- فنزويلا بعد "صدمة السبت".. هل سقطت كاراكاس أم سقط النظام الدولي؟!
شكل فجر اليوم السبت الثالث من يناير/كانون الثاني 2026 لحظة فارقة في تاريخ كاراكاس المثقل بالأزمات، إذ تجاوزت واشنطن قواعد الاشتباك التقليدية والخطوط الحمراء المتعلقة بالسيادة الدولية، من خلال عملية عسكرية هجينة أفضت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو.
هذا التطور لا يمثل مجرد سقوط رأس السلطة في فنزويلا، بل يشكل زلزالا سياسيا يضع أميركا اللاتينية والعالم أجمع أمام حقبة جديدة من التدخلات المباشرة، التي ساد اعتقاد بأنها انتهت بانتهاء الحرب الباردة.
ومن خلال استعادة مشهد اعتقال "نورييغا" في بنما عام 1989، اختارت إدارة دونالد ترامب إنهاء حقبة مادورو بضربة خاطفة، مما يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل "الشرعية الدولية"؛ إذ إن استناد واشنطن إلى تهم جنائية لتبرير تدخل عسكري في دولة ذات سيادة يفتح الباب أمام تحويل القضاء المحلي الأميركي إلى سلطة عابرة للحدود تطارد القادة السياسيين حول العالم.
تجد فنزويلا نفسها اليوم أمام مسارين متباينين؛ فإما التوجه نحو انفراج سياسي وانتقال مدني تحميه المؤسسة العسكرية، أو الانزلاق نحو سيناريو الفوضى
إن العمليات العسكرية التي استهدفت قاعدة "فويرتي تيونا" ومرافق حيوية أخرى لم تكن تهدف فقط إلى شل قدرة الجيش الفنزويلي، بل حملت رسائل إستراتيجية موجهة إلى القوى الكبرى، وفي مقدمتها موسكو، وبكين، لتأكيد أن الهيمنة في النصف الغربي من الكرة الأرضية لا تزال حكرا على البيت الأبيض.
ورغم ترحيل مادورو مكبلا، فإنه يترك خلفه بلدا منقسما بين إرث "هوغو شافيز" القائم على النزعة القومية المناهضة للتدخلات الخارجية، وواقع اقتصادي متدهور حول فنزويلا الغنية بالنفط إلى ساحة للأزمات المعيشية والنزوح البشري.
يكمن التحدي الحقيقي اليوم في "فراغ السلطة" الذي خلفه غياب مادورو، ومدى قدرة المعارضة، بقيادة ماريا كورينا ماتشادو، على بناء شرعية وطنية جامعة بعيدا عن اتهامات التبعية للخارج، ومدى قبول المؤسسة العسكرية بتسليم مقاليد الأمور لخصوم الأمس.
العملية الأميركية، رغم نجاحها العسكري السريع، تظل أمام اختبار بناء الدولة، إذ إن إسقاط الأنظمة من الخارج نادرا ما يضمن استقرارا مستداما
تجد فنزويلا نفسها اليوم أمام مسارين متباينين؛ فإما التوجه نحو انفراج سياسي وانتقال مدني تحميه المؤسسة العسكرية ويفضي إلى انتخابات شفافة تنهي حقبة العقوبات، أو الانزلاق نحو سيناريو الفوضى، الذي تخوض فيه "المليشيا البوليفارية" حرب استنزاف طويلة، مستفيدة من تعقيدات الجغرافيا ودعم حلفاء النظام السابق، مما يحول البلاد إلى ساحة صراع بالوكالة بين الشرق والغرب.
إن العملية الأميركية، رغم نجاحها العسكري السريع، تظل أمام اختبار بناء الدولة، إذ إن إسقاط الأنظمة من الخارج نادرا ما يضمن استقرارا مستداما. وإذا لم تتدخل القوى الإقليمية لاحتواء التداعيات، فإن العاصفة التي انطلقت من كاراكاس قد تتجاوز حدودها لتهدد استقرار القارة بأكملها، ليكون العالم بذلك قد طوى صفحة مادورو، لكنه فتح فصلا جديدا من الغموض في "بلاد الشمس".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

