإيليا أبو ماضي إذ قال:
حي الشآم مهندا وكتابا .. والغوطة الخضراء والمحرابا
ليست قبابا ما رأيت وإنما .. عزم تمرد فاستطال قبابا
ثم مشيت فرأيت مدرسة شيعية، وهي المدرسة المحسنية للذكور، بنيت عام 1321هـ، وقريب منها "اليوسفية الإسلامية" للإناث (1342هـ).
ثم مشيت فرأيت جدارا قد كُتب عليه بيت نزار قباني:
والماء يبدأ من دمشق، فحيثما .. أسندت ظهرك جدول ينساب
وهو من قصيدة بائية بديعة له، أحفظ معظمها، وأنشدتها على مسامع الأخدان ونحن في سفح قاسيون، ثم أنشدتها مرة أخرى ونحن قافلون إلى المطار، حتى إن سائقنا السوري طرب لها، وحق له ذلك. ولا تستغرب الشعر في الشام وكثرته، فإنها موطنه ومعدنه ومنبته، أليس قد قال نزار في القصيدة نفسها:
والشعر عصفور يمد جناحه .. فوق الشآم، وشاعر جواب
الشعر رغم سياطهم وسجونهم .. ملك، وهم في بابه حجاب
ثم مشيت فرأيت "خان أسعد باشا"، وهو فندق قديم بناه والي دمشق عام 1749، لا يمكن وصف جماله الآن، لأني لا بد أن أمشي بك معي.
"حمام نور الدين الشهيد"، هو حمام عربي مع بخار، بناه السلطان نور الدين الشهيد عام 565هـ، ودخلته، وما زال الناس يستعملونه إلى اليوم للاسترخاء والتنظيف
ثم مشيت فرأيت "جامع البزورية"، الذي بناه الشيخ والتاجر أبو بكر محفوظ بن معتوق البغدادي البزوري، الذي كان واحدا من عشاق الكتب، فجمع كتبا كثيرة ووقفها في تربته بسفح قاسيون، أفاده البرزالي في "المقتفي" (2/382)، وهو ممن قرأ عليه، وله ذيل على كتاب "المنتظم" في عدة مجلدات، ذهبت في أيام التتار الغازانية سنة 699هـ من خزانة كتبه الموقوفة بتربته التي دفن فيها بسفح قاسيون، وقد قال الذهبي: "ثم ظفرنا ببعضها".
ثم مشيت فرأيت "حمام نور الدين الشهيد"، وهو حمام عربي مع بخار، بناه السلطان نور الدين الشهيد عام 565هـ، ودخلته، وما زال الناس يستعملونه إلى اليوم للاسترخاء والتنظيف ونحوه، وهو يتألف من ثلاثة أقسام: حار وبارد وفاتر.
ثم مشيت فرأيت "قصر العظم"، الذي بناه أسعد باشا العظم سنة 1763، عندما كان واليا على دمشق من العثمانيين، ولما جاء المحتل الفرنسي جعله مقرا لإقامته، ولا يسعني المقام للأسف لوصف روعته وعظمته.
ومشيت مثل الطفل خلف دليلتي .. وورائي التاريـخ كـوم رماد
ثم مشيت فرأيت جامع "المدرسة الفارسية"، الذي بناه ودفن فيه الأمير فارس الدين عام 808هـ، ولتفاصيله انظر "مشيدات دمشق" (ص 405).
ثم دخلت حي "المزة"، التي قال عنها ابن بطوطة في رحلته (1/78): "من أعظم قرى دمشق، بها جامع كبير عجيب وسقاية معينة". وقال عنها ابن جبير في رحلته (ص224): "قرية كبيرة، هي من أحسن القرى". ووصفها صاحبنا الطنطاوي بأنها "أصح المنازل، وأبعدها عن العلل" (ص27)، وهي بلدة الإمام المحدث المزي، تلميذ ابن تيمية، وخرج منها جماعة من العلماء.
وصلنا عند قبور هؤلاء الأئمة الثلاثة، ودعونا لهم بالمغفرة والرحمة على ما قدموا للإسلام والمسلمين، وأخبرنا البواب أن النظام البائد كان يحرص على إخفاء هذه القبور لأسباب لا تخفى
اليوم الثالث والأخير
خرجت في الصباح مع صديق عزيز إلى جامعة دمشق، وهي أقدم جامعة حكومية في البلاد، وكنا نريد زيارة قبر شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي يرقد في ساحة الجامعة، ولما حاولنا الدخول وجدناه مغلقا بسبب العطلة.
حاولنا الدخول من كل جهة فلم نفلح، وجدنا بجانبه مستشفى، فدخلنا منه لننفذ إلى الجامعة فلم نفلح أيضا، ثم أخذنا اليأس وقررنا الانتقال إلى معلم آخر، وبينما نحن ننصرف رأيت بابا من أبواب الجامعة، وقفت عنده وناديت، فجاء البواب بهيئته الريفية، وقلت له بعد السلام: هل هنا قبر ابن تيمية؟ فقال: عليه السلام! نعم (ظن المسكين أنه نبي).
فكتمت ضحكتي واستبشر صاحبي، وقال لنا الحارس: تعالا من الجهة الأخرى وسأفتح لكما. ذهبنا ودخلنا، ووجدنا أصحابنا القطريين قد سبقونا بالدخول إلى ساحة الجامعة التي كنا وحيدين فيها، دون أساتذة أو طلاب أو موظفين، كان شعورا غريبا، راقت لي الجامعة، ففيها ذاك النوع من الأبنية القديمة، لكن مع أصالة وفخامة.
مشيت ورأيت لوحة حديثة قد كُتب عليها بخط عريض "قبور العلماء: ابن تيمية، ابن كثير، ابن الصلاح". وتحته ما نصه: "برعاية كريمة من رئاسة جامعة دمشق، وبتنفيذ جمعية التواصل الحضاري، تمت إعادة تأهيل القبور والحديقة المجاورة لها بعد الإهمال الشديد الذي عانت منه في زمن النظام البائد".
وصلنا عند قبور هؤلاء الأئمة الثلاثة، ودعونا لهم بالمغفرة والرحمة على ما قدموا للإسلام والمسلمين، وأخبرنا البواب أن النظام البائد كان يحرص على إخفاء هذه القبور لأسباب لا تخفى على القراء، وقد كتب صديقنا الأريب خليفة آل محمود في مدونته يقول: "من الكوميديا السوداء أن نظاما حلل تجارة المخدرات، نفسه هو الذي حرم كتب ابن تيمية".
انضم إلى البواب بواب آخر، كان في غاية البساطة إلى درجة أنه حين سألنا من أين أنتم؟ وأخبرته بأنا من قطر، لم يعرفها ولم يسمع بها، وقال لي: هل هي في المغرب؟!
وقبل أن نخرج من الجامعة، قام الحارس، وقطع ضغثا من نبت الخزامى طيب الرائحة، الذي تغنى به الشعراء، وشممته كما تمنى أن يشمه مجنون ليلى قبل أن يموت حين قال:
ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة .. إلى قرقري قبل الممات سبيل؟!
ولما أهدانا الحارس الخزامى أكرمه صاحبي الكريم ببضعة دولارات، فلما انصرف صاحبي خلص بي الحارس نجيا وقال لي في خفية واستحياء: ما هذه العملة!؟ قلت له: هذا دولار أمريكي! فلم يفهم ما قلته؛ فالرجل لم يرَ الدولار قط في حياته، ثم أردف قائلا: وكم تساوي بعملتنا؟ فأخبرته، فسر بذلك جدا، ودعا لصاحبي شاكرا وانصرف.
خرجنا من الجامعة ورأينا كتبيّا في الشارع، اقتنى منه صاحبي "الحيوان" للجاحظ، واقتنيت منه "الأوائل" لأبي هلال العسكري. ثم توجهنا إلى المطعم الأخير وهو "مطعم الشاميات"، وبعد تناول الفَطور رأيت وأنا عائد إلى الفندق مسجدا صغيرا جميلا اسمه: "جامع فروخ شاه" (579هـ) وفيه "المدرسة الفاروخشاهية".
دخلت المسجد فلم أجد فيه إلا حلقة نساء صغيرة، ثلاث طالبات ومعلمة، خرجت المعلمة وسألناها عن المسجد فقالت: هذا قبر فروخ شاه، حفيد صلاح الدين الأيوبي، ثم قالت: "هكذا قيل لنا". وهكذا قالت المعلمة، والظاهر أنه ابن أخيه كما في "وفيات الأعيان" (2/340)، وقد كان واليا على دمشق، مجاهدا، أديبا شاعرا ناثرا، وصفه ابن كثير بأنه كان "شجاعا شهما عاقلا ذكيا كريما ممدحا، امتدحه الشعراء لفضله وجوده" (البداية والنهاية، 12/311).
رجعت إلى غرفتي، وحزمت حقائبي، وقبل أن أخرج من الغرفة ألقيت نظرة وداعية على جبل قاسيون من نافذة الفندق، ففتحت النافذة ودخل علي نسيم الشام، وأنشدت بصوت مرتفع أُسمع فيه نفسي ولا يسمعني أحد قائلا:
تمتع من شميم عرار نجد .. فما بعد العشية من عرار
ولما وصلنا قطر، فاضت قريحة صديقنا الحبيب الشيخ شبيب العطية فقال شعرا:
أهذا السحر أم ماذا .. كأن اليوم قد طالا؟
أهذا الشام نعرفه .. أم الوسنان قد خالا؟
كأن الوقت مسروق .. من الفردوس آمالا!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
