إيران ليست بلدا يفهم بعدسة واحدة. والكتابة عنها من الخارج كثيرا ما تنزلق إلى كاريكاتيرين متقابلين: "دولة مغلقة يحكمها رجال دين" أو "قلعة مقاومة لا يطالها نقد". كلاهما يختصر التعقيد، وكلاهما يضلل القارئ إذ تُستبدل المعرفة بالموقف.
وما جرى في موجة الاحتجاجات الأخيرة لا يقرأ كتفصيل داخلي منفصل عن محيطه، ولا كحدث إعلامي يختزل في مقاطع ووسوم. نحن أمام تفاعل بين ضغط اقتصادي طويل المدى، وحسابات دولة تواجه خصما يعتبرها تهديده الأول، وحياة اجتماعية داخلية حقيقية، ومعركة رواية لا تقل أثرا عن الشارع.
العقوبات ليست "أداة سياسية" عابرة؛ إنها آلية تعيد تشكيل الاقتصاد من جذوره. تفرض على الدولة والمجتمع تكاليف التفاف وخصومات ومخاطر، ثم تترجم هذه التكاليف إلى أسعار، وفرص عمل، وثقة عامة
إسرائيل مركز الثقل.. وواشنطن جزء من الصورة
المدخل الأصدق يبدأ من الواقع الإستراتيجي: إسرائيل ترى إيران الخطر الأكبر على أمنها القومي، وتتكلم عنها بلغة "التهديد الوجودي". هذا ليس مجرد خطاب؛ إنه جزء من بناء السياسات في تل أبيب، وبالتالي من تسويق السياسات في واشنطن.
وهنا تتقاطع الولايات المتحدة مع إسرائيل في هدف عام: تضييق مساحة الحركة الإيرانية وإضعاف أدوات القوة لديها، حتى لو اختلفت التكتيكات بين تفاوض وضغط وتصعيد.
ومن الخطأ النظر إلى القرار الأمريكي كأنه قرار البيت الأبيض وحده؛ فملف إيران في واشنطن تشكله حسابات الكونغرس، وشبكات النفوذ السياسي، واللوبيات، والانتخابات. لذلك يتحول الخطاب عن إيران، في أحيان كثيرة، إلى "سياسة داخلية" بقدر ما هو سياسة خارجية.
مشكلة المعرفة: سياسات تبنى على سرديات جاهزة
في هذا السياق تبرز فجوة معرفية خطرة: جزء من النخبة السياسية والإعلامية في الغرب يتحدث عن إيران بأحكام نهائية دون معرفة متينة بتركيبتها ومجتمعها.
السجالات التي كشفت هشاشة معلومات بعض المتحمسين للتصعيد ليست مجرد طرائف؛ إنها مؤشر على خطر أكبر: أن تبنى سياسات ضغط، وربما مواجهة، على سرديات جاهزة لا على فهم بلد معقد، ثم يطلب من الرأي العام التصفيق لها باعتبارها "واقعية".
الاقتصاد شرارة.. لكنه ليس التفسير الوحيد
وعند الانتقال إلى الداخل يجب مقاومة فخين متعاكسين: إنكار الضيق الاقتصادي، أو رد كل شيء إليه. نعم، الاقتصاد كان شرارة مفهومة في بلد يعيش ضغطا طويلا على العملة والقدرة الشرائية. لكن هذا الضغط لا ينفصل عن بنية العقوبات التي تضيق النقد الأجنبي والتحويلات والتجارة، وترفع كلفة التعاملات حتى عندما تستمر بعض الصادرات.
العقوبات ليست "أداة سياسية" عابرة؛ إنها آلية تعيد تشكيل الاقتصاد من جذوره. تفرض على الدولة والمجتمع تكاليف التفاف وخصومات ومخاطر، ثم تترجم هذه التكاليف إلى أسعار، وفرص عمل، وثقة عامة.
وفي الوقت نفسه لا يجوز تبرئة الداخل بالكامل: طريقة الإدارة، والشفافية، وإدارة التوقعات، وسياسات الدعم والنقد، كلها تحدد إن كان الضغط سيمتص تدريجيا أم ينفجر اجتماعيا.
"شعبية الحكومة" أم "تماسك الدولة"؟
في أوقات الخطر الخارجي، ما يبرز ليس بالضرورة "شعبية الحكومة"، بل "تماسك إيران الدولة". المجتمعات قد تنتقد حكوماتها بقسوة، لكنها حين تشعر أن بلدها يدفع نحو التفكيك أو الإخضاع من الخارج، تميل إلى الالتفاف حول فكرة الوطن والاستقرار والسيادة.
هذا التماسك لا يلغي الاحتجاج، لكنه يفسر لماذا لا تتحول كل موجة غضب تلقائيا إلى مشروع إسقاط شامل، ولماذا يمكن أن يتعايش سخط داخلي، مع رفض وطني واسع أي عدوان أو وصاية خارجية.
تشير بعض مؤشرات الابتكار العالمية، كما تشير مشاريع أنجزتها إيران على الأرض، إلى قدرة معرفية وإنتاج تقني لا يمكن شطبه بالشعارات
انقطاع الإنترنت: حدث واحد وقراءتان
ومن أكثر مفاصل يناير/كانون الثاني دلالة الانقطاع الواسع للإنترنت. لا ينبغي تقديمه كدليل أحادي الاتجاه. من زاوية الدولة يمكن قراءته كجزء من إدارة أزمة مركبة: أمن، ومنع تضخيم، وتقليل تنسيق تخريبي، وتخفيف سطح هجمات سيبرانية في مناخ توتر.
ومن زاوية المجتمع والحقوق والاقتصاد، هو قرار باهظ يقطع أرزاقا، ويعزل الناس، ويضعف التحقق، ويزيد الشكوك، ويفتح الباب أمام سوق الإشاعة والتهويل. القراءة الناضجة تعترف بأن الحدث الواحد قد يحمل دافعين متزامنين، وأن نتائجه تقاس على حياة الناس لا على النوايا.
فخا الكاريكاتير والطائفية
ومن أكبر مطبات الكتابة عن إيران الوقوع في فخ الكاريكاتير. ألقاب مثل "نظام الملالي" أو "بلد العمائم" أو "نظام آيات الله" قد تشبع خصومات سياسية أو طائفية، لكنها تفشل التحليل؛ لأنها تمحو حقيقة أساسية: إيران دولة مؤسسات. فيها جهاز إداري يعمل، وكوادر متعلمة، وقدرات علمية وتقنية ملموسة، حتى مع تناقضات الاقتصاد والسياسة واختلالات الإدارة والحوكمة.
وتشير بعض مؤشرات الابتكار العالمية، كما تشير مشاريع أنجزتها إيران على الأرض، إلى قدرة معرفية وإنتاج تقني لا يمكن شطبه بالشعارات. وقد تظهر بعض القياسات أداء قويا نسبيا في "مخرجات المعرفة والتكنولوجيا" مع ضعف أو قصور في "المؤسسات".
ليست هذه مادة للتفاخر، بل قيدا معرفيا يمنع التفسير الواحد: لا يمكن فهم الصمود تحت عقوبات طويلة دون الاعتراف بالقدرات، ولا يمكن فهم التعثر دون الاعتراف ببشرية المؤسسات والسياسات وخياراتها.
أما الفخ الأكثر شيوعا في الكتابة العربية فهو تحويل إيران إلى كاريكاتير طائفي. هذه القراءة لا تفسر العقوبات، ولا تفسر موقع إسرائيل في المعادلة، ولا تفسر الاقتصاد العالمي، ولا تفسر الجغرافيا السياسية التي تجعل إيران عقدة في ممرات الطاقة والتجارة وتوازنات القوى الكبرى.
والأسوأ أنها تفتت وعي القارئ العربي، وتدفعه لرؤية الصراع كأنه "هوية ضد هوية"، بدل أن يُرى كصراع على السيادة، والاقتصاد، والتحالفات، وفلسطين، وموازين الردع. في كثير من الحالات، الطائفية ليست تفسيرا بقدر ما هي أداة تعبئة لحجب المصالح الحقيقية، وتسهيل الاستثمار في الانقسام.
تظل فلسطين حاضرة كمعيار أخلاقي يعيد تشكيل ثقة الجمهور بسرديات "الحقوق" حين تستخدم انتقائيا
حياة داخلية لا ترى من الخارج
وفي المقابل، ثمة عناصر داخلية لا يلتقطها كثيرون؛ لأنهم يكتبون من خارج الصورة: وجود حياة عامة ومجتمع مدني فعلي، ومساحات نقد داخلية، حتى مع سقوف سياسية وقانونية متحركة. تعدد المنابر والنقاشات المهنية والثقافية، وحضور المبادرات الاجتماعية والخيرية والتنموية، يشير إلى مجتمع يتحرك من داخله، لا إلى كتلة صامتة.
وكذلك وضع المرأة لا يختزل في صورة واحدة؛ ثقلها في التعليم والمعرفة، وفي قطاعات من العمل، واقع ملحوظ، حتى لو بقيت فجوات في التمثيل والاقتصاد. هذه التفاصيل تغير قراءة الاحتجاج نفسه؛ لأن مجتمعا يملك قنوات تعبير ومسارات حياة عامة لا يشبه مجتمعا بلا منافذ.
فلسطين معيار أخلاقي في مناخ دولي متوتر
تزداد حساسية هذا كله في مناخ دولي مشحون بعد سنوات تصاعدت فيها الإسلاموفوبيا والاستقطاب في الغرب. ليس المقصود اختزال كل موقف غربي في "كراهية للإسلام"، بل الإقرار بأن المزاج العام واللغة السائدة يؤثران في بناء الروايات عن بلدان المنطقة، وفي سرعة شيطنة الخصوم، وفي ازدواجية المعايير التي يلتقطها القارئ العربي بسهولة.
وفي هذه اللحظة تحديدا تظل فلسطين حاضرة كمعيار أخلاقي يعيد تشكيل ثقة الجمهور بسرديات "الحقوق" حين تستخدم انتقائيا.
يبقى سؤال لا يحق للكاتب العربي، ولا للقارئ، أن يتهرب منه بعد كل هذا: أين تقف؟ ليس بوصفك مشجعا في مدرجات صراع بعيد، بل بوصفك ابن منطقة تعاد صياغتها تحت سكين العقوبات والحصار والاصطفافات
خلاصة: مفاتيح تمنع الوقوع في الفخاخ
الخلاصة ليست جوابا سريعا عن "ثورة أم فوضى"، بل مفاتيح تمنع الوقوع في الفخاخ: الاعتراف بأن الاحتجاج حق، وأن الضيق الاقتصادي حقيقي، وأن العقوبات جزء بنيوي من الأزمة لا ذريعة، وأن إسرائيل تقود منطق الصراع الوجودي ضد إيران بما ينعكس على واشنطن، وأن الدولة الإيرانية مؤسسات وقدرات، وليست كاريكاتيرا، وأن المجتمع الإيراني يملك حياة عامة ومدنية لا يراها من يكتفي بالصور الخارجية، وأن الطائفية تفسد الفهم وتخدم من يريد تفتيت المنطقة، وأن حرب الرواية جزء من الحدث لا هامش له، خصوصا حين تقطع أدوات التحقق.
بهذه المنهجية فقط تصبح الكتابة أمانة: لا تبرئة مطلقة ولا إدانة مطلقة، بل هي معرفة تتقدم على الانفعال، وتوازن يحفظ حق القارئ في فهم إيران كما هي، لا كما يريدها المتعصب أو المروج أو المتربص.
خاتمة: عبء السؤال على القارئ والكاتب
ويبقى سؤال لا يحق للكاتب العربي، ولا للقارئ، أن يتهرب منه بعد كل هذا: أين تقف؟ ليس بوصفك مشجعا في مدرجات صراع بعيد، بل بوصفك ابن منطقة تعاد صياغتها تحت سكين العقوبات والحصار والاصطفافات.
إن اختزال إيران في "مشكلة داخلية" منعزلة، أو اختزال الصراع في طائفية تريح الغريزة، هو انسحاب من المسؤولية: انسحاب من فهم آليات الضغط التي تتكرر على كل من يخرج عن خطوط الهيمنة، ومن رؤية إسرائيل وهي تثبت، مرة بعد مرة، أن "القيم" التي يتغنى بها الغرب تنهار عندما تتصل بتل أبيب، وأن الدم الفلسطيني كان اختبارا كاشفا لتعرية ازدواجية المعايير في الخطاب والسياسات معا.
لا يطالب هذا المقال القارئ بأن يمنح إيران شيكا على بياض، ولا أن يبرئ سياساتها أو أخطاءها أو قيودها الداخلية، لكنه يطالب بشيء أبسط وأصعب في آن: العدل في الميزان.
فإذا كانت الحرب على غزة قد أظهرت، لدى قطاعات واسعة من الرأي العام، كيف تهمش المعايير حين تتعارض مع مصلحة إسرائيل، فكيف يعقل أن نسلم، بلا سؤال، للمركز الغربي حق تعريف "الحرية" و"الحقوق" و"الشرعية" حين يتحدث عن إيران؟ وكيف نبرر لأنفسنا الاصطفاف تلقائيا مع ماكينة ضغط وعقوبات لا تعاقب حكومة فقط، بل ترهق مجتمعا كاملا، وتعيد تشكيل اقتصاده وحياته وعلاقاته بالعالم؟
إن كان ثمة موقف مسؤول، فهو أن نرفض أن تختطف بوصلة المنطقة: فلسطين ليست تفصيلا، وإسرائيل ليست "دولة طبيعية"، والعقوبات ليست أداة "نظيفة"، والطائفية ليست تحليلا بل وقودا يوزع لتسهيل التفتيت.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
