في تجربة مثيرة للجدل، قامت كنيسة القديس بطرس في لوسيرن بسويسرا بـ"رقمنة" السيد المسيح! وحملت التجربة -وهي عمل فني بحثي- اسم "Deus in Machina". وجاءت التجربة في إطار تعاون بين الكنيسة وجامعة العلوم التطبيقية والفنون في لوسيرن.
كيف تعمل التجربة؟
يقوم الشخص بالدخول إلى المكان المخصص، وفيه شخصية تشبه السيد المسيح تظهر على شاشة، وتعرف باسم "AI Jesus"، ثم يبدأ الشخص في طرح أسئلته، فتقوم الشخصية الرقمية للسيد المسيح بالرد عليه بردود مولدة بالذكاء الاصطناعي، ومدربة على نصوص من العهد الجديد.
وبحسب بيان رسمي للكنيسة، فقد تم إجراء نحو 900 محادثة، معظمها حول العلاقات والحب والموت والوحدة. ومن الأسئلة التي تم طرحها على Jesus AI: "هل سأجد الحب الحقيقي يوما ما؟"، و"ماذا يحدث بعد الموت؟"، و"لماذا يوجد كل هذا القدر من المعاناة في العالم؟"، و"كيف أجد محبة الله؟"، و"ما موقف الكنيسة من المثلية الجنسية؟".
ما أكد عليه شميد بقوة هو أن "Jesus AI" لم يكن يستمع إلى الاعترافات، ولم يحدث ذلك إطلاقا، بل كان الهدف تمكين الزوار من الدخول في حوار تفاعلي مع أفاتار روحي
حوار مع القائمين على التجربة
استوقفتني هذه التجربة لسببين: أولهما تساؤلاتي حول المعلومات والبيانات التي تدربت عليها شخصية Jesus AI، وعن الضامن لصحتها، لاسيما أن هذه التجربة لم تجذب المتدينين فقط، بل جذبت بعض الملحدين واللاأدريين. لذا، فأي معلومة وأي توجيه قد يطيح بالشخص يمينا أو يسارا!
والسبب الآخر هو أن تقاطع أي مجال مع الدين قد ينتج عنه جدل، ويحتاج إلى توضيحات مؤكدة.
لذلك، قمت بالتواصل مع "ماركو شميد"، وهو مختص لاهوتي شارك في هذا المشروع. وأشار "شميد" إلى أن الهدف من التجربة -التي أسماها "مشروعا فنيا"- هو إطلاق نقاش حول كيفية تأثير التكنولوجيا الحديثة والدين أحدهما في الآخر، وكيف تؤثر هذه التقنيات لا على المؤسسات الدينية فحسب، بل أيضا على المؤمنين أنفسهم.
وردا على سؤالي حول مدى الصحة اللاهوتية لتصريحات Jesus AI، أشار شميد إلى أنهم منذ البداية كانوا على وعي بأنهم لا يستطيعون تقديم ضمان مطلق، إلا أنهم لم يرصدوا، طوال شهرين أجريت فيهما هذه التجربة، أي تصريحات غير مقبولة.
بالإضافة إلى أن أحد أعضاء الفريق اللاهوتي كان متواجدا في الموقع تحسبا لأي تدخل قد يكون مطلوبا؛ لأن التكنولوجيا لا ينبغي استخدامها بعد دون موافقة بشرية، حسب رأي شميد.
وما أكد عليه شميد بقوة هو أن "Jesus AI" لم يكن يستمع إلى الاعترافات، ولم يحدث ذلك إطلاقا، بل كان الهدف تمكين الزوار من الدخول في حوار تفاعلي مع أفاتار روحي.
ما هو رأي المسيحيين من خارج المشروع؟
قمت بالاستماع أيضا إلى آراء بعض المسيحيين من معارفي، الذين لا علاقة لهم بالمشروع.
- "مينا حبيب"، وهو شماس بالكنيسة القبطية، يرى أن هذه التجربة هي طرح معاصر ووسيلة إيضاح، وليس فيها إهانة، وشبهها بمجموعة أفلام "ذا بيرفكت سترينجر"، التي جسدت المسيح وهو يرتدي بدلة، ويعيش وسط الحياة العادية المعاصرة.
- "هايدي عادل" وصفت التجربة بأنها سلبية، وترفض المشاركة فيها لأنها "تفتقد لعظمة الله"!
من وجهة نظر رجل الدين، قال "جون باورز"، وهو قس كندي بكنيسة "CrossTowne": "إنه يجب أن نشعر بالحذر والشك؛ لأننا نتعامل مع تكنولوجيا غير مكتملة التطوير، كما أنها ليست إنسانية كالمسيح، الذي كان يروي قصصا ليشارك أتباعه، ولها قدرة تتجاوز -على حد قوله- بكثير أي أداة ذكاء اصطناعي أعرفها".
- ويرى "باورز" أيضا أن القوة الحقيقية والواقعية للمسيح تضيع داخل إطار الذكاء الاصطناعي؛ لأن "تزوير" كلمات المسيح بتفضيلات بشرية "معيبة"، وتحويل ما كان جسدا ودما إلى شيء افتراضي، هما تمثيل وثني مشوه، وقد يدفعان إلى عبادة زائفة لما أسماه "مسيحا اصطناعيا"!
هذه الدراسة لا بد أن يترافق معها إجراء مناقشات وحوارات صالونات أدبية وثقافية، تتمخض عنها قوانين عادلة ولوائح صارمة، تنظم لنا عالمنا الآن ومستقبلنا، وتحفظ لنا التاريخ حتى تحترق النجوم وتفنى العوالم!
أسئلة عالقة!
بعد أسابيع من بحثي حول هذه التجربة، والاستماع لآراء المهتمين بالأمر، بقيت تلح على ذهني بعض الأسئلة:
- هل يجوز للذكاء الاصطناعي أن يتحدث باسم شخصية دينية، لا سيما الأنبياء؟
- من سيتحكم في المعلومات التي تتدرب عليها تلك النماذج؟
- ما هو الضامن بألا يتم تزوير التاريخ الديني والإنساني في العقود القادمة، في زمن سيندثر فيه جيلنا، وتكون الآلة هي الذاكرة المجتمعية للعالم؟!
يضاف إلى ذلك أسئلة كثيرة لا تسعني كتابتها جميعها هنا. وأختم بحثي حول هذا الموضوع، وأنا أدعو الجهات المسؤولة وأصحاب الأمر، ومن يهمهم الحفاظ على حضارتنا وهويتنا وإرثنا الثقافي والتاريخي ورموزنا التاريخية من "التشويه الاصطناعي" في العقود القادمة، إلى دراسة الذكاء الاصطناعي من الناحية الأخلاقية بشكل جدي.
هذه الدراسة لا بد أن يترافق معها إجراء مناقشات وحوارات صالونات أدبية وثقافية، تتمخض عنها قوانين عادلة ولوائح صارمة، تنظم لنا عالمنا الآن ومستقبلنا، وتحفظ لنا التاريخ حتى تحترق النجوم وتفنى العوالم!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

