واشنطن وطهران: مأزق الاتفاق النووي واحتمالات المواجهة

صورة مولدة بالذكاء الصناعي إيران و أمريكا
الكاتب: الشروط الأمريكية المطروحة وإن صيغت بلغة تقنية وقانونية تحمل مضمونا سياسيا وإستراتيجيا يتجاوز فكرة منع الانتشار النووي (مولدة بالذكاء الاصطناعي - الجزيرة)
  • المفاوضات الأمريكية الإيرانية: انسداد السياسة واقتراب لحظة الانفجار

تسير المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران منذ فترة طويلة في مسار متعرج، يختلط فيه الدبلوماسي بالأمني، والتكتيكي بالإستراتيجي. ورغم تعدد الجولات وتبدل الوسطاء وتغير السياقات الإقليمية، فإن النتيجة تكاد تكون واحدة: تقدم محدود في الشكل، وانسداد عميق في الجوهر.

هذا الواقع يطرح تساؤلا جوهريا حول ما إذا كانت هذه المفاوضات مصممة أصلا للوصول إلى تسوية، أم إنها مجرد أداة لإدارة صراع مؤجل في منطقة لا تحتمل مزيدا من التوتر.

تنطلق المقاربة الأمريكية من تصور أوسع من الملف النووي ذاته؛ فواشنطن لا تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره المشكلة الوحيدة، بل تعتبره جزءا من منظومة نفوذ إقليمي وقدرات ردع تراكمت عبر سنوات من الصراع غير المباشر.

تدخل إيران المفاوضات وهي تضع نصب عينيها هدفا محددا: تخفيف الضغوط الاقتصادية دون التفريط بأدوات الردع التي تعتبرها خط الدفاع الأخير

لهذا، فإن الشروط الأمريكية المطروحة، وإن صيغت بلغة تقنية وقانونية، تحمل مضمونا سياسيا وإستراتيجيا يتجاوز فكرة منع الانتشار النووي إلى محاولة إعادة ضبط الدور الإيراني في المنطقة. ومن هذا المنطلق، تبدو المفاوضات أقرب إلى محاولة فرض معادلة جديدة للقوة، لا إلى عقد تسوية متوازنة.

في المقابل، تتعامل إيران مع هذه المفاوضات من زاوية مختلفة تماما؛ فهي ترى أن أي تنازل يتجاوز الإطار النووي سيمس جوهر أمنها القومي، ويفتح الباب أمام مطالب لا تنتهي. كما أن التجربة السابقة، خصوصا بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، رسخت لدى صناع القرار في طهران قناعة بأن الضمانات الغربية مؤقتة، ويمكن التراجع عنها مع تغير الإدارات والظروف السياسية الداخلية في الولايات المتحدة.

لذلك، تدخل إيران المفاوضات وهي تضع نصب عينيها هدفا محددا: تخفيف الضغوط الاقتصادية دون التفريط بأدوات الردع التي تعتبرها خط الدفاع الأخير.

إعلان

هذا التباين في الرؤى يحيل المفاوضات إلى عملية بلا أرضية مشتركة؛ فالولايات المتحدة تطالب بتغييرات بنيوية، وإيران تعرض تنازلات محدودة ومشروطة.

وبين هذين السقفين، لا توجد مساحة كافية لبناء حل وسط مستدام. وبدل أن تكون طاولة المفاوضات ساحة لإنتاج حلول، تتحول إلى مكان لكسب الوقت وكسب النقاط وتبادل الرسائل السياسية.

في ظل هذا الانسداد، لا يمكن قراءة المشهد الإقليمي بمعزل عن ديناميكيات التصعيد غير المباشر. فغياب الاتفاق لا يعني تجميد الصراع، بل يدفع الأطراف إلى تفعيل أدوات ضغط بديلة: تحركات عسكرية محسوبة، ورسائل أمنية عبر ساحات إقليمية، واستخدام أطراف حليفة لرفع الكلفة دون الوصول إلى مواجهة شاملة.

هذه الإستراتيجية، وإن بدت عقلانية على المدى القصير، تحمل مخاطر كبيرة على المدى المتوسط، لأنها تقوم على افتراض إمكانية التحكم الدائم بمستوى التصعيد.

يمكن استنتاج أن المنطقة تتجه نحو انفجار، لا بسبب قرار واحد أو رغبة معلنة في الحرب، بل نتيجة مسار طويل من انسداد السياسة وسوء تقدير المخاطر

المشكلة أن المنطقة التي يدور فيها هذا الصراع تمثل بيئة شديدة الهشاشة، تعج بنزاعات مفتوحة، واستقطابات حادة، وأطراف إقليمية ترى في أي صدام فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى.

في مثل هذا السياق، يصبح الخطأ الصغير ذا أثر مضاعف، وقد تتحول حادثة محدودة أو تقدير خاطئ إلى شرارة مواجهة أوسع، دون أن يكون ذلك قرارا واعيا من أي من الطرفين الرئيسيين.

من هنا، يمكن القول إن استمرار المفاوضات بالشروط الحالية لا يقلل من احتمالات النزاع، بل يؤجلها مع رفع منسوب المخاطر. فحين تنسد القنوات السياسية، يصبح التصعيد خيارا افتراضيا، لا لأنه مرغوب فيه، بل لأنه الأداة المتبقية في معادلة فقدت توازنها الدبلوماسي. ومع تراكم الضغوط وغياب أفق التسوية، يتحول النزاع من احتمال نظري إلى مسألة توقيت وسيناريو.

من هنا، يمكن استنتاج أن المنطقة تتجه نحو انفجار، لا بسبب قرار واحد أو رغبة معلنة في الحرب، بل نتيجة مسار طويل من انسداد السياسة وسوء تقدير المخاطر.

وإذا لم تكن هناك إعادة لصياغة شروط التفاوض على أسس أكثر واقعية، فإن المفاوضات ستبقى تدور في حلقة مفرغة، فيما تقترب المنطقة تدريجيا من لحظة اختبار قد تكون كلفتها أعلى بكثير من أي تنازل كان ممكنا على طاولة الحوار.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان