(اليوم الأول)
في الماضي أخبرونا أن الصحافة هي مهنة "البحث عن المتاعب"، لكن هؤلاء ربما لم يتوقعوا أن المتاعب في عهد رئيس مثل دونالد ترمب ستأتينا هي بنفسها.
دعوني أصارحكم من البداية أن هذه تدوينة مختلفة، فإذا كنتم قد اعتدتم من الصحفي أن يقدم خبرا أو معلومة أو تحليلا، فهو هذه المرة يأتيكم لائذا يريد أن يبث إليكم بعض همومه، ويشاطركم جانبا مما أصابه.
منذ درست العلوم السياسية وبدأت العمل بالصحافة، كانت الولايات المتحدة محل الاهتمام الأبرز لمن يتابع أخبار العالم، بحكم أنها القوة العظمى الوحيدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية عام 1991.
بالنسبة لنا كصحفيين عرب، فإن ترمب ليس مجرد رئيس لدولة أجنبية، بل ظاهرة يومية تفرض نفسها على شاشة الأخبار دون استئذان
من غرف الأخبار في وسائل إعلام مختلفة، تابعت جورج بوش الأب، ثم بيل كلينتون، ثم بوش الابن، ثم باراك أوباما، الذي انتهت ولايته الثانية في بداية 2017.
أما الرؤساء السابقون على هؤلاء فلم أتابعهم مباشرة، لكنني قرأت عنهم كثيرا بحكم الدراسة والعمل، ابتداء من رونالد ريغان وسابقيه، من الأحدث إلى الأقدم: جيمي كارتر، وجيرالد فورد، وريتشارد نيكسون، وليندون جونسون، وجون كينيدي، ودوايت أيزنهاور، وهاري ترومان.
كل هؤلاء كان يسهل ملاحقتهم صحفيا، فالظهور الإعلامي نادر ومنضبط، والمواقف متوقعة غالبا، والعمل أغلبه تقوم به المؤسسات الرسمية المتخصصة، التي تخرج عنها في النهاية بيانات يتعامل معها الصحفيون وينقلونها للناس.
لا مثيل له
أما ترمب، فربما لم يسبق له مثيل، أربك العالم في فترته الأولى، قبل أن يزيحه جو بايدن، ثم عاد في أوائل 2025 في ولاية ثانية، سرعان ما أظهر فيها أن جعبته ما زالت حافلة بعوامل الإرباك وبواعث الدهشة.
ولكي تدرك حجم المعضلة التي وقعنا فيها، معشر الصحفيين، دعني أذكرك عزيزي القارئ أن هذا ليس شخصا أو حتى رئيسا عاديا، فهو يقود أقوى دولة في العالم دون منازع، وقراراته تؤثر في العالم بأسره، ليس فقط في مجال السياسة، بل أيضا في الاقتصاد والاجتماع، وإن شئت قل معظم مجالات الحياة.
بالنسبة لنا كصحفيين عرب، فإن ترمب ليس مجرد رئيس لدولة أجنبية، بل ظاهرة يومية تفرض نفسها على شاشة الأخبار دون استئذان، ونحن لا نغطي تصريحاته ومواقفه بوصفها شأنا أمريكيا داخليا فحسب، بل لأن كل جملة يقولها يمكن أن تحمل ارتدادات مباشرة على منطقتنا، من القدس إلى طهران، ومن أسعار النفط إلى قضايا الهجرة.
ولذلك لم يكن سهلا أن نضطر إلى متابعة رئيس يباغتنا في أوقات كثيرة بتصريحات مربكة ومواقف متقلبة، ناهيك عن عدم تورعه عن الإساءة للصحافة والصحفيين الذين يخالفونه الرأي، فهذه شبكة إخبارية كاذبة، وتلك صاحبة أخبار مزيفة، وهذا صحفي مغرض، وهكذا.
ربما يكون السبب هو سحر المال والشهرة، باعتباره كان من أبرز رجال الأعمال قبل أن يتحول إلى السياسة
يخرج علينا بمواقف تضع دولا في خانة الصديق، وفي اليوم التالي ينقلها إلى خانة العدو، ولا بأس أن يعيدها مجددا لتصبح صديقا.
يفاجئك بقرارات غير متوقعة، بشكل يجعلك تتردد ألف مرة قبل أن تفكر في تقديم أي تحليل للأحداث الراهنة، ناهيك عن التنبؤ بالمستقبل.
هذا ما سأتحدث عنه بالتفصيل في مدونات قادمة تحت العنوان نفسه، لكن ربما يكون من الإنصاف، أو على الأقل من باب التوازن، أن نختم هذه الاستهلالة بالإشارة إلى أن هذا الرئيس المربك يمتلك أيضا الكثير من عوامل الجاذبية، كما تقول المؤشرات على أرض الواقع.
كاريزما ترمب
فالرجل "البرتقالي" لديه الكثير من عوامل الكاريزما والجاذبية التي تروق للكثيرين، وربما كانت سببا رئيسيا في انتخابه مرتين لرئاسة أكبر دولة في العالم.
ربما يكون السبب هو سحر المال والشهرة، باعتباره كان من أبرز رجال الأعمال قبل أن يتحول إلى السياسة.
وربما يكون الأمر مرتبطا بالشكل المختلف للرجل البرتقالي، وكذلك نبرة الصوت، فضلا عن مهارة الاستعراض التي يملكها، فتراه يرقص في مراسم استقباله بماليزيا، أو يوبخ رئيسا ضيفا، أو يغازل مراسلة صحفية.
وربما تكون الجرأة التي يتحلى بها، والمفردات التي يستخدمها، سواء في عبارات المديح القليلة أو عبارات الذم الكثيرة التي تصدر عنه.
وربما تكون خطاباته الجذابة التي تجمع خليطا من الخشونة والعشوائية، وحتى الفكاهة.
في كل الأحوال، هو يؤمن بأنه حالة منفردة، ولعله أظهر قدرة على نقل هذا الإيمان إلى الكثيرين، سواء من أحبوه أو حتى من أبغضوه.
هو رمز مرحلة لا شك، ومؤثر دون جدال، وفي ظني أننا، معشر الصحفيين، كنا بين الأكثر تضررا من النمط الذي فرضه هذا الرجل عبر مستويات عديدة، لكن أرجو أن تنتظرني، عزيزي القارئ، في الحلقات المقبلة من هذه السلسلة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

