هكذا أحتفي بالعام الجديد!

blogs تأمل
الكاتب: يبدو هذا التواري اختيارا لا هروبا وأخذا بمساحة آمنة مع نفسه لأنه يدرك أن الصمت أبلغ من الكلام (مواقع التواصل)

ينتهي عام، وقد مضت فيه أعمارنا، والأشياء فينا تغيرت لحظة بعد لحظة، والواقع لن يكون كما قبل. تغادر أشياء وتأتي أخرى. وبعدما أمضينا الشهور والأيام والساعات والدقائق والثواني، فلم نعد مثل ما كنا عليه قبل. نحاول عند منتهى العام أن نعيد مسار حكايتنا وذاكرتنا التي اندثرت في طيات الزمن، وتصميم ما ضاع منا، آملين ألا يولد بعد الخسارة والانكسار إلا الخير.

في تلك اللحظة سرعان ما كانت الأقلام تدون ما تبقى من أطلال ذاكرتنا لتمنح الغياب والرحلة اسما، وتبقي للخذلان والخيبة أثرا لا يبتلعه الزمن.

هذا هو حال الغرباء الذين يغربون أجسادهم وأفكارهم عن صخب الدنيا وانشغالها الخادع، لأنهم أدركوا أن الصمت وتبصر الواقع بالكتابة في زمان عمّت فيه الخيبة، أفضل وأصدق حالة. ولعلني أتوه وأستغرق في هذا الموقف الهادئ.

عند مفترق الطرق أصمت متحيرا برغبة تعيدني، رغم تمزقي، إلى محطة أعرف أنها لن تفضي إلى شيء سوى مزيد من الانحدار. هذا الذي شعرت به طيلة هذا العام الغارب الهادئ

عام الغربة

أنا أهوى الغربة والانعزال عن الحياة الصاخبة، حيث أجلس وحدي في زاوية الحجرة، وفنجان الشاي ولفافة دخان بجانبي، مع الكتب المتراكمة وشعلة تظهر من شاشة الحاسوب.

هذا العام عام الغربة والانعزال، أنعزل عن كل الحاجات المتعبة التي كلفتني أن أتصرف بملامح ليست حقيقية لأقنع أناسا لم يكن يخطر في بالهم شيء. أختار الغربة ليس لأني خائف وجبان، بل لأعود إلى الحياة ثانية، وعلى يدي بشائر النصر والفرح.

سيرحل هذا العام والجميع رحل، لكن الوحيد الذي لن أعتبره رحيلا رغم غيابه هو خيالي عن ملامحك التي سيطرت علي حينا بعد حين.

أسميك أمنية تمنيتها منذ أعوام. ولربما لم يحصل لنا اللقاء، لكني لا زلت أتذكر تفاصيل ملامحك، حاضرة كأنها لم تغب، وصامتة لكنها تكلمت.

إياك والرحيل عن الخيال، فأنا في الغربة أهوى وأجرح في الوقت نفسه. قيل: "أحيانا الغربة ليست عن البلاد، بل عن الوجوه التي تألفها، عن الذي تهواه ولا تلتقي به بعد، وعن الأماكن التي لا تجد فيها نفسك إلا مكسورا".

إعلان

وإياك والرحيل كما رحلت الأعوام، فأنا ما زلت أحدق في ذلك الوجه الصافي من شرفة متهدمة، ترتجف خطواتي على حافتها، آملا أن الماضي سيعود، وأن البسمة التي أطفأت اغتمام الحياة من لحظة إلى أخرى ستغشى الفؤاد وتعم الأرجاء كما كانت.

غير أن تلك أمنية أحاطت بي بكرة وأصيلا. وأنا عند مفترق الطرق أصمت متحيرا برغبة تعيدني، رغم تمزقي، إلى محطة أعرف أنها لن تفضي إلى شيء سوى مزيد من الانحدار. هذا الذي شعرت به طيلة هذا العام الغارب الهادئ.

مع انطلاق عام جديد ستبدأ الأحداث الجديدة، وحكايات جديدة، وربما لم يكن في الحسبان أنها ستحدث. البعض يحتفي بالأغاني والرقص في المقاهي، ويتجالس زوجان متحابان يتبادلان أطراف الحديث فيها، ويعمد البعض إلى حبس الزمن بمقطع مصور يستعيد به مسيرة عام كامل من الأنشطة والأشغال، ويتسابق في كتابة الخطط التي سيقوم بها خلال العام الذي سيرحل قبل أن يودعه على فضاء مواقع التواصل الاجتماعي. ويجلس البعض عند شوارع المدن منتظرين ضجيج المفرقعات وتلألؤها في فضاء السماء، وكذا من تفاصيل السعادة الأخرى.

والبعض الآخر يختار لنفسه أن يعيش في مكان هادئ خالٍ من الأصوات المزعجة، ويتمتع بوحدته محاطا بشعور متبلبل وصراع نفسي لما صدر عنه في عام فائت.

وهذه عنده لحظة غير منسية، بما في نفسه راحة لا تنطق بالكلام وتصرف لا يفهمه إلا الأحباب. فيبدو هذا التواري اختيارا لا هروبا، وأخذا بمساحة آمنة مع نفسه، لأنه يدرك أن الصمت أبلغ من الكلام. فكانت أفعاله تفصح عنه دون صوت، حتى حين أحب، وغالبا ما يمضي أصحاب هذا الصمت في الغربة وحدهم بلا حبيب. وأقول منقولا: "سلاما على من يعرفون معنى الحب ولا يملكون حبيبا".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان