ربحت غزة.. وخسر العالم

خرّجت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، الخميس، 168 طبيبًا وطبيبة حاصلين على شهادة "البورد الفلسطيني". جاء ذلك خلال حفل أُقيم داخل باحات مجمع الشفاء الطبي الذي دمرته حرب الإبادة الإسرائيلية غرب مدينة غزة، في مشهدٍ عكس إصرار الكوادر الطبية رغم الحرب والدمار الذي طال القطاع الصحي. ( Saeed M. M. T. Jaras - وكالة الأناضول )
وزارة الصحة في قطاع غزة تخرج 168 طبيبا وطبيبة حاصلين على شهادة "البورد الفلسطيني" داخل باحات مجمع الشفاء الطبي (وكالة الأناضول)

لقد توارث أهل غزة المقاومة بكل طرقها المختلفة، كما لو أنها ميراث الدم والذاكرة، لا خيار مؤقت ولا نزوة عابرة. لم تتح لهم رفاهية العيش بأريحية، ولو لوقت قصير، ولم يعرفوا طعم الاطمئنان يوما، كانوا دائما على أهبة الخسارة، متأهبين للطعنات، كأنهم ولدوا على الحافة، وعاشوا فيها، وتعلموا كيف يقفون دون أن يسقطوا.

ينتظرون الموت وكأنه صاحب المكان وهم الضيوف. لا يفزعهم قدومه، ولا يبدون دهشة حين يطرق الأبواب. يحملون أرواحهم بين أيديهم، ويقدمونها دائما بطيب نفس لوطنهم، ذاك الوطن الذي تخلى عنه العالم أجمع، ولم يتخلوا عنه يوما. وطن جريح، مثخن بالخذلان، لكنه ظل لهم المعنى الوحيد الذي يستحق البقاء.

رغم وحدته، ظلوا متمسكين به. ورغم الخراب الذي طاله، بقوا ليؤنسوا وحشته. لم يتركوه وحيدا في مواجهة السماء المفتوحة والنار النازلة، بل وقفوا حوله كالسور الأخير. أناس عاشوا بكرامة، لا لأن الظروف سمحت، بل لأنهم قرروا ذلك، وماتوا بشرف، لا لأن الموت اختارهم، بل لأنهم اختاروا ألا يساوموا.

ربحت غزة لأنها بقيت، ولأنها لم تنحنِ، ولأنها قالت "لا" حين كان العالم كله يقول "ليس الآن" وربما لهذا السبب بالتحديد،

ربحت غزة.. وخسر العالم

لقد خسر العالم وربحت غزة. ربحت غزة رغم الدمار والحصار والتجويع، وربحت لأنها لم تفقد بوصلتها الأخلاقية، ولم تساوم على دمها. وخسر العالم رغم بطنه الممتلئة وحريته المطلقة، لأنه اختار الصمت حين كان الصراخ واجبا. ربحت غزة رغم الصراخ والدم والدموع، وخسر العالم رغم الضحكات وحفلات الترفيه والأمان، لأنه آثر العيش بعيدا عن الحقيقة.

ربحت غزة شهداء دافعوا عنها بشرف، لم يكونوا أرقاما في نشرات الأخبار، بل أسماء محفورة في الذاكرة، ووجوها تشبه الأرض التي سقطوا عليها. ربحت أبطالا سيخلدهم التاريخ، لا لأنهم انتصروا بالسلاح وحده، بل لأنهم انتصروا على الخوف. وربحت أصواتا سيظل صداها يتردد إلى الأبد، في الأزقة، وفي الدعاء، وفي ضمير من لم يمت تماما.

إعلان

وخسر العالم أبطالا لن يتكرروا، وأطفالا بأحلام كبيرة كانت تريد فقط أن تكبر. خسر هذا العالم فرصته الأخيرة في تبرئة اسمه الملطخ بالدماء، ويديه اللتين تخبئان الخبز خلف ظهره، بينما يراقب الجوع وهو يفتك بالضحايا. خسر ادعاءه الإنسانية، وخسر مرآته حين رفض أن ينظر فيها.

خسر العالم بحقده على أطفال ونساء وشيوخ أبرياء، لم يرغبوا بأكثر من حياة، مجرد حياة. لم يطلبوا بطولات ولا أساطير، بل سقفا آمنا، وسماء أقل قسوة، ويوما لا يبدأ بالخوف ولا ينتهي بالفقد.

ربحت غزة لأنها بقيت، ولأنها لم تنحنِ، ولأنها قالت "لا" حين كان العالم كله يقول "ليس الآن". وربما لهذا السبب بالتحديد، ربحت غزة.. وخسر العالم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان