مقتل سيف الإسلام القذافي لا يمكن قراءته كحدث أمني معزول، ولا كمجرد حلقة أخرى في مسلسل الاغتيالات السياسية الطويل الذي عرفته ليبيا. القضية لا تبدأ عند لحظة مقتله، ولا تنتهي عند أسماء المستفيدين من تغييبه.
لا يهدف هذا المقال إلى الخوض في الأسئلة المستهلكة على غرار: من قتله؟ ولماذا؟ وكيف؟ فهذه قد تجيب عنها نتائج التحقيقات، هذا إن كشف عنها أصلا.
كذلك، لا أريد إعادة تكرار سردية الاغتيالات السياسية وتصفية الخصوم وإقصاء المنافسين؛ فما يهمني هو زاوية أكثر ظلمة، وهي استخدام اغتيال المطلوبين للعدالة كوسيلة لطمس الحقيقة، وإفشال محاسبة المسؤولين الحقيقيين عن الجرائم.
بصرف النظر عن وزن سيف الإسلام في المشهد السياسي، وعن كونه ورث أنصارا ومريدين عن والده الراحل معمر القذافي، وبغض النظر عن ثقل ترشحه لانتخابات رئاسية لم تجرَ أصلا، يبقى أحد المطلوبين للعدالة الدولية منذ عام 2011، والاتهامات الموجهة له، سواء اتفقنا أو اختلفنا في تفاصيلها، لا تسقط بالتقادم ولا بالتقاتل أيضا.
كثيرون، بمن فيهم مؤيدوه قبل خصومه، كانوا يريدون رؤيته في قفص الاتهام، لا ليدان بالضرورة، بل ربما ليخرج بريئا، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته.
مرة أخرى، سبق رصاص الاغتيال حكم القاضي، واختفت معه أسئلة كان يجب أن تطرح: من أعطاهم الأوامر بتنفيذ هذه الجرائم؟ من دعمهم بالمال والسلاح؟ من وفر لهم الغطاء السياسي؟
سيف الإسلام ليس الحالة الأولى؛ فقبله جرت تصفية أكثر من مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية في ليبيا، دون الحديث عن عدد لا يستطيع أحد حصره من المطلوبين للمحاكم المحلية، الذين أغلقت ملفاتهم باستخراج شهادات وفاة بدل صحيفة الاتهام.
لعل أبرز هؤلاء القيادي في القوات الخاصة (الصاعقة) التابعة لخليفة حفتر، محمود الورفلي، الذي قتل عام 2021 على يد مسلحين مجهولين وسط بنغازي.
الورفلي كان مسؤولا عن سلسلة جرائم، من بينها القتل خارج إطار القانون لأسرى ومعارضين خلال ما سمي بعملية الكرامة، واشتهر بفيديوهات تصفياته الجماعية الصادمة، الموثقة والمنشورة بالصوت والصورة. هذه المواد وحدها كانت كافية لإصدار مذكرة اعتقال بحقه من المحكمة الجنائية الدولية.
ومع ذلك، وبعد مدة ليست بالطويلة على إصدار مذكرة الاعتقال بحقه، تمت تصفيته في وضح النهار، وأغلقت قضيته قبل أن تبدأ المحاكمة أصلا. لم تجرَ أي تحقيقات في عملية مقتله، ولم يكشف عن أي معلومات، وسجلت القضية ضد مجهول كغيرها.
في المقابل، ترك مئات الضحايا ينتظرون العدالة والإنصاف، وهم ينظرون إلى من هم أعلى في سلسلة القيادة، متسائلين: لماذا توقف الحساب عنده؟ ولماذا لم يصعد درجة واحدة إلى من أعطاه الأوامر، أو حتى إلى رأس الهرم في التسلسل القيادي؟
الأمر ذاته تكرر مع زعيم مليشيا الكانيات، محمد خليفة الكاني، الذي قتل في السنة نفسها (عام 2021) في مدينة بنغازي، أثناء اشتباك مع مجموعات مسلحة تابعة لخليفة حفتر.
الكاني كان مطلوبا للمحكمة الجنائية الدولية، وكان أحد أبرز المتهمين بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها الإخفاء القسري والتعذيب والقتل، وارتكاب جرائم المقابر الجماعية المروعة. وهي من أبشع الجرائم التي عرفتها ليبيا بعد 2011.
وقبله بسنة واحدة، قتل شقيقه محسن الكاني، القيادي الآخر في الكانيات، عام 2019 في بنغازي، خلال اشتباك مع مجموعات مسلحة تابعة لحفتر أيضا. محسن هو الآخر كان مطلوبا للمحكمة، وقد قتل معه شقيقه عبد العظيم الكاني.
مرة أخرى، سبق رصاص الاغتيال حكم القاضي، واختفت معه أسئلة كان يجب أن تطرح: من أعطاهم الأوامر بتنفيذ هذه الجرائم؟ من دعمهم بالمال والسلاح؟ من وفر لهم الغطاء السياسي؟ ومن التالي في سلسلة القيادة الذي كان يجب أن يتحمل المسؤولية؟ بموتهم، دفنت الإجابات، واغتيل معها مسار أساسي للمحاسبة، وفرصة حقيقية للعدالة والإنصاف للضحايا.
تظل ثقافة الإفلات من العقاب واقعا معيشا، ويصبح التخلص من المطلوبين إحدى الأدوات الفعالة لاستدامة هذا الواقع، وتترك العدالة الدولية بملفات مغلقة ومتهمين تحت التراب
بناء على هذه الحالات، ندرك جليا أن التخلص من المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية لم يعد استثناء، بل صار نمطا متكررا. صارت التصفية الجسدية للمطلوبين أسهل من تسليمهم إلى المحاكم، والقتل هنا صار وسيلة لتفادي الملاحقة القضائية، ومخرجا مريحا من المحاسبة.
حين يقتل المتهم، تموت شهادته معه، وتطمس الأدلة، ويغلق الطريق أمام محاسبة من هم أعلى منه في المسؤولية. وحتى إذا انتقلت المسؤولية، فهي غالبا ما تنتقل إلى صغار المسؤولين، لا إلى من أصدروا الأوامر، لتستمر بذلك حلقة الإفلات من العقاب.
عليه، لا جدوى من الغرق في تحليل تفاصيل من نفذ الاغتيالات، ولا في نظريات المؤامرة، ولا في توزيع المكاسب السياسية الآنية. المشهد مألوف، والاتهامات تدور في دائرة مغلقة لا تصل إلى أحد. وحتى تلك التحقيقات الشكلية، نتيجتها واحدة في كل مرة، إذ تسجل ضد مجهول.. إنه ذلك المجهول الذي أجهض مسار العدالة قبل أن يبدأ.
هكذا، تظل ثقافة الإفلات من العقاب واقعا معيشا، ويصبح التخلص من المطلوبين إحدى الأدوات الفعالة لاستدامة هذا الواقع، وتترك العدالة الدولية بملفات مغلقة ومتهمين تحت التراب، ويترك القضاء الوطني بقضايا مسجلة ضد مجهول، والأمرّ من ذلك أن يترك الضحايا بلا عدالة ولا إنصاف.
وفي كل مرة، لا يُقتل الأشخاص المطلوبون فقط، بل تقتل فكرة المحاسبة معهم.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

