في ظل وجود حاملتي الطائرات الأمريكيتين "جيرالد فورد" و"أبراهام لينكولن" في المنطقة، أعاد قائد المنطقة الأولى في القوة البحرية للحرس الثوري الإيراني، العميد عباس غلامشاهي، تذكير الداخل والخارج بعمليات "حرب الناقلات الخليجية" في ثمانينيات القرن الماضي.
تأتي هذه الاستعادة التاريخية كرسالة ردع واضحة بأن طهران لن تفاوض منكسرة، بل ستجلس إلى الطاولة وهي تستحضر تاريخ مواجهاتها المباشرة مع واشنطن، مؤكدة جاهزيتها لتكرار تلك السيناريوهات.
ومع ذلك، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة القيود الراهنة التي تحكم وتكبل مناورة إيران السياسية والعسكرية في هذا الصراع الراهن.
الحقيقة المرة التي تفرض نفسها اليوم هي أن أي تعطل سيادي أو فني في حقل "بارس الجنوبي" كفيل بإظلام 70% من منازل ومصانع إيران
أمن الطاقة يقوض خيارات إيران الإستراتيجية
نشرت منصة "ساعد نيوز" الجامعية، والمقربة من مكتب المرشد الإيراني، تقريرا يوم الأحد 15 فبراير/شباط 2026، تضمن انتقادات حادة وجهها الدكتور مسعود نيلي، المستشار الاقتصادي السابق للحكومتين الحادية عشرة والثانية عشرة، للهيكل غير المتوازن لسلة الطاقة الإيرانية، محذرا من ضعف إستراتيجي بات يهدد كينونة البلاد.
حيث يرى نيلي أن الاعتماد المفرط على الغاز، وتحديدا من مصدر إنتاج واحد، يمثل مخاطرة كبرى لدولة تخوض غمار تحديات خارجية جسيمة، وتواجه أزمات متصاعدة في سياستها الدولية.
وبالأخذ في الاعتبار أن الغاز يشكل نحو 70% من سلة الطاقة الوطنية في إيران، مقارنة بمتوسط عالمي لا يتجاوز 25%، يبرز خلل بنيوي ناتج عن تقسيم حاد للأدوار في الاقتصاد الإيراني، إذ يخصص النفط للتصدير، بينما يرهن الغاز للاستهلاك المحلي بالكامل تقريبا.
وتكمن الرهبة الإستراتيجية هنا في أن هذه التبعية المطلقة تعتمد بنسبة تتجاوز 85% على منطقة "بارس الجنوبي" وحدها، ما يعني أن إيران، التي تفتخر بامتلاكها ثاني أكبر احتياطي غاز في العالم، تعاني في الواقع من فقر حاد في التنوع الجغرافي لمصادر الإنتاج، وهو ما يجعل مصير إمداد السوق المحلي والحياة اليومية مرتبطا بحقل واحد لا بديل له.
من ناحية أخرى، يتجلى هذا الخلل في تركز مخيف للقيمة المضافة الصناعية؛ حيث تنتج عشرة مصانع كبرى فقط خُمس القيمة المضافة للصناعة الإيرانية بأكملها.
هذا التركز لم يغير فقط هوية اللاعبين الاقتصاديين، بل عكس تحولا بنيويا في الاقتصاد؛ حيث تصدرت شركات المواد الأولية مثل "فولاد مباركة" للصلب المشهد على حساب شركات الصناعات التقنية مثل "إيران خودرو" للسيارات.
هذا الهروب نحو الصناعات السلعية الخام (كالصلب والبتروكيماويات) يعكس رغبة في التكيف مع العقوبات بمنتجات أسهل في الإنتاج والبيع الخام، لكنه يؤدي في المقابل إلى ضمور الصناعات المعقدة وتراجع قطاع قطع الغيار، الذي يمثل عصب الاقتصاد المتطور.
ولا شك أن هذه البنية التحتية والمؤشرات الاقتصادية ترسل في مجملها إشارات ضعف واضحة للأطراف الخارجية، وتكشف للمراقبين مدى محدودية قدرة إيران على المناورة في حال تعرضت منشآتها الحيوية لأي استهداف أمريكي أو تقني.
فالحقيقة المرة التي تفرض نفسها اليوم هي أن أي تعطل سيادي أو فني في حقل "بارس الجنوبي" كفيل بإظلام 70% من منازل ومصانع إيران، وبالتالي جعل أمن الطاقة القيد الأقوى الذي يكبل خيارات طهران السياسية والعسكرية في لحظات الحسم.
الدعوات الإيرانية لإغلاق السفارة الأوكرانية وطرد طاقمها، ووصف تصريحات زيلينسكي بأنها "أشد حدة من التهديدات الإسرائيلية"، يعكس رغبة في تعبئة الرأي العام الداخلي، وتصوير أوكرانيا كخطر قومي
بين كماشة كييف والضغوط الأمريكية
أثار اللقاء الذي جمع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بنجل الشاه رضا بهلوي، على هامش مؤتمر ميونخ للأمن، موجة واسعة من الجدل؛ إذ لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل حمل في طياته رسائل سياسية حادة وجهتها كييف إلى طهران.
فمن خلال المطالبة بتشديد العقوبات، والتلويح بورقة المعارضة، سعى زيلينسكي للضغط على القيادة الإيرانية وإحراجها دوليا، ردا على ما وصفه بالدور الإيراني المباشر في الحرب الأوكرانية عبر تزويد روسيا بمسيرات "شاهد".
هذا التحرك الأوكراني يُقرأ كجزء من عملية إعادة توزيع أدوار دولية، تهدف إلى إفهام طهران بأن ثمن استمرار تحالفها العسكري مع موسكو لن يقتصر على التبعات الاقتصادية فحسب، بل قد يمتد ليطول توازنات استقرارها الداخلي مجددا.
كما يبدو من تزامن هذا التصعيد مع التحركات العسكرية الأمريكية الأخيرة، ولا سيما إرسال حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد فورد" لتنضم إلى "أبراهام لينكولن"، أننا أمام تكتيك "الكماشة".
فبينما يعمل الخطاب السياسي الأوكراني والدانماركي على نزع الشرعية عن النظام الإيراني (أدانت رئيسة الوزراء الدانماركية دعم إيران لروسيا لمواصلة الحرب في أوكرانيا)، ووضعه في خانة واحدة مع كوريا الشمالية، لتمهيد الطريق لعقوبات عابرة للقارات، توفر الحشود الأمريكية غطاء عسكريا يمنع طهران من القيام بأي رد فعل مغامر تجاه هذه الاستفزازات.
هذا الترابط بين التهديد العسكري والتطويق الدبلوماسي يضع إيران في وضع جيوسياسي معقد، يقلص من قدرتها على المناورة خارج إطار الضغوط الدولية المفروضة.
في المقابل، عكست ردود فعل الخبراء في طهران، وفي مقدمتهم المحلل الأمني روح الله مدبر، حالة من الغضب الشديد، إذ وصفت مواقف كييف بأنها بلغت مرحلة العداء المباشر.
فالدعوات الإيرانية لإغلاق السفارة الأوكرانية وطرد طاقمها، ووصف تصريحات زيلينسكي بأنها "أشد حدة من التهديدات الإسرائيلية"، يعكس رغبة في تعبئة الرأي العام الداخلي، وتصوير أوكرانيا كخطر قومي يستوجب الرد. هذا التصعيد الكلامي المتبادل يشير إلى أن العلاقات بين البلدين وصلت إلى طريق مسدود.
وعليه، تجد إيران نفسها اليوم عند مرحلة حافة الهاوية، حيث تضيق أمامها الخيارات، وتشتد الضغوط، قبل جولة الحسم في مفاوضات جنيف المقررة في 17 فبراير/شباط؛ فهي الآن بين فكي كماشة، فإما أن تستمر في نهجها الحالي وتتحمل التبعات العسكرية والسياسية القاسية لهذا الصدام، أو أن تبحث عن صفقة كبرى مع إدارة ترامب.
ومع ذلك، يبرز طوق نجاة صيني بعدما كشف موقع "والا" العبري أن إيران تسلمت عددا من الصواريخ الصينية الفرط-صوتية دانغ فنغ (DF-17)، وهو الطراز الذي تصفه التقارير العسكرية بأنه قاتل حاملات الطائرات، ما يشي بأن إيران حصلت على سلاح يمكنه تجاوز الدفاعات الصاروخية لحاملات الطائرات "جيرالد فورد" و"أبراهام لينكولن".
النظام يسعى، من خلال هذا المشهد الرمزي، إلى إعادة تصوير الصراع على أنه مواجهة بين نظام أخلاقي ومنظومة منحلة، ما يرفع كلفة أي تعاطف داخلي مع الضغوط الغربية
المراهنة الإيرانية على ظهير الشارع
تزامنت الذكرى الـ47 لانتصار الثورة الإسلامية في 11 فبراير/شباط 1979 مع لحظة إستراتيجية فارقة في مسار المفاوضات الإيرانية الأمريكية.
فالمشاركة المليونية، التي قُدرت بنحو 26 مليون إيراني وفقا لوكالة أنباء فارس، ليست مجرد طقس احتفالي اعتيادي، بل هو تحريك محسوب لتأمين ظهر المفاوض الإيراني في الجولة الثانية بتاريخ 17 فبراير/شباط، وإرسال رسالة حاسمة إلى واشنطن أن الرهان على تصدع الداخل الإيراني قد سقط، وأن الشارع بات ظهير الدولة المباشر.
أما المشهد الدراماتيكي الذي شهده يوم ذكرى انتصار الثورة، الأربعاء 11 فبراير/شباط، والمتمثل في إضرام النيران في مجسم المعبود الشيطاني "بعل"، الذي ورد ذكره في تسريبات جيفري إبستين في ميدان "انقلاب" بطهران، فلا يمكن قراءته بوصفه فعلا احتجاجيا تقليديا، بل كهجوم أخلاقي مضاد، يستهدف تحصين الجبهة القومية في مواجهة النموذج الغربي.
فالنظام يسعى، من خلال هذا المشهد الرمزي، إلى إعادة تصوير الصراع على أنه مواجهة بين نظام أخلاقي ومنظومة منحلة، ما يرفع كلفة أي تعاطف داخلي مع الضغوط الغربية، بل ويجعل أي احتجاج مستقبلي ضد الدولة انحيازا ضمنيا إلى منظومة إبستين مع ما تحمله من دلالات مقززة أخلاقيا.
ومع ذلك لا يمكن قراءة هذا المشهد بمعزل عن لقاء نتنياهو وترمب، والكلام عن تنامي الترسانة الصاروخية الإيرانية، ولا عن تصريحات ترمب لموقع أكسيوس يوم الثلاثاء 10 فبراير/شباط، التي تحدث فيها عن إرسال مجموعة إضافية من حاملات الطائرات الضاربة إلى المنطقة؛ بهدف تحذير طهران بأن الرصاصة الأولى جاهزة (أي السيناريو الأول كما جاء في مقالة "مفاوضات مسقط بين منطق الصراع وحدود التسوية")، ما لم يتم القبول باتفاق جزئي يلبي طموح ترمب، ويُسكت اعتراضات نتنياهو (السيناريو الثاني).
إذا كانت واشنطن تهدد بحرق حقول الغاز، فإن طهران تلوح برفع كلفة أي مغامرة بحرية، وتحويل ميزان الردع من تفوق أحادي إلى معادلة مخاطر متبادلة
بينما تلوح إيران بزناد الردع وتاريخ المواجهات البحرية، فإن القيود الاقتصادية والهيكلية في الداخل ترسم حدودا ضيقة لمناورتها.
ومن هنا، يمكن فهم توجه المنصات المقربة من مكتب المرشد الأعلى الإيراني نحو تسليط الضوء على الأزمات الاقتصادية وانتقادها بحدة؛ فهي محاولة لوضع حلول إستراتيجية عاجلة وتدارك الثغرات الطاقوية، قبل التورط في أزمة اقتصادية جديدة قد تكبل قدرة البلاد على الردع الفعلي.
ولا شك أن هذه التعقيدات المتشابكة تجعل الجولة الثانية للمفاوضات النووية في جنيف، بتاريخ 17 فبراير/شباط 2026، أكثر من مجرد جولة دبلوماسية تقليدية، فهي ضرورة إستراتيجية لتجنب الانفجار الكبير؛ ذلك الانفجار الذي قد تبدأ شرارته من بوارج البحر، لكن نتائجه الكارثية ستُحسم داخل حقول الغاز وأروقة المصانع في العمق الإيراني.
ولا ننسى أن دخول الصاروخ الصيني الفرط-صوتي (DF-17) على خط المواجهة ليس مجرد طوق نجاة لإيران، بل هو رافعة تفاوضية قوية، تمنح طهران ورقة ضغط حقيقية؛ فإذا كانت واشنطن تهدد بحرق حقول الغاز، فإن طهران تلوح برفع كلفة أي مغامرة بحرية، وتحويل ميزان الردع من تفوق أحادي إلى معادلة مخاطر متبادلة.
ولعل هذا التهديد النوعي هو ما يفسر استعجال البنتاغون في إرسال حاملة الطائرات جيرالد فورد، لتعزيز أوراق الضغط قبل حسم المسار التفاوضي؛ إما باتفاق جزئي بشروط مشددة، أو تصعيد محسوب قد يخرج عن السيطرة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
