كيف أعادت إسرائيل تشكيل الجغرافيا الفلسطينية؟

المستوطنون يمنعون الأهالي من قطف الزيتون في المناطق المصادرة في سلواد - هيئة مقاومة الجدار والاستيطان - خاص الجزيرة نت
مستوطنون يمنعون الأهالي من قطف الزيتون بالمناطق المصادرة في سلواد (الجزيرة)
  • مأسسة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي كإطار للحكم وإعادة تشكيل الحيز الجغرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، 2023–2025

شكل عام 2025 نقطة تحول في التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، إذ تحول من سياسة تراكمية إلى إطار متكامل لإدارة الأراضي الفلسطينية المحتلة. شهد العام مصادقة غير مسبوقة على وحدات سكنية، وإنشاء 19 مستوطنة جديدة، وتسريع شرعنة البؤر الاستيطانية، مع توجيه مليارات الشواكل للبنية التحتية والمناطق الصناعية ومشاريع التراث والآثار.

تزامن ذلك مع إعادة تصنيف الأراضي، وتصاعد عنف المستوطنين، وارتفاع عمليات هدم المنازل والتهجير القسري، إضافة إلى نقل صلاحيات التخطيط في المنطقة (ج) من الجيش إلى هياكل مدنية تصب في مصلحة المستوطنين. تعكس هذه التطورات مأسسة الاستيطان كإستراتيجية حكم تعيد تشكيل الحيز الفلسطيني وتكرس تغييرات ديمغرافية ومكانية طويلة الأمد.

لطالما شكل التوسع الاستيطاني الإسرائيلي عنصرا بنيويا في منظومة احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية، إلا أن المرحلة بين 2023 و2025 تمثل تصعيدا نوعيا وكميا غير مسبوق. فقد كثفت السلطات الإسرائيلية خلال هذه الفترة من وتيرة المصادقة على الوحدات السكنية، واعترفت رسميا بمستوطنات جديدة، ووسعت شبكات الطرق والبنية التحتية الصناعية، وعززت المبادرات الأثرية والتراثية.

وترافقت هذه السياسات مع تصاعد عنف المستوطنين وبلوغ معدلات تهجير الفلسطينيين مستويات قياسية، بما يعكس تداخل سياسات التخطيط والتمويل والتنفيذ في إعادة تشكيل المشهدين: الإقليمي والديمغرافي على نحو منهجي ومستدام.

شهد أواخر عام 2025 تحولا سياسيا مفصليا عندما صادق مجلس الوزراء الإسرائيلي رسميا على إقامة 19 مستوطنة جديدة في أنحاء الضفة الغربية المحتلة، وذلك عقب الاعتراف بـ27 مستوطنة خلال عامي 2023-2024

التوسع الاستيطاني ومسارات التخطيط

  • الضفة الغربية

بين عامي 2023 و2025، دفعت سلطات التخطيط الإسرائيلية قدما بأكثر من 51 ألف وحدة سكنية استيطانية في الضفة الغربية. ففي عام 2023 وحده، جرى دفع 12 ألفا و349 وحدة، وهو أعلى رقم سنوي مسجل حتى ذلك الوقت. واستمر هذا الاتجاه في عام 2024، وتسارع بشكل أكبر في عام 2025، حيث طرحت أكثر من 5600 عطاء سكني استيطاني، ما انعكس في تمرير مخططات لبناء نحو 30 ألف وحدة سكنية خلال السنوات اللاحقة.

إعلان

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، جرى دفع 9 آلاف وحدة سكنية لمستوطنة جديدة في منطقة عطروت شمال غرب القدس، إلى جانب المصادقة على 19 مستوطنة جديدة.

وعادة ما تترجم هذه المصادقات إلى أعمال بناء فعلية خلال فترة تتراوح بين عامين وأربعة أعوام، وتتطلب المصادقة النهائية من وزير الدفاع، بما يرسخ تغييرات ديمغرافية وجغرافية بعيدة المدى. بيد أن هذا الإطار تغير مع تولي سموتريتش قيادة الإدارة المدنية الإسرائيلية وإدخال تعديلات على القوانين والأنظمة ذات الصلة.

  • القدس الشرقية

اتخذ التوسع الاستيطاني في القدس الشرقية مسارا إداريا مختلفا. فبين عامي 2023 و2025، جرى دفع نحو 57 ألف وحدة سكنية استيطانية عبر لجان التخطيط البلدية، وتعديلات التنظيم، ومخططات توسيع الأحياء.

في المقابل، لم يحصل الفلسطينيون في القدس الشرقية على أكثر من 100 رخصة بناء سنويا، ما فاقم أزمة السكن المزمنة وعرض آلاف السكان لأوامر الهدم بسبب البناء غير المرخص.

  • المستوطنات الجديدة، تكاثر البؤر الاستيطانية، والدعم المالي

شهد أواخر عام 2025 تحولا سياسيا مفصليا عندما صادق مجلس الوزراء الإسرائيلي رسميا على إقامة 19 مستوطنة جديدة في أنحاء الضفة الغربية المحتلة، وذلك عقب الاعتراف بـ27 مستوطنة خلال عامي 2023-2024.

وقد نشأت بعض هذه المستوطنات من بؤر استيطانية غير مرخصة أو بؤر أخليت سابقا، ولا سيما تلك التي أزيلت خلال خطة فك الارتباط عام 2005، مثل: سانور، وحومش، وغانيم، وكاديم، فيما أضيفت مواقع أخرى جديدة إلى السجل الرسمي للمستوطنات.

ولتمويل هذا التوسع، خصصت الحكومة الإسرائيلية 2.7 مليار شيكل (نحو 830 مليون دولار أمريكي) في موازنة البنية التحتية والإسكان لعام 2025. وقد وجهت هذه الأموال لبناء المستوطنات، وشبكات الخدمات، والطرق الالتفافية، وإجراءات التخطيط، في إطار استثمار حكومي منظم ومقصود يهدف إلى ترسيخ الاستيطان، وليس إنفاقا تنمويا محايدا.

وبالتوازي مع الاعتراف الرسمي بالمستوطنات، وثقت منظمات فلسطينية إقامة نحو 145 بؤرة استيطانية غير مرخصة منذ عام 2023، من بينها نحو 80 بؤرة في عام 2025 وحده. وغالبا ما أقيمت هذه البؤر على أراضٍ فلسطينية خاصة، وسرعان ما حصلت على بنى تحتية كشبكات المياه، والطرق، والأسوار الأمنية، في ظل تساهل أو غض طرف من السلطات.

وفي عدة حالات، دخلت بؤر بدأت كمخيمات مؤقتة مسارات تخطيط تهدف إلى شرعنتها بأثر رجعي. ولم يظهر هذا النمط في القدس الشرقية، حيث يتم التوسع الاستيطاني بشكل شبه حصري عبر التخطيط البلدي الرسمي.

بين عامي 2023 و2025، وثق أكثر من 8250 اعتداء نفذه مستوطنون في الضفة، أسفرت عن مقتل أكثر من 60 فلسطينيا، وإصابة الآلاف، وإلحاق أضرار واسعة بالمنازل والأراضي الزراعية وسبل العيش

  • تعزيز الاستثمار في البنية التحتية والمناطق الصناعية

استند التوسع الاستيطاني خلال هذه الفترة إلى إنفاق عام واسع النطاق. ففي الضفة الغربية، خصصت السلطات الإسرائيلية مليارات الشواكل لشق وتحديث الطرق بهدف تعزيز الربط بين المستوطنات.

وشملت أبرز المخصصات: ملياري شيكل للطريق رقم 60 والطريق الالتفافي حول حوارة، و361 مليون شيكل للطريق رقم 45 بمحاذاة القدس الشرقية، و366 مليون شيكل لطرق تخدم مستوطنة بيت إيل، إضافة إلى تمويل طرق التفافية قرب الفندق وقلقيلية وسلفيت. وقد أعطت هذه المشاريع الأولوية لحركة المستوطنين وربطهم بإسرائيل، مع تجاوز البلدات والقرى الفلسطينية.

إعلان

كما أصبحت المناطق الصناعية ركيزة أساسية في الاقتصاد الاستيطاني. إذ تعمل مناطق مثل شعار بنيامين، وبركان الصناعية، ومشور أدوميم، ونحو 20 منطقة أخرى مماثلة، على أراضٍ صودرت أو أعيد تصنيفها بموجب سياسات استيطانية، وتستضيف شركات إسرائيلية ودولية في مجالات التصنيع والخدمات اللوجيستية والتجارة.

ورغم أن هذه المناطق توفر فرص عمل محدودة لبعض الفلسطينيين، فإنها مندمجة في الاقتصاد الإسرائيلي، وتستفيد من بنى تحتية وخدمات حكومية، وتعزز تبعية الفلسطينيين لأنظمة اقتصادية يسيطر عليها الاستيطان.

وفي القدس الشرقية، أدرجت الاستثمارات في البنية التحتية ضمن الموازنات البلدية دون تصنيفها صراحة كنفقات استيطانية. وقد وسعت الطرق الدائرية، والأنفاق، ومشاريع النقل التي تربط أحياء استيطانية مثل راموت وجفعات زئيف بمركز القدس وإسرائيل، الامتداد الوظيفي للمدينة، في الوقت الذي زادت فيه عزلة الأحياء الفلسطينية.

  • الآثار والتراث كأدوات لإعادة تصنيف الأراضي والاستيلاء عليها

منذ عام 2023، وسعت السلطات الإسرائيلية بشكل ملحوظ استخدام سياسات الآثار والتراث كأداة للسيطرة الإقليمية في الضفة الغربية. فقد جرى تصنيف ما لا يقل عن 63 موقعا أثريا كمواقع تراث إسرائيلية، وإدراج أكثر من 2400 موقع ضمن أطر التراث والسياحة الإسرائيلية.

وبالتوازي، خصص نحو 4600 دونم من الأراضي في محيط سبسطية لتطويرات أثرية، ما قيد وصول الفلسطينيين واستخدامهم الأرض. وفي عام 2025، تعزز هذا المسار عبر تخصيص 40 مليون شيكل من التمويل الحكومي بهدف تدعيم السيطرة الإسرائيلية على مواقع الآثار والتراث في الضفة الغربية.

  • عنف المستوطنين، الهدم، والتهجير

ترافق التوسع الاستيطاني مع تصاعد حاد في عنف المستوطنين. فبين عامي 2023 و2025، وثق أكثر من 8250 اعتداء نفذه مستوطنون في الضفة الغربية، أسفرت عن مقتل أكثر من 60 فلسطينيا، وإصابة الآلاف، وإلحاق أضرار واسعة بالمنازل والأراضي الزراعية وسبل العيش.

وخلال الفترة ذاتها، هدمت السلطات الإسرائيلية نحو 4 آلاف منزل ومنشأة فلسطينية في الضفة الغربية، ما أدى إلى تهجير أكثر من 6800 شخص، قرابة نصفهم من الأطفال. ورغم أن عدد عمليات الهدم في القدس الشرقية كان أقل نسبيا (709 منازل ومنشآت فلسطينية، وتهجير أكثر من 1700 شخص)، فإن السكان الفلسطينيين هناك واجهوا سياسات ممنهجة لرفض تصاريح البناء، ما جعل شرائح واسعة عرضة للتهجير القسري.

شكل يونيو/ حزيران 2023 نقطة تحول مركزية مع إلغاء شرط موافقة وزير جيش الاحتلال على مراحل دفع مخططات البناء الاستيطاني، الأمر الذي أزال قيدا سياسيا أساسيا كان يحد من وتيرة التوسع

إعادة هيكلة الإدارة المدنية ورسم خريطة الأوامر الإدارية والتغييرات التنظيمية

منذ تولي الحكومة اليمينية المتطرفة مهامها في نهاية عام 2022، أدخلت سلسلة من التغييرات القانونية والتنظيمية والإدارية تحت سلطة بتسلئيل سموتريتش، أسهمت في إعادة تشكيل أنماط عمل الإدارة المدنية في الضفة الغربية بما يخدم التوسع الاستيطاني.

وقد نفذت هذه التغييرات عبر أوامر عسكرية وقرارات حكومية وتوجيهات إدارية، وأدت إلى نقل الصلاحيات في المنطقة (ج) من أطر الحكم العسكري إلى جهات وأطر مدنية منسجمة مع مصالح المستوطنين.

وشكل يونيو/ حزيران 2023 نقطة تحول مركزية مع إلغاء شرط موافقة وزير جيش الاحتلال على مراحل دفع مخططات البناء الاستيطاني، الأمر الذي أزال قيدا سياسيا أساسيا كان يحد من وتيرة التوسع. وتبع ذلك تسارع إضافي في أواخر عام 2024، حين بدأت اللجنة العليا للتخطيط في الإدارة المدنية بالانعقاد أسبوعيا بعد أن كانت تجتمع في السابق أربعة اجتماعات سنويا.

وبمجموعها، أسهمت هذه الإجراءات الجديدة في تطبيع البناء الاستيطاني بوصفه ممارسة إدارية اعتيادية، وتسريع وتيرته وتوسيع نطاقه في مختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتتلخص بالتالي:

الأوامر الإدارية والصلاحيات الجديدة

  • نقل صلاحيات التخطيط وإدارة الأراضي والتنفيذ من جيش الاحتلال إلى مسؤولين مدنيين خاضعين لسموتريتش.
  • إعادة توجيه عملية اتخاذ القرار في الإدارة المدنية نحو موظفين مدنيين مؤيدين للاستيطان.
  • توسيع صلاحيات إعلان "أراضي الدولة" وتسريع تسجيل الأراضي في المنطقة (ج).
إعلان

تطويع إجراءات التنظيم والتخطيط

  • إلغاء متطلبات المصادقة السياسية (وزير الدفاع) في مراحل التخطيط الاستيطاني.
  • تسريع المصادقات على مشاريع الإسكان والبنية التحتية الاستيطانية.
  • شرعنة البؤر الاستيطانية ومنحها صفة قانونية بأثر رجعي.

إعادة مأسسة منظومة الاستيطان

  • إنشاء "إدارة الاستيطان" داخل وزارة الدفاع تحت إشراف سموتريتش.
  • دمج المستوطنات في أنظمة الحكم المدني الإسرائيلي (الموازنات، البنية التحتية، الخدمات).
  • الاعتراف بمستوطنات جديدة ورفع مكانة البؤر الاستيطانية إلى مستوطنات مستقلة.
  • الانتقال من إدارة احتلال عسكري إلى إدارة مدنية شبيهة بالسيادة في المنطقة (ج).

تمثل هذه التطورات خطوة منهجية لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية، مما يقوض بشكل مباشر إمكانيات التواصل الجغرافي ويضعف أي أفق لحل سياسي قائم على حل الدولتين

تظهر البيانات الكمية للفترة 2023-2025 أن التوسع الاستيطاني الإسرائيلي عمل كنمط منظم للحكم، وليس كسلسلة قرارات إدارية معزولة. فقد أسهمت المصادقة على أكثر من 100 ألف وحدة سكنية، والاعتراف بعشرات المستوطنات، واستثمار مليارات الشواكل في البنية التحتية، والتمويل الموجه للآثار، وإعادة تصنيف مساحات واسعة من الأراضي، واستمرار عنف المستوطنين، في إعادة تشكيل المشهدين: المكاني والديمغرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

تمثل هذه التطورات خطوة منهجية لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأرض الفلسطينية، مما يقوض بشكل مباشر إمكانيات التواصل الجغرافي ويضعف أي أفق لحل سياسي قائم على حل الدولتين.

لذلك، لا يمكن النظر إلى التوسع الاستيطاني في هذه الفترة على أنه مجرد قضية إدارية، بل هو مشروع سياسي وإستراتيجي متكامل يهدف إلى تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي بشكل دائم، وإعادة صياغة المشهد الفلسطيني بما يخدم المصالح الاستيطانية ويقيد قدرة الفلسطينيين على تقرير مستقبلهم الوطني.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان