في مقال (دبلوماسية الرعب) كتبنا عن نهج الرئيس الأميركي جو بايدن في التعامل مع الحرب في غزة، وكيف أن الدعم العسكري للاحتلال كان حاضرا جنبا إلى جنب مع الزيارات المكوكية لوزير خارجيته أنتوني بلينكن، من خلال ضخ مئات الأطنان من الأسلحة والذخائر للاحتلال، بالتزامن مع حديث عن حل الأزمة في غزة.
الدبلوماسية الأميركية أثبتت حينها أن ظاهرها الرحمة، وباطنها من قبلها حاملات الطائرات الأميركية وآلاف الجنود، لإرسال رسالة يثبت بها المؤيدون لإفناء المقاومة الفلسطينية، وتهديد المعارضين لمشروع الغرب في زرع كيان يحافظ على مصالحه في نهب ثروات الأمة.
تبدأ الأزمة من عام 2018، بعد أن أعيد انتخاب مادورو، وهو ما علق عليه ترامب بأن الانتخابات مزورة، ودعم زعيم المعارضة ودعا لأن يكون رئيسا مؤقتا لفنزويلا
في تحديثات الجيل الأخير للدبلوماسية الأميركية، عدلت الإدارة الأميركية النهج الدبلوماسي من دبلوماسية "الرعب" إلى دبلوماسية "القهر" والإذلال، بعد تعامل الرئيس الأميركي مع الأزمة التي افتعلها مع جاره في القارة الجنوبية نيكولاس مادورو، واتهامه بالاتجار في المخدرات، والتصعيد معه بقصف قوارب قال ساكن البيت الأبيض إنها تحمل المخدرات إلى بلاده، في حين قال صاحب القوارب إنها تحمل مهاجرين غير شرعيين.
وقبل يومين، مد يد العون لمكافحة الاثنين -المخدرات والهجرة غير الشرعية- مع من يتهمه، ليبطل السحر ويعتق رقبته وبلاده من خلفه من تداعيات لاحت في الأفق، ولعلها دونت في تقارير مخابراته التي قدمت له قبل أن يسبق السيف العذل.
لأن المواقف والقرارات في أميركا لا تمشي عبثا ولا تبعا لهوى الحاكم ومزاجه اليومي، كما هو الحال في بلادنا، فإليك عزيزي القارئ سردا زمنيا سريعا للأزمة التي انتهت بخطف قوات دلتا الأميركية للرئيس الفنزويلي "المنتخب" نيكولاس مادورو.
تبدأ الأزمة من عام 2018، بعد أن أعيد انتخاب مادورو، وهو ما علق عليه ترامب بأن الانتخابات مزورة، ودعم زعيم المعارضة ودعا لأن يكون رئيسا مؤقتا لفنزويلا، وهو ما رفضه مادورو بالقطع. فبدأت سردية اتجار مادورو في المخدرات وإدارته أكبر شبكة لتهريبها في الأميركتين.
وبعد انتخاب ترامب في ولايته الثانية، وتحديدا العام المنصرم، أعاد ترامب فتح ملف مادورو مع تصعيد عسكري بقصف القوارب والسفن الفنزويلية، والتعزيزات العسكرية باتجاه شواطئ فنزويلا.
في الثالث من يناير/كانون الثاني من عام 1990، قامت قوات دلتا، وهي نفس القوات التي اختطفت مادورو، بعملية مشابهة..، ولكن هذه المرة في بنما، وبمساندة قوات المشاة المحمولة جوا باختطاف الرئيس البنمي مانويل أنطونيو نورييغا
كرد فعل غريزي، بدأ الرئيس الفنزويلي في الحشد الجماهيري المشبع برفض الإمبريالية، لمقاومة أي عمل عسكري محتمل ضد بلادهم، بعد أن صعدت أميركا من تهديداتها العسكرية، والتي وصلت إلى حد توجيه الجيش الأميركي ضربات على أهداف برية في فنزويلا، وفق حملة أوسع في نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي.
لتنتهي في الثالث من يناير/كانون الثاني الجاري بعملية مخابراتية عسكرية، باختطاف الرئيس مادورو وزوجته من منزلهما أثناء نومهما، وحملت العملية اسم (Operation Absolute Resolve)، وبالعربية (عملية العزم المطلق). هذا الاسم الهوليودي يمكن منه، عزيزي القارئ، أن تقرأ عقلية المخطط والمنفذ وواضع الرؤية العامة للسياسات الأميركية.
في الثالث من يناير/كانون الثاني من عام 1990، قامت قوات دلتا، وهي نفس القوات التي اختطفت مادورو، بعملية مشابهة لما حدث في فنزويلا، ولكن هذه المرة في بنما، حيث قامت قوات دلتا بمساندة قوات المشاة المحمولة جوا باختطاف الرئيس البنمي مانويل أنطونيو نورييغا.
والعجيب ليس فقط في تصادف التاريخ، وإنما أيضا في الاتهامات. ولا نستبعد أن تكون العملية في فنزويلا قد أجلت لتوافق نفس يوم اعتقال نورييغا، فالعقلية الأميركية تسمح بهذه المساحات.
ترامب أكمل مسيرة بايدن في غزة واختطف الرئيس الفنزويلي، في تثبيت عقيدة مونرو وتطوير دبلوماسية القهر الأميركي وعجرفتها، من أجل سرقة مقدرات الشعوب ومصادرة حقها في التمتع بخيراتها
رد فعل الأمم المتحدة مع حادثة اختطاف رئيس دولة منتخب من مقر إقامته في كراكاس لم يختلف كثيرا عن رد فعلها مع سلفه البنمي، حيث أعلنت أن التدخل الأميركي يثير "سابقة خطيرة" تنتهك سيادة الدول. ويبدو أن ذاكرة المنظمة الدولية ضعيفة، لأنه نفس التصريح الذي صدر عام 1990.
فالفاعل مستمر ويطور من نفسه، والمنظمة الدولية، التي أسست من أجل حفظ السلم والأمن الدوليين والحفاظ على سيادة الدول الأعضاء، لا تزال تمشي في المكان وتظن أنها تتقدم، والحقيقة المرة أنها تتقدم في السن لدرجة الهرم، وعدم القدرة على إيقاف دبلوماسية القهر التي باتت تنتهجها أميركا، بمباركة مبطنة من دول الإمبريالية العالمية السابقة، والتي ويا للعجب باتت تحت سوط الكاوبوي الأميركي!
من منطلق عقيدة مونرو التي تأسست عام 1823، تعامل بايدن مع أزمة غزة، ومنها تحرك ترامب مع فنزويلا، وبين هذا وذاك ومن قبلهما ريغان في دعم قوات "الكونترا"، وبوش الأب في اختطاف الرئيس البنمي نورييغا، وبوش الابن الذي قتل مليوني عراقي أثناء غزوه بحجج كاذبة، وأوباما في هندسة ودعم الثورات المضادة للربيع العربي، وحديث عن ضلوعه في محاولة انقلاب تركيا، وبايدن الذي دعم عملية الإبادة الجماعية في غزة، وأخيرا ترامب الذي أكمل مسيرة بايدن في غزة واختطف الرئيس الفنزويلي، في تثبيت عقيدة مونرو وتطوير دبلوماسية القهر الأميركي وعجرفتها، من أجل سرقة مقدرات الشعوب ومصادرة حقها في التمتع بخيراتها.. انتفض وقاطع.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

