في العلوم السياسية، لا تقوم الحروب بسبب عامل واحد، بل نتيجة مجموعة من العوامل المركبة، التي تغلب عليها المصالح في نهاية الأمر، وهذه المصالح منها الداخلية ومنها الخارجية.
المصالح الخارجية أهمها السعي إلى القوة، أو إفراغ فائق قوة، ومحاولة فهم هذه الأسباب تركز غالبا على القوة العسكرية. لكن الحقيقة التي تتقدم دائما، حتى مع التفسير العسكري، هي وجود الرغبة في تملك القوة الاقتصادية والسيطرة على الأسواق، أو الهيمنة على مصادر الإنتاج، سواء كانت مواد خاما أو طاقة.
بهذا المفهوم، تقع الحروب في الغالب عندما ينخفض الترابط أو التعاون الاقتصادي بين الدول، ويكون ذلك بالتزامن مع حالة تنامي القوة العسكرية لأحد البلدان، فيرى في قوته العسكرية ميزة يمكن أن يحقق بها ما يتعذر تحقيقه عبر التعاون.
الضفة الأخرى من البحر المتوسط تحتفي بزيارة رئيس الوزراء الهندي لاتحاد القارة العجوز، التي عانت خلال فترة ولاية ترمب الأولى، وهي الآن تعاني الأمرين مع ظهوره الثاني الأكثر عنفوانا
يتبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الذي يعيش أزمة وثائق إبستين هذه الأيام، نظرية الواقعية الهجومية، وهي النظرية التي ترى أن "الدولة الآمنة هي الدولة الأقوى، وليست الدولة المتوازنة فقط".
وبهذا، يمكن تفسير محاولات ترمب، التي نجح الكثير منها في فرض رأيه لحل القضايا دون النظر إلى قواعد القانون الدولي، أو الأعراف الدولية والدبلوماسية، وحتى دون مراعاة مصالح أطراف القضية. وهو مدفوع في ذلك بفرط القوة وتوزيعها على المفاصل الحيوية في العالم من أبحر ومحيطات ومضائق، حتى وصل به الأمر إلى النظر لحلفائه الأوروبيين على أنهم مستخدمون وعليهم إطاعة الأمر.
ربما تكون هذه مقدمة لا بد منها لقراءة واحدة من أهم الزيارات التي تمت خلال شهر يناير/كانون الثاني المنصرم، مع انشغال العالم بأزمات أشعلها صاحب البيت الأبيض في منطقتنا.
فمع ترقب ضربة عسكرية أمريكية لإيران، وعودة الإجرام الإسرائيلي على قطاع غزة، رغم افتراض دخول اتفاق ترمب مرحلته الثانية، التي تتضمن فتح المعابر وإدخال المساعدات إلى القطاع المنكوب، كانت الضفة الأخرى من البحر المتوسط تحتفي بزيارة رئيس الوزراء الهندي لاتحاد القارة العجوز، التي عانت خلال فترة ولاية ترمب الأولى، وهي الآن تعاني الأمرين مع ظهوره الثاني الأكثر عنفوانا. لكن لماذا هذا الاحتفاء؟
تقول الصحف الغربية عن الزيارة إنها، بما خلفته من اتفاقيات، يمكن أن تكون أهم زيارة إلى الاتحاد الأوروبي، وأن الاتفاقية هي "Mother of all deals" (أم الاتفاقيات)، كما وصفتها صحيفة الجارديان البريطانية؛ إذ وضعت القمة التجارة، والأمن والدفاع، والانتقال نحو الاقتصاد الأخضر، والتعاون بين الشعوب، في صلب جدول الأعمال.
أهم ما أنجزته هذه الاتفاقية هو إلغاء الرسوم الجمركية على أكثر من 96% من الصادرات الأوروبية و99% من الصادرات الهندية، ما سيخفض الرسوم الجمركية على صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الهند بنحو أربعة مليارات يورو
لكن أهم ما ركزت عليه الصحافة الأوروبية كان إعلان اتفاقية تجارة حرة شاملة بين الاتحاد الأوروبي والهند، حيث تفتح سوق نحو ملياري مستهلك، وتمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. والهدف الإستراتيجي للاتفاقية هو خفض التعريفات الجمركية تدريجيا لتسهيل تدفق التجارة بين الجانبين، مع توسيع فرص الاستثمار والتعاون في سلاسل الإمداد العالمية.
الاتفاقية تأتي كأحد الأساليب الدفاعية لمواجهة التحديات الاقتصادية العالمية، وعلى رأسها العقوبات الاقتصادية الترمبية التي باتت تطول الحلفاء الأوروبيين، وكذلك حالة التنافسية المستعرة مع الصين. وعلى الرغم من أن هذه الاتفاقية لن تظهر نتائجها على المستوى القريب، فإن المديين المتوسط والبعيد سيشهدان ثمارا معتبرة لها، فيما لو نجحت مقومات التنفيذ في التوفيق بين المصالح المختلفة داخل الاتحاد الأوروبي.
مع ذلك، فإن أهم ما أنجزته هذه الاتفاقية هو إلغاء الرسوم الجمركية على أكثر من 96% من الصادرات الأوروبية و99% من الصادرات الهندية، ما سيخفض الرسوم الجمركية على صادرات الاتحاد الأوروبي إلى الهند بنحو أربعة مليارات يورو، وهو ما قد يضاعف الصادرات الأوروبية بحلول عام 2032. ما يعني أن الاتحاد الأوروبي قرر الهروب من سيطرة واشنطن إلى أسواق يمكن التعامل معها كشريك، لا كصاحب مال.
هذه الخطوة الأوروبية، التي يمكن فهمها على أنها خطوة نحو الانعتاق من الهيمنة الأمريكية، تعززها الاتفاقية عن طريق الاستثمار في سلاسل الإمداد البينية، والتعاون في الابتكار والتقانة المتقدمة، لا سيما أن الهند قطعت شوطا مقدرا في هذا المجال.
يمكن أيضا وضع هذه الخطوة في إطار المخاوف الأوروبية من الصعود الصيني المتنامي؛ إذ أصبحت الصين خلال العقد الأخير ثاني أكبر اقتصاد عالمي. وهذا ما يمكن تحليله في إطار مفاهيم فرط القوة؛ إذ يمكن بالنتيجة أن تعد الصين خصما، أو على الأقل منافسا، للاتحاد الأوروبي الذي نشأ بالأساس على خلفية اقتصادية، بهدف بناء تكتل اقتصادي عالمي. لذا فإن الاتفاقية تعد فرصة للتقليل من الاعتماد على الصين، أو تخفيف تأثيرها في أماكن حساسة.
ستعزز الاتفاقية النظرة إلى الهند كقوة اقتصادية عالمية تحتل مركزا محوريا في آسيا والغرب، ما يعني أن كلا طرفي الاتفاقية يتشاركان في مصلحة إستراتيجية واحدة
الهند، في دنيا الاقتصاد، تعد لاعبا متعدد الأقطاب في ملعب الاقتصاد العالمي المتقلب؛ فهي بلد نامٍ بسرعة كبيرة، ولديه ميزة السوق الكبير، الذي يبلغ مليارا و470 مليون نسمة.
وفي المقابل، يبلغ عدد سكان الاتحاد الأوروبي مليارا و236 مليون نسمة، لكنه يمتاز بارتفاع متوسط الدخل، ما يجعل البضاعة الهندية أرخص إذا ما رفعت عنها الحواجز الجمركية الأوروبية. وبالتالي، فإن المنتج الهندي سيهرب من القيود الأمريكية وقيود الولوج إلى سوقها.
وفي المقابل، ستعزز الاتفاقية النظرة إلى الهند كقوة اقتصادية عالمية تحتل مركزا محوريا في آسيا والغرب، ما يعني أن كلا طرفي الاتفاقية يتشاركان في مصلحة إستراتيجية واحدة، ألا وهي تعزيز العلاقات التجارية والسياسية في ظل عالم متشابك القوى، وهيمنة أمريكية طاغية تتبدى آثارها كل يوم على الدول، وتحتاج إلى تكتلات قوية، تمتلك مقومات الشراكة وإرادة التغيير.
في ظل كل هذه المتغيرات، أين يقف العرب؟ وهل من رؤية واقعية إستراتيجية لهذه التحولات؟ هذا ما يمكن قراءته في المقال القادم إن شاء الله.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

