أنا لا أكتب هذه السطور لأجامل جهة معينة أو أخاصم أخرى، ولا أكتب لأقدم إحصائيات بعدد الكتب، أو دور النشر، أو الكُتاب الذين استضافهم المعرض ووقعوا إصداراتهم، بل أكتبها لتكون شهادة لي كقارئة تغار على المشهد الثقافي.
ما بين معرض وآخر تغير الكثير، وما كان حلما للقراء بالأمس أصبح اليوم واقعا.
زيارتي للمعرض عام 2018 كانت ذكرى عابرة، لم تعلق في ذهني رغم دفئها وقربها إلى قلبي، لم أجد ما كنت أتصوره من أعداد كتب هائلة، ودور نشر متنوعة، وفعاليات تحتفي بالكتاب، كانت في المكتبة الوطنية، وانقضت في ساعتين أو أقل.
أما هذه الزيارة، التي كنت أتوق لها وأترقبها منذ شهرين، فقد فاقت توقعاتي.. للمرة الأولى تعج وسائل التواصل الاجتماعي بعرس ثقافي، وأي عرس؟!
من كان يصدق من السوريين أنه في مكان واحد يمكن أن يلتقي زائر عادي بكاتبه المفضل، ويحظى بتوقيعه على نسخته من أحد الكتب، أو أن يجد نفسه فجأة في محاضرة حية ومباشرة لأحد الدعاة
تجاوزت الصفحات التي تروج للمعرض آلاف المتابعين بعد أن بدأت ببضع عشرات. من كان يتخيل أن يكون الحدث الأبرز، الذي يستقبل وفودا من دول عربية وأجنبية بعد التحرير، هو معرض دمشق الدولي للكتاب؟
آلاف العناوين المرصوصة بنسخها الأنيقة، وألوانها الجاذبة، مئات دور النشر المشاركة التي يستقبلك مشرفوها بابتسامة عريضة، عشرات الفعاليات والفرص المتاحة من دون تمييز.. القليل من الازدحام الممزوج بالعسل والسكر لا يضر. مشاعر سعادة تلمسها في عيون الزائرين، سواء أكانوا قراء أم لم يكونوا، وهذه المشاعر تقرؤها أيضا في عيون الضيوف من المشاركين.
رغم تعدد اللهجات، وفي بعض الأحيان اللغات، فإن الجميع في المعرض يفهم بعضهم بعضا، واللغة المشتركة بينهم هي الغبطة والسعادة، والاهتمام بلون ما من ألوان الأدب الدسمة.
المنظمون الشباب يرشدونك إلى دار النشر التي تنشدها دون تردد، وعمال النظافة أصبح اسمهم المهندسين، تنظر إلى الكتب فتشعر وكأنها هي الأخرى تستقبلك بابتسامة، سواء أكان لها من جيبك نصيب أم لم يكن.
من كان يصدق من السوريين أنه في مكان واحد يمكن أن يلتقي زائر عادي بكاتبه المفضل، ويحظى بتوقيعه على نسخته من أحد الكتب، أو أن يجد نفسه فجأة في محاضرة حية ومباشرة لأحد الدعاة، أو المؤثرين الحقيقيين الذين كان يتابعهم على الشاشات؟
من كان يصدق من السوريين أنه يمكنك في فرصة على غير ميعاد أن تلتقي بوزير ما، وتحدثه عن مشكلتك وكله آذان صاغية، سواء أوجد حلا لها أم لم يجد؟
من كان يصدق من السوريين أن يجتمع في دمشق أناس من مختلف الحضارات، ليستطيع معاينة حضارة ما عن قرب بما تحمله من نكهات وقصائد ورقصات وعادات.
نستطيع أن نغرس قيمة القراءة في الجيل الجديد في عرس ثقافي كهذا العرس، حيث أصبح المعرض حديثا رائجا في الشارع السوري، وربما كان بوابة لكثير من السوريين لأن يكونوا أصدقاء للكتاب
الزائر للمعرض لا تكفيه بضع ساعات ليختبر كل الأشياء، عليه أن يختار؛ فإما أن يجول بين دور النشر ويستطلع معظم العناوين، دون أن يعير اهتماما لما يدور حوله من فعاليات، أو أن يكتفي بزيارة البعض منها، لينتظر دوره في المشاركة بإحدى التجارب، كأن يختبر البودكاست، أو تجربة التقديم الإخباري، وما إلى ذلك من نشاطات.
ما يبهج حقا في المعرض أن الزائرين من مختلف الأعمار، وكثير منهم من الشباب.. لطالما سعيت أن أؤثر بطلابي وأن أحثهم على القراءة، ولكن كنت أؤمن بأنهم لن يستشعروا قيمة القراءة الحقيقية إلا مع ملامسة الورق، والإبحار بين السطور، والسفر مع مختلف أنواع الكتب. نجحت قليلا في أن أقدم لهم هذه التجربة، ولم أنجح في كثير من المرات.
تمنيت للمرة الأولى ألا أكون في حمص، وأن أعيش في دمشق لأكون في القرب، وألا أفوت هذا العرس.
نعم.. نستطيع أن نغرس قيمة القراءة في الجيل الجديد في عرس ثقافي كهذا العرس، حيث أصبح المعرض حديثا رائجا في الشارع السوري، وربما كان بوابة لكثير من السوريين لأن يكونوا أصدقاء للكتاب، لأن يعرفوا قيمة القراءة، لأن ينسوا ما يعيشونه من هموم، وما يعانونه من آلام، ليسرقوا ساعات تعرفهم على عوالم أخرى، لتفتح لهم على الحضارة نوافذ تمنحهم أملا جديدا، وإشراقة منيرة تجعلهم يتصالحون مع المستقبل.
نتمنى أن يكون للكتاب دائما مكان في بيوت السوريين، وألا يكتفوا برصفه على رفوف المكتبات أو في زاوية من الزوايا، بل أن يتصفحوه ويقرؤوه وينتفعوا بعلمه، ليحفزهم على نهضة العقل والروح.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

