- هلال رمضان.. رحلة الصائم نحو الذات
يرقب المسلمون هلال أعظم الشهور عند الله، وهو الذي يتنزل فيه الروح والملائكة البررة، محملين بالرضا والسكينة لأولئك الذين اقترن ظاهر أعمالهم بحسن سرائرهم ونيات مقاصدهم.
ولعل التفكير في خير الشهور لا يحتاج إلى عناء؛ إذ تسرد آيات القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة عن خير الأنام، فضل الامتناع عن الأكل والطعام، وتجافي جنوب المؤمنين عن المضاجع للقيام، وكثير الجزاء الذي جعله المولى خاصا به؛ فلا كلمات تجمعه، ولا حروف قيدت معانيه؛ فالصوم لله، وهو يجزي به.
ونحن إذ نطالع شهرا تذرو روائحه الخير، وتبشر طلائعه الناس بالرحمة والتضامن والمودة، فإننا نرجو أن «نهاجر نحو ذواتنا» المنفية لاستعادتها، واعين بماهية الإمساك وكونه فعلا روحيا قبل أن يكون انقياد الجوارح للامتناع عن الطعام.
وهذا المقال ما هو إلا بذر في بستان الرضا، تجري أنهار كلماته سقيا للسائلين الذين ينظرون الجنان، ويرجون فتح باب الريان؛ إذ تقارب فلسفة الإمساك لا طقوسا، بل تأملا روحيا ونهجا خلاصيا لمعنى الصيام. ونحن قبيل ضيافة شهر رمضان لا نطالع الأهلة وموازينها بقدر ما نتساءل عن «جوهر الخصوصية» التي يمنحها رمضان لنا.
الهجرة نحو معرفة الذات، وامتحانها، وترويضها على الجمال الذي يسع الكون، رحلة عنوانها: أيام معدودات
في معنى الصوم
في العبادة، ثمة خصائص عدة متعلقة بفعل الإنسان، واقترانها بنية معينة لا يحولها إلى طقس ما لم تنزح عن جوهر تشريعها. والصوم من تلك العبادات التي لا يمكن للمرء أن يعانق نتائجها الإيجابية ما لم يدرك ماهية إمساك النفس عن رغباتها، ولجمها عن لذات الحياة المتسارعة.
إن قول السيدة مريم عليها السلام لقومها: ﴿إني نذرت للرحمن صوما﴾، كان في سياق مقاربٍ لماهية التكليف المنوط بشهر رمضان؛ إذ إنها أمسكت عن الخوض والجدال مع بني إسرائيل امتثالا لأمر المولى، حيث يكون الصمت معنى لترك ما لا يرجى منه النفع، وما يدفع ضرره بالصيام. وقد رسخت ذلك آية زكريا ألا يكلم الناس ثلاث ليالٍ سويا.
قد نحتاج إلى فهم واسع لمعنى الصمت، كونه تعبيرا فصيحا عن مقصد الصيام، وتصريحا برغبة الترك والتنزه عما يشوب النفس البشرية قبل أن تتصادم الجوارح بشهوة الطلب. وهذا الأمر لا يتوقف على الإمساك عن الكلام ومخالطة الناس فحسب، بل يمتد ليطول عالم الأشياء التي نتصارع عليها، تلك التي تعبر عن شوقنا وتمسكنا وهامشيتنا.
ربما يسعنا الصمت لفهم العالم، لكن أن ننظر إلى دواخلنا فذلك مكمن شهر الله العظيم، حيث تتجلى فلسفة الصيام الحقيقية في الإمساك عن اللغط والثرثرة وما يشوب النفس البشرية؛ فمن لم يترك قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. والهجرة نحو معرفة الذات، وامتحانها، وترويضها على الجمال الذي يسع الكون، رحلة عنوانها: أيام معدودات.
لا يشكل شهر رمضان، وهو ذروة عبادة الصيام، صنما تجثو له الأجناس، ولا صورة مختزلة تجتمع حول تعريفها الإنسانية؛ إنه باب نحو ملجئنا الأخير
عن قابليتنا للتغيير
يتطلب فتح باب التغيير رغبة حقيقية منا، نحن الذين نرابط على تخوم الطاعة والإذعان من غير أن ندرك أن ثمة حقوقا مستلبة، وأحلاما موؤودة، وأناسا منفيين. كيف لا، ونحن نلتزم الصراخ في وجه ألد أعداء الإنسانية والحرية والعدالة؟
ومع أننا نحسن لعب أدوار الحياة كلها، فإننا نفشل عندما يتعلق الأمر بذواتنا؛ إذ نعي جيدا أننا ضعفاء أمام حلم التغيير، فنحن لا نملك القابلية الصرفة التي تمكننا من الهجرة نحو عالم تأخذ فيه النفس البشرية صورتها المتكاملة مع عالم الأشياء، من دون الحاجة إلى فرض وصاية أو استغلال أو إشعال حروب عبثية.
إننا نتساءل عن علاقة قابلية التغيير برصد هلال رمضان، أو بالأحرى: ما الذي يمنحه الشهر الفضيل للذات؟ أيمكنها من فتح صراعات متعددة مع الآخر، أم يعيد لها توازنها مع العالم أجمع؟ لا يمكن الجزم بإمكانية هجرة الكثيرين من أماكنهم التي استلبوا فيها وظلموا نحو عالم تسكن فيه ذواتهم السكينة والطمأنينة والرضا. تلك الهجرة الداخلية تمهد طريقا، على وعورته، لأولئك الذين اختاروا أن يكونوا غير مقلدين ولا مهمشين، بل فاعلين في الحياة الأبدية، حيث يذكر اسمهم في صحائف الصديقين والشهداء.
لا يشكل شهر رمضان، وهو ذروة عبادة الصيام، صنما تجثو له الأجناس، ولا صورة مختزلة تجتمع حول تعريفها الإنسانية؛ إنه باب نحو ملجئنا الأخير، حيث أنهار الحرية والكرامة تسري لتروي من قست عليهم الحياة بصنوف العذاب.
هو ليس امتحانا بقدر ما يمنحنا الفرصة الذهبية للإجابة عن سؤال التغيير وفهم ذواتنا حين نستمع إليها؛ فالتغيير ليس منظومة من المعارف ولا أرقاما ولا شبكات يمكننا إزاحتها فحسب، إنه مرتبط بقابليتنا ورغباتنا الملحة لكسب المعارك بدل البحث عن حلول علاجية نهائية لأزماتنا المتكررة. ولعل رمضان مفتاح ما أغلقت أبوابه السرديات المضللة والسياسات الاستغلالية.
شهر رمضان يعد فصلا مهما من دورة حياة الإنسان؛ ذاك الذي كلف بالصوم على مخالطة الشر والإمساك عن الطعام والشراب، إذ إنه يحرك في ذواتنا تساؤلات حرجة عن كينونتنا واعتصامنا في أماكن مكتظة بالمتشابه والهامشي
رمضان لا يصنع القداسة
حين يقترن هلال رمضان بواجب التكليف المنصوص عليه شرعا، تتأتى العبادة في أبهى صورها وأنقى تمثيلاتها؛ إذ إنها تخالط النفس بأسمى عبارات التخلي، لتجسد معاني وافرة لحياة تحفها السكينة والرضا.
غير أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليوم قد استحوذت عليها عادات ساهمت في تعزيز طقوس خارج نسقها الحضاري؛ بل إن ممارسات استهلاكية أبانت عن تورطنا، نحن جميعا، في هوس المادية وابتعادنا عن جوهر الشهر الفضيل، حيث يعيد رمضان صياغة العدالة والكرامة والتضامن والحرية في جوانبها الإنسانية، ليمنحها خلاصا نهائيا من تلك التفسيرات الاختزالية التي تحصرها في شعائر طقوسية موسمية تزول بمجرد أفول الشهر الفضيل.
ربما نشاهد الأسواق ممتلئة عن آخرها، والمشاة يزاحمون العربات والسيارات في الطرقات لاقتناء سلع هي في الأساس لحظية الاستهلاك، لكننا لا نريد أن نسأل أنفسنا عن سبب ارتمائنا في هوس التسوق الذي يقتل في ذواتنا جمالية اللحظة، ويعيقنا عن فهم أعمق لفلسفة الصيام.
وهذا الأمر ليس سلبيا بالمطلق، لكنه ينبغي أن يقترن بالقدر الكافي لحاجات الإنسان، لا برغبة متقلبة وصور تستلب العبادة من جوهرها، لتجعل منها طقسا موسميا ترسمه ملامح حضارة استهلاكية.
إن شهر رمضان يعد فصلا مهما من دورة حياة الإنسان؛ ذاك الذي كلف بالصوم على مخالطة الشر والإمساك عن الطعام والشراب، إذ إنه يحرك في ذواتنا تساؤلات حرجة عن كينونتنا واعتصامنا في أماكن مكتظة بالمتشابه والهامشي.
ومثلما أُخفيت فيه أعظم الليالي، كان لزاما أن نعي قيمة السعي نحو الخلاص بوصفه تحرير الإنسان من سلاسل العبودية التي تتوارى خلف هوس الاستهلاك، لا شغف الحياة الآخرة.
علينا أن ندرك أن بداية التغيير قد تنتهي في داخلنا، نحن الذين آثرنا الإذعان لرغباتنا وشهواتنا، ورمضان ليس موسما، بل امتحانا تتجرد فيه ذواتنا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

