كيف تتحول الحروب والأزمات إلى تجارة مربحة؟

كيف تتحول الحروب والأزمات إلى تجارة مربحة؟
الكاتب: لكي يعمل سوق الاضطراب يحتاج إلى شروط محددة تشمل قرارات سريعة دون تدقيق وشفافية محدودة في المناقصات (الجزيرة)
  • سوق الاضطراب

في مكتب زجاجي يطل على مدينة خرجت توا من حرب طويلة، توقع صفقة لإعادة الإعمار بقيمة 45 مليون دولار. الشركة التي وقعت العقد ليست شركة إنشاءات، بل شركة أمن خاصة، مهمتها حماية مواقع البنى التحتية قبل أن يبدأ العمل فيها أصلا.

الدفعة الأولى تحول إلى حساب الشركة فورا، قبل أن يُمد أي خط كهرباء أو يُرصف طريق واحد. في تلك اللحظة، يتابع المستثمرون الدوليون العائد المتوقع على شاشاتهم، يحسبون نسب الربح والخسارة، وكأن الفوضى نفسها سلعة مدرة للأرباح.

هذا المشهد لم يعد استثناء، بل صار نموذجا متكررا في الشرق الأوسط، حيث تتحول فترات الاضطراب إلى سوق حقيقي له قواعده ولاعبوه ومنظومته الخاصة، التي تدور حول شيء واحد فقط: الربح السريع.

المعادلة تقوم على قاعدة واحدة: كلما زادت الفوضى ارتفع السعر؛ فالعقود في هذه البيئات تسعر بناء على «علاوة المخاطرة»

ما يعرف اليوم بـ«سوق الاضطراب» هو ببساطة الإطار الذي يحول الصراع أو الأزمة إلى منتج تجاري يمكن تسويقه؛ فحين تتعطل المؤسسات وتضعف الدولة، تتسع المساحات الرمادية التي تستثمر فيها الحاجة. خدمات الحماية تباع بأسعار مضاعفة، وعقود الإعمار تمنح بلا مناقصات تنافسية، وامتيازات الموارد توزع تحت ضغط «الضرورة».

اللاعبون في هذا السوق يتوزعون على أربعة مستويات رئيسية؛ فمزودو الخدمات يشملون شركات الأمن الخاصة، والمقاولين المتكاملين، والمكاتب الاستشارية التي تنسق المناقصات، وشبكات لوجيستية تدير عمليات النقل والإمداد.

أما الممولون فهم البنوك، والصناديق الاستثمارية، وجهات الإقراض الدولية التي تبحث عن عوائد سريعة في بيئة عالية المخاطرة. والوسطاء والسياسيون يمثلون قنوات النفوذ وسماسرة الصفقات، والجهات التنظيمية التي تعيد صياغة الشروط لتناسب جهات محددة.

في النهاية، الزبون النهائي هو الحكومات المحلية، والمؤسسات الدولية، أو القوى المحلية التي تريد استعادة السيطرة بأي ثمن.

إعلان

الآلية التشغيلية لهذا السوق بسيطة لكنها فعالة: حدث أمني أو انهيار بنية تحتية يقود إلى تقييم عاجل للمخاطر، ثم مناقصة مبسطة أو عقد مباشر، تليه دفعة مالية مقدمة، ثم تقسيم العقد إلى عقود فرعية، لتبدأ بعدها العوائد السريعة بالتدفق.

المعادلة تقوم على قاعدة واحدة: كلما زادت الفوضى ارتفع السعر؛ فالعقود في هذه البيئات تسعر بناء على «علاوة المخاطرة»، أي التعويض المالي عن العمل في ظروف غير مستقرة.

ولحماية الأرباح، تدرج بنود مثل «القوة القاهرة»، و«الدفعات المرحلية»، و«التأمينات المصرفية» التي تضمن تدفق المال حتى لو توقف التنفيذ الفعلي.

النتيجة هي اقتصاد قصير الأمد، يراكم أرباحا سريعة دون بناء فعلي على الأرض، ويخلق شبكات مالية متشابكة تربط بين الأمن والمال والسياسة.

مشاريع إعادة الإعمار في المنطقة تجاوزت قيمتها مليار دولار عبر منح وقروض موجهة للعراق وسوريا ولبنان، وأبرزها تمويل شبكة سكك حديدية عراقية بقيمة 930 مليون دولار

ولكي يعمل سوق الاضطراب، يحتاج إلى شروط محددة، تشمل قرارات سريعة دون تدقيق، وشفافية محدودة في المناقصات، وشركات تسجل بسرعة وبأسماء متعددة، وتسهيلات مصرفية تسمح بتحويل الأموال دون تتبع دقيق.

هذه البيئة تولد سوقا موازيا مكونا من عشرات العقود الصغيرة والمتوسطة، بينما تتراجع المشاريع التنموية الحقيقية. وتتركز الأرباح في رؤوس شبكات لا تظهر أسماؤها في السجلات الرسمية، لكنها تتحكم عمليا بالمسار المالي والسياسي في مرحلة ما بعد الصراع.

يمكن تتبع هذه الأنماط من خلال أدوات رقمية مفتوحة، مثل بوابات المشتريات الحكومية، وسجلات الشركات، وقواعد بيانات البنوك، وتقارير مؤسسات التمويل الدولية. ومن يتقن قراءة هذه المؤشرات يعرف أين يتجه المال، ومن يستفيد منه، وكيف يتحول الاضطراب إلى أصل مالي يمكن تداوله.

الأرقام وحدها كافية لتوضيح حجم الظاهرة؛ فالإنفاق العسكري في الشرق الأوسط وصل عام 2024 إلى نحو 243 مليار دولار، وهو رقم يكشف تحول الميزانيات من التنمية إلى الأمن.

وعالميا، بلغ الإنفاق العسكري نحو 2.7 تريليون دولار في العام نفسه، ما يعكس بيئة عالمية تبرر توسع شركات الأمن الخاصة. كما بلغت قيمة سوق الأمن العسكري والخاص نحو 263 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات نمو سنوي ثابت للعقد القادم.

مشاريع إعادة الإعمار في المنطقة تجاوزت قيمتها مليار دولار عبر منح وقروض موجهة للعراق وسوريا ولبنان، وأبرزها تمويل شبكة سكك حديدية عراقية بقيمة 930 مليون دولار.

كل هذه الأرقام تضعنا أمام مشهد واضح: الأموال تتدفق بكثافة، لكن الوجهة ليست دائما التنمية، بل منظومة معقدة تستثمر في الاضطراب كمصدر دخل.

هناك تقارير دولية عديدة توثق هذا النمط؛ فتقرير Transparency International Defence & Security يوضح أن الشركات الأمنية الخاصة تعمل غالبا ضمن فجوات الرقابة، وتستفيد من غياب الشفافية في عقود الطوارئ.

أما Center for Public Integrity فيكشف أن أكثر من 70 شركة حصلت على عقود إعادة إعمار في العراق وأفغانستان بقيمة تجاوزت ثمانية مليارات دولار، أغلبها منح بآليات استثنائية أو بضغط سياسي.

إعلان

وثائق Congressional Research Service الأميركية تضع هذه الممارسات في إطار قانوني، يتيح للحكومات منح عقود مباشرة لـ«أسباب أمنية»، وهو ما يعزز فكرة أن السوق ليس فوضويا كما يبدو، بل منظما بدقة لخدمة شبكات محددة من النفوذ والمال.

سوق الاضطراب ليس عشوائيا كما يبدو؛ إنه نظام اقتصادي موازٍ يعتمد على تحويل الأزمات إلى فرص، والدمار إلى تدفق نقدي، والفراغ الأمني إلى مشروع استثماري

في المقابل، أظهر تحليل من المعهد الفدرالي السويسري للتكنولوجيا (ETH Zurich) أن نشاط هذه الشركات لا يقتصر على الأرباح فقط، بل يمتد إلى إعادة تشكيل السلطة المحلية والسياسات، لتصبح الفوضى نفسها أداة لإعادة توزيع النفوذ.

في ملف مسرب من وزارة الدفاع الأميركية، أُصدر عقد نفطي بدأ بقيمة 24 مليون دولار، ثم قفز الرقم خلال أشهر قليلة إلى 887 مليون دولار بعد تعديلات متكررة.

الشركة المنفذة كانت KBR التابعة سابقا لهاليبورتون، وهي واحدة من أبرز المستفيدين من عقود الطوارئ. وفي العراق، حصلت شركة Blackwater الأمنية على عقود تصل قيمتها إلى 488 مليون دولار لحماية البعثات الدبلوماسية، رغم سجلها المليء بالانتهاكات.

هذه الأمثلة تشرح كيف تتحول عقود الطوارئ المؤقتة إلى سلاسل ربحية متضخمة، تتغذى على كل أزمة جديدة وتعيد إنتاج نفسها مع كل صراع لاحق.

سوق الاضطراب ليس عشوائيا كما يبدو؛ إنه نظام اقتصادي موازٍ يعتمد على تحويل الأزمات إلى فرص، والدمار إلى تدفق نقدي، والفراغ الأمني إلى مشروع استثماري. ومن يفهم طريقة عمل هذا السوق يستطيع توقع العقد القادم، وحساب هامش الربح، ومعرفة أين ستضرب أول مناقصة بعد انتهاء الحرب.

الاضطراب هنا ليس انقطاعا في النظام، بل آلية لتجديده بوجوه جديدة. وحين تصبح الفوضى مربحة، يصبح من الصعب التمييز بين من يريد إنهاء الأزمة، ومن يعيش على استمرارها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان