- مشهد الإذلال الذي تجاوز فنزويلا
لم يكن المشهد الصادم لتقييد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو حدثا عابرا يمكن التعامل معه بوصفه "سوء تقدير" أو "خطأ بروتوكوليا"، بل كان فعلا سياسيا بامتياز، محسوبا في توقيته، ومضبوطا في رسائله، وممتلئا بالإيحاءات التي تتجاوز حدود فنزويلا ليطال جغرافيا أوسع بكثير.
ففي زمن تدار فيه الهيمنة بالقوة الناعمة والخشنة في آن واحد، يصبح الإذلال أداة سياسية، وتتحول الإهانة إلى لغة تخاطب بها القوى العظمى خصومها وحلفاءها معا.
إن ما جرى في كاراكاس لا يمكن عزله عن حالة التوتر العالمي الراهن: صعود قوى جديدة، تراجع نسبي للهيمنة الأميركية، وتشكل جبهات إقليمية تعيد رسم توازنات القوة في الشرق الأوسط، وآسيا، وأميركا اللاتينية. وفي قلب هذا كله تقف إيران، دولة تحت حصار شديد، وتحت مراقبة دائمة، وفي مرمى الرسائل المباشرة وغير المباشرة.
الضغط الذي تتعرض له إيران اليوم، عبر الحصار والعقوبات والتشويش الداخلي، يهدف في جوهره إلى خلق بيئة مشابهة لتلك التي سبقت انهيار فنزويلا اقتصاديا واجتماعيا
الإذلال كرسالة إستراتيجية
في عالم السياسة الدولية، لا يستخدم كل سلوك من أجل غايته الظاهرة فقط، فبعض الأفعال تنفذ لتُرى، وبعض المشاهد تلتقط لتصنع أثرا يفوق مفعول الضربة العسكرية.
إن تصوير رئيس دولة وهو مقيد اليدين، يساق كما يساق الخارجون على القانون، لم يكن يحتاج إلى كلمات. الصورة وحدها كافية لتقول ما يلي:
هذه هي كلفة التمرد على الهيمنة، وهذه هي نهاية من يتحدى النظام الدولي القائم، وهذه هي النتيجة التي تنتظر كل من يحاول رفع رأسه ولو قليلا فوق الخط الأحمر الأميركي.
من هنا تصبح حادثة فنزويلا أكثر من مجرد اعتقال، إنها رسالة ردعية عالمية صيغت بعناية، ووجهت إلى كل دولة تعتقد أنها قادرة على مقاومة العقوبات أو الإفلات من العقاب، أو تجاوز ما يسمى "الحدود المسموح بها".
لماذا إيران تحديدا؟
إيران ليست مجرد دولة في نظر صانعي القرار الأميركي، بل هي عقدة إستراتيجية ممتدة عبر مساحات النفط والتجارة والمضائق والحدود الملتهبة. إنها دولة صمدت أمام الحصار، وواجهت ضغوطا اقتصادية وسياسية وأمنية على مدى عقود، ولم تنحنِ كما كان متوقعا لها.
ولذلك، حين تهتز فنزويلا، وهي دولة نفطية محاصرة، بهذا الشكل، فإن الرسالة تقرأ في طهران قبل أي مكان آخر: التحدي مكلف، والصمود له سقف، وما حدث لمادورو قد يتكرر مع أي قائد يعتقد أن بإمكانه تجاهل التهديدات.
إن الضغط الذي تتعرض له إيران اليوم، عبر الحصار والعقوبات والتشويش الداخلي، يهدف في جوهره إلى خلق بيئة مشابهة لتلك التي سبقت انهيار فنزويلا اقتصاديا واجتماعيا. وعندما تصل الدولة إلى مرحلة شلل اقتصادي وتآكل سياسي وصراع داخلي حاد، تصبح قابلة للاختراق. ومن هنا يبدأ "نموذج فنزويلا" في التفاعل.
حين يرى العالم رئيس دولة مقيدا، فإن الرسالة تتجاوز حدود الجغرافيا: لا ترفع رأسك، ولا تعترض، ولا تقاوم، لأن العاقبة قد تكون مشابهة
الحصار كأداة تمهيدية لاختطاف الدولة
الحصار ليس مجرد عقوبة اقتصادية، بل هو فعل مركب: يضغط على العملة الوطنية، ويرهق الأسواق، ويكسر الروح العامة، ويخلق بيئة غضب داخلية، ويضعف الثقة بين الشعب والسلطة، ويفتح الباب أمام تدخلات خارجية مباشرة وغير مباشرة.
وكلما ضعف الداخل، أصبح الخارج قادرا على فرض "حلول جاهزة"، تبدأ من تقييد القرار السياسي ولا تنتهي عند إمكانية الإطاحة بقادة النظام بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
ولذلك، يمكن القول إن الاختطاف السياسي يبدأ قبل الاختطاف الجسدي، فهو يبدأ عندما تصبح الدولة مكشوفة، وعندما تفقد أدوات الردع، وعندما يتحول الحصار إلى خنجر ينهك الداخل من دون أن يسقطه. وفي هذه الحالة يصبح كل شيء ممكنا، بما في ذلك السيناريوهات المتطرفة التي تبدو اليوم بعيدة.
هل يجرؤ الأميركيون على هذا السيناريو؟
هذا السؤال مشروع، لأن إيران ليست فنزويلا، وتمتلك قدرات عسكرية وذراعا إقليمية واسعة لا يمكن تجاهلها. لكن الرد لا يتعلق بالقوة العسكرية فقط، بل بالتوقيت والظروف الدولية والضغوط الداخلية.
في عالم لا تعود فيه القوانين الدولية فاعلة، يصبح الخطف السياسي رسالة، ويصبح الإذلال منهجا، وتصبح الصور لغة، وتتحول الإجراءات التي كانت تعد خطوطا حمراء إلى أدوات ضغط يومية.
وحين يرى العالم رئيس دولة مقيدا، فإن الرسالة تتجاوز حدود الجغرافيا: لا ترفع رأسك، ولا تعترض، ولا تقاوم، لأن العاقبة قد تكون مشابهة.
وهنا تكمن خطورة الصمت الدولي، فالسكوت عن هذا النوع من الانتهاك، الذي يمس سيادة الدول ورموزها، هو في حد ذاته مساهمة في ترسيخ سابقة خطيرة قد تتكرر في أي مكان، ضد أي دولة، وفي أي لحظة.
ما حدث في فنزويلا لا يحمل دلالات محلية بقدر ما يفتح الباب لأسئلة كبرى: أكان ذلك مجرد حادث، أم رسالة عالمية؟ وهل يمكن أن يكون مقدمة لسلوك مشابه تجاه دول أخرى، وعلى رأسها إيران؟
إيران بين الصمود والتحذير
إيران ليست دولة يمكن إخضاعها بسهولة، لكنها أيضا ليست في منأى عن الضغوط. فالحصار يشتد، والأزمات تتراكم، ومحاولات الاختراق الداخلي تتكاثر، والإقليم كله على فوهة بركان. وهذا يجعل الرسائل التي وجهت عبر "النموذج الفنزويلي" ذات تأثير مضاعف.
إن قراءة المشهد بحدوده الواقعية تكشف أن ما جرى في فنزويلا ليس مجرد حادث، بل هو صفارة إنذار كبرى. إنها رسالة تقول للدول المحاصرة: قد يأتي الدور عليكِ إذا اهتزت الأرض تحت أقدامكِ، وقد تمارس ضدك أشكال من العقاب الرمزي والسياسي تتجاوز العقوبات التقليدية.
في عالم يتآكل فيه القانون الدولي، وتختلط فيه القوة بالشرعية، وتدار العلاقات بمنطق الغاب، يصبح الإذلال السياسي أداة مثل السلاح تماما. وما حدث في فنزويلا لا يحمل دلالات محلية بقدر ما يفتح الباب لأسئلة كبرى: أكان ذلك مجرد حادث، أم رسالة عالمية؟ وهل يمكن أن يكون مقدمة لسلوك مشابه تجاه دول أخرى، وعلى رأسها إيران؟
إن الجواب يتوقف على قدرة الدول على الصمود، وعلى وعيها بأن ما حدث ليس نهاية، بل بداية مرحلة جديدة، تدار فيها الصراعات بعقلية "الخطف" و"الإذلال" و"الضرب تحت الحزام".
وإذا كان العالم قد صمت عن حادثة فنزويلا، فإن الصمت نفسه يتحول إلى قبول، والقبول يتحول إلى قاعدة، والقاعدة تتحول إلى سابقة يمكن تكرارها، وربما في أماكن أكثر حساسية، وفي لحظات أشد خطورة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

