كان وقوف ترامب وفريقه من ورائه، أثناء التعليق على خطف مادورو، مشهديا بامتياز، وكان الرئيس وعصبته يملؤون الفضاء الإعلامي برسائل في كل اتجاه.
كانت الرسائل موجهة، بالدرجة الأولى، إلى الصين وروسيا، وإلى كوريا الشمالية وإيران، بأن ترامب "رجل أفعال"، وهو يختلف عمن سبقه في الرئاسة.
أميركا التي بنت النظام العالمي الراهن بيديها ووفق مصالحها، بعيد الحرب العالمية الثانية، هي من تهدم أركانه، وتملأ العالم فوضى، لتفرض بيع النفط بالدولار حصرا
شاهدنا في المؤتمر الصحفي محاولة مستميتة لاستثمار الحدث في إرهاب الخصوم والمنافسين، وفي ممارسة أقصى درجات الحرب النفسية عليهم، مثلما شاهدنا إقحام شعار ترامب وفريقه "أميركا أولا"، وربطه بشخصية ترامب على لسان جميع المسؤولين الذين تحدثوا، وخصوصا وزيري الخارجية والحرب.
وشاهدنا تسجيل نقاط انتخابية سلفا، ومحاولة حرق أوراق الديمقراطيين الأميركيين، وشاهدنا أشياء أخرى كثيرة. كلنا شاهدنا ذلك، أو أكثرنا.
لكن ما لم يكن مرئيا لدى كثير من الناس أننا كنا نتابع، على المنصة، لحظات عملية تجسد حال الأمم عند بلوغ ذروة القوة والعلو، وبدء انكشاف الرعونة والاستهتار اللذين يسوقهما تضخم الإحساس بـ"الأنا العظيمة".
فأميركا التي بنت النظام العالمي الراهن بيديها ووفق مصالحها، بعيد الحرب العالمية الثانية، هي من تهدم أركانه، وتملأ العالم فوضى، لتفرض بيع النفط بالدولار حصرا.
إنه الإحساس بالضجر الناجم عن الترف، والحاجة إلى فعل شيء يحرك الوضع في المحيط.
ربما قليل منا ينقب في التاريخ عن سيرورة الأمم، ليرى بأم عينه مرآة انحدارها وتقهقرها على المنصة.
تعرض النظام الدولي لهزة أعنف لا يمكن إلا أن تؤدي إلى خلخلة قوية لتوازناته، وصولا إلى إعادة بنائه وفق قواعد جديدة
ما فعله ترامب وعصبته يظهر أن أميركا تعاني أعراض الضعف، في بعض الأحيان، عن تحصيل منافع بوسائل سياسية ودبلوماسية، بالرغم من الأسطول الهائل من الإمكانات التي تمتلكها، ويظهر أن واشنطن تحاول موازنة هذا الضعف باستعمال القوة المادية، التي لا شك أنها مفرطة لديها.
ومن ثم فإنها، بما تفعله، تخاطر بقواعد وضوابط وأعراف ما يسمى "النظام الدولي"، وتعرض نفسها لمشاعر النفور والقلق والحذر العالمي منها، وما قد تجره من استقطاب وتكتلات ضد مصالحها في المدى البعيد.
في هجوم السبت، فازت أميركا على فنزويلا، وحققت مكاسب نفسية على خصومها في المدى القريب، لكن على المدى البعيد والإستراتيجي تقدم منافسوها الدوليون، وفي مقدمهم الصين، وخطا العالم خطوة واسعة نحو مزيد من الفوضى، وتعرض النظام الدولي لهزة أعنف لا يمكن إلا أن تؤدي إلى خلخلة قوية لتوازناته، وصولا إلى إعادة بنائه وفق قواعد جديدة، لا مناص من أن يكون لبكين دور ريادي فيها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
