- الغاية: ضرورة تفسيرية، ووجودية، وواقعية
منذ انتصار النزعة الميكانيكية في الفكر الحديث، جرى التعامل مع مفهوم الغاية -أو العلة الغائية- كما لو كان من بقايا ما قبل العلم، فكرة لاهوتية عفا عليها الزمن.
غير أن هذا التوجه لم يفلح في القضاء على الغائية، بل جعلها تتخفى في ثوب جديد تحت أسماء مثل «الوظيفة» و«الملاءمة» و«النظام».
أذهب في هذا المقال إلى أن الغائية ليست فكرة زائدة يمكن الاستغناء عنها، بل ضرورة كامنة في بنية الفهم ذاته، على ثلاثة مستويات مترابطة: التفسير العلمي، والوجود الإنساني، وطبيعة الواقع نفسه.
أثبت التاريخ العلمي أن تجاهل الغاية كثيرا ما أعاق الاكتشاف. فالزائدة الدودية عدت طويلا عضوا «بلا وظيفة»، حتى كشفت الدراسات الحديثة عن دورها المناعي الدقيق
الغاية كضرورة تفسيرية
اللغة العلمية، ولا سيما في علم الأحياء، مشبعة بتعابير غائية؛ نقول: «القلب لضخ الدم»، و«الأجنحة للطيران»، و«الكلية لتنقية الدم». وقد حاول بعض العلماء استبدال هذه الصياغات بتعابير آلية محضة: «انقباض العضلة يسبب دوران الدم». لكن مثل هذا التحليل لا يغني عن البنية الغائية الكامنة فيه؛ فالسؤال «لماذا؟» يظل قائما، ولا يتضح معنى الظاهرة إلا بالنظر إلى موقعها والدور الذي تنهض به داخل النظام الذي تنتمي إليه.
فالآلية تفسر الكيفية، أما الغائية فتفسر السبب في التوجه نحو غاية محددة. لا يكفي أن نعرف كيف تنقبض العضلة؛ ينبغي أن نعرف لماذا تفعل ذلك في نظام متكامل يحفظ الحياة. لهذا، فالآلية تتعامل مع الأجزاء، بينما الغائية تتعامل مع الكل المنظم الذي يجعل الأجزاء ذات معنى.
لقد أثبت التاريخ العلمي أن تجاهل الغاية، كثيرا ما أعاق الاكتشاف. فالزائدة الدودية عدت طويلا عضوا «بلا وظيفة»، حتى كشفت الدراسات الحديثة عن دورها المناعي الدقيق. ولو أن العلماء سألوا منذ البدء: «لأي غرض وجدت؟» لكان اكتشافهم أسرع.
الأمر نفسه في علم البيئة، حين ألغى الباحثون فكرة «توازن الطبيعة» باعتبارها بقايا غائية، ففقدوا فهمهم للعلاقات التنظيمية بين الأنواع والأنظمة، حتى أعادهم علم «البيئة المنظومية» إلى النظر في الأدوار والوظائف.
وكذلك في علم الوراثة، إذ أطلق على أجزاء واسعة من الجينوم مصطلح «الحمض النووي الخامل Junk DNA» لأنها بلا وظيفة ظاهرة، ثم تبين لاحقا أن أكثرها يؤدي أدوارا تنظيمية حاسمة.
تظهر هذه الأمثلة أن التفكير الغائي ليس انحرافا ميتافيزيقيا، بل منهجا موجها للاكتشاف العلمي ذاته. فالسؤال عن الغاية يفتح أفق البحث، أما إلغاؤه فيغلقه باسم «الصرامة» الزائفة.
إن الغائية ليست وهما حسيا يمكن تصحيحه كالوهم البصري، بل هي جزء من هيكل الفهم. فالعقل لا يستطيع التفكير في النظم المعقدة دون تصور علاقة الوسيلة بالغاية. وحتى إن حاولنا طرد اللغة الغائية من العلم، فإنها تعود متخفية في مصطلحات مثل «التكيف» و«الوظيفة» و«الانتقاء لصالح البقاء». إنها شرط للتفسير نفسه، لا مجرد أسلوب بلاغي.
وقد أثبت علم النفس المعرفي أن الغائية متجذرة في بنية الإدراك البشري؛ فالأطفال، بل وحتى العلماء تحت ضغط الزمن، يميلون إلى تفسير الظواهر بلغة القصد والوظيفة. وهذا الميل لا يدل على خطأ معرفي، بل على بنية ذهنية توازي الحاجة إلى السببية أو الاستقراء.
النتيجة: لا يمكننا تفسير الحياة والعقل من دون غاية، لأن الغائية شرط الفهم نفسه.
حين تنهار الغايات الجماعية الكبرى، كما وصف نيتشه، يخلفها فراغ قيمي يملؤه إما الانغماس الجمالي السلبي، وإما التوتاليتارية التي تستبدل الدين بالأيديولوجيا
الغاية كضرورة وجودية
الحياة الإنسانية لا تطاق بلا معنى، والإنسان لا يعيش بالآلية وحدها. فالسعي إلى غاية هو ما يمنح الفعل الإنساني تماسكه النفسي والأخلاقي. الدراسات النفسية المعاصرة تؤكد أن الإحساس بالغاية يرتبط بالصحة والرضا وطول العمر، بينما فقدانها يقود إلى الاكتئاب والعنف والانتحار.
هنا تحضر تجربة فيكتور فرانكل في معسكرات الاعتقال، حيث كان البقاء مرهونا بإحساس السجين أن لحياته هدفا ما. فالغاية ليست زينة للوجود، بل شرط استمراره.
حتى أولئك الذين حاولوا إنكار الغاية- ككامو وسارتر- عادوا إليها من طريق آخر. كامو رفض الغاية الكونية، لكنه جعل من «التمرد» غاية بديلة، وسارتر نفى الجوهر المسبق، لكنه طالب بالعيش «بصدق نحو مشروع يبتكر». فكلاهما لم يستطع العيش من دون معنى، وإن بُدل الاسم.
أما من قال بإمكان «اختراع المعنى» ذاتيا، فقد تجاهل هشاشة هذا البناء؛ إذ ينهار عند أول صدمة أو فقدان للسند المشترك. فالمعنى المصنوع بإرادة فردية يشبه الدواء الوهمي: ينفع ما دمت تؤمن به، ويتلاشى حين تشك فيه.
وحين تنهار الغايات الجماعية الكبرى، كما وصف نيتشه، يخلفها فراغ قيمي يملؤه إما الانغماس الجمالي السلبي، وإما التوتاليتارية التي تستبدل الدين بالأيديولوجيا. فكلاهما محاولة يائسة لإعادة غاية ضائعة: الجمال عند الأفراد، والعقيدة السياسية عند الجماعات. وقد رأت حنة أرندت في ذلك بذور الكارثة الحديثة.
ومن منظور عملي، لا يمكن لأي فعل أن يقوم بلا غاية. التفكير، والاختيار، والتقييم، كلها تفترض اتجاها نحو هدف. حتى إنكار الغاية ذاته فعل غائي؛ فهو يسعى إلى «الصواب» أو «التحرر من الوهم». بذلك تصبح الغاية شرط الفاعلية الإنسانية، كما أن الاستقراء شرط المعرفة العلمية.
إذن، إنكار الغاية ليس حيادا، بل انتحارا للذات المفكرة. فالإنسان الذي لا غاية له لا يستطيع أن يفكر أو يختار أو يحيا متماسكا.
الغائية ليست وهما مريحا، بل بعدا واقعيا في بنية الوجود؛ إنها المبدأ الذي تنتظم به المادة والحياة والفكر. إنكارها يفضي إلى انهيار الفهم من أساسه
الغاية كضرورة أنطولوجية
يعتمد الفلاسفة عادة مبدأ «اللازمية التفسيرية»: ما لا يمكن الاستغناء عنه في التفكير نعده واقعا حقيقيا. نحن نؤمن بالسببية والاستقراء والعالم الخارجي، لا لأننا أثبتناها تجريبيا، بل لأن إنكارها يجعل التفكير نفسه مستحيلا.
على هذا المنوال، تستحق الغاية المكانة نفسها؛ فهي ليست فرضية، بل شرطا قبليا للفهم، ومن ثم لها واقعية أنطولوجية.
في المقابل، الآلية المجردة عاجزة عن تفسير كيف نشأت الحياة والوعي والنظام من العشوائية المحضة. بل إن العلم نفسه لا يستطيع العمل إلا بلغة الغايات: «هذا الجين وجد للبقاء»، و«هذا السلوك تكيف مع البيئة». فإذا كانت الغائية مجرد وهم، فالعلم كله يتحدث بلغة وهمية.
وثمة لا تناظر عميق بين القبول والإنكار: من ينكر الغاية يضطر إلى استعمالها ضمنا؛ فهو يكتب بحثه بهدف الإقناع، ويبحث عن الحقيقة لذاتها، أي لغاية مفترضة. وهكذا يهدم حجته بفعله ذاته.
أما الرد القائل إن العقل قد يكون نتاجا عشوائيا تطور لخدمة البقاء لا الحقيقة، فقد فنده ألفن بلانتينغا؛ إذ إن كانت عقولنا قد نشأت لأجل النجاة لا الصدق، فلا سبب لدينا لثقة بأي استنتاج، بما في ذلك استنتاج «العقل العشوائي» نفسه.
بذلك يصبح الإيمان بغائية العقل شرطا لإمكان المعرفة، لا نتيجة لها.
النتيجة النهائية: الغائية ليست وهما مريحا، بل بعدا واقعيا في بنية الوجود؛ إنها المبدأ الذي تنتظم به المادة والحياة والفكر. إنكارها يفضي إلى انهيار الفهم من أساسه.
الغاية هي الخيط الذي يجمع بين العلم والفكر والوجدان. إنكارها يفكك الإنسان والعالم معا؛ إذ يحول المعرفة إلى وصف أعمى، والحياة إلى عبث بلا وجهة، والواقع إلى فوضى بلا نظام
من الغائية إلى الإلهية
إذا كانت الغاية حقيقية في كل مستويات الوجود، فلا يمكن أن تكون منبثقة من مادة عمياء. فالقصد يقتضي عقلا، والنظام الهادف يقتضي مبدأ عاقلا أعلى. من هنا يلتقي الفهم الغائي الطبيعي بالفهم الإلهي الكوني. كما قال أرسطو إن «العلة الغائية لا تفهم بلا عقل»، وأكد توما الأكويني أن انتظام الطبيعة دليل على علة عاقلة موجهة.
ويرى بلانتينغا أن الإيمان بالله لا يحتاج إلى برهان استدلالي، بل يقوم على فطرة معرفية أساسية؛ فإدراك الغاية في العالم هو مظهر من تلك الفطرة. من ينكرها يسقط الثقة بالعقل الذي أنكرها.
ويتسق هذا التصور مع ما قرره الفكر الإسلامي، ولا سيما ابن تيمية، من أن إدراك وجود الخالق غريزة فطرية في النفس، وأن نظام العالم القائم على الغاية آية على الخالق.
أما علم النفس المعرفي الذي يتحدث عن «جهاز رصد الفاعلية الزائد»، فيمكن قراءته لا كعيب إدراكي، بل كحس طبيعي للانتظام المقصود في الوجود. وكما لا نبطل حاسة البصر لأننا نخطئ أحيانا في الرؤية، ولا نبطل الاستنباط العقلي لأننا قد نقع في فخ المغالطات المنطقية، لا ينبغي أن نبطل الإحساس بالغرض لأننا نسيء أحيانا تأويله.
تتكامل بذلك الدوائر الثلاث:
- العلم يثبت الغاية تفسيريا.
- الإنسان يحتاجها وجوديا.
- والعقل يفترضها أنطولوجيا.
ومن ثم، يصبح الإيمان بإله ذي قصد كوني ليس إضافة خارجية، بل النتيجة الطبيعية لأعمق مبادئ الفهم والعقل.
إن الغاية هي الخيط الذي يجمع بين العلم والفكر والوجدان. إنكارها يفكك الإنسان والعالم معا؛ إذ يحول المعرفة إلى وصف أعمى، والحياة إلى عبث بلا وجهة، والواقع إلى فوضى بلا نظام.
أما الإقرار بها فيعيد توحيد مجالات الوجود في نسق واحد متسق: العقل فيه وسيلة الفهم، والحياة سعي نحو المعنى، والكون نفسه فعل مقصود ذو اتجاه.
ومن ثم، لا يكون الإيمان بوجود غاية شاملة، أو بإله ضامن لتلك الغاية، «قفزة في الظلام» كما يقال، بل هو أتم صورة من صور العقلانية: اعتراف بأن ما لا نستطيع التفكير ولا العيش بدونه- أي الغاية- هو نفسه الدليل الأوضح على أن العالم لم يخلق عبثا.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
