دمج قسد في سوريا: ماذا بعد الاتفاق؟

سوريا - دمشق - وصف اتفاق دمشق و"قسد" بأنه اتفاق تاريخي ويمهد لمرحلة جديدة في سوريا (الجزيرة)
التجربة السورية كما غيرها من تجارب الدول متعددة الهويات تؤكد أن إنهاء البعد المسلح لا يعني بالضرورة معالجة جذور الإشكال (الجزيرة-أرشيف)
  • سوريا بعد دمج قسد: قراءة إستراتيجية في مرحلة ما بعد الاتفاق

في خضم التحولات الكبرى التي عرفتها سوريا خلال السنوات الأخيرة، تتزايد النقاشات حول مآلات الدولة السورية في مرحلة ما بعد الصراع، ولا سيما مع بروز سيناريوهات سياسية جديدة تفترض نجاح مسار التغيير، وبروز قيادة مركزية جديدة تسعى إلى إعادة توحيد البلاد واستعادة وظائف الدولة.

ضمن هذا السياق الافتراضي-التحليلي، يكتسب ملف قوات سوريا الديمقراطية (قسد) أهمية خاصة، بوصفه أحد أعقد ملفات السيادة والسلاح والإدارة في سوريا المعاصرة، وأحد المفاتيح الأساسية لفهم تحديات بناء الدولة في مرحلة ما بعد الانقسام.

يفترض سيناريو دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية انتقال البلاد من مرحلة تعدد مراكز القوة إلى محاولة إعادة احتكار الدولة لاستخدام القوة المنظمة، وهو شرط أساسي في أدبيات بناء الدولة في مرحلة ما بعد النزاعات.

في هذا الإطار، لا يقرأ الاتفاق بوصفه انتصارا لطرف على آخر، بقدر ما يفهم كترجمة لتحول أوسع في موازين القوى، وضغط عسكري وسياسي دفع باتجاه تسوية تفضي إلى تفكيك الكيانات المسلحة ذات الطابع شبه المستقل.

بالنسبة للمسألة الكردية، فإن دمج قسد ينقلها من المجال العسكري إلى الحقل السياسي والدستوري، وهو انتقال بالغ الحساسية

من الناحية العسكرية، يمثل دمج "قسد" تحديا بنيويا للمؤسسة الدفاعية السورية، فالقضية لا تتعلق فقط بتسليم السلاح أو إعادة تصنيف المقاتلين، بل بإعادة بناء عقيدة عسكرية وطنية تتجاوز الولاءات المحلية والطائفية التي تشكلت خلال سنوات الصراع.

وتشير التجارب المقارنة في الدول الخارجة من الحروب الأهلية إلى أن فشل دمج التشكيلات المسلحة غالبا ما يعود إلى الإبقاء على وحدات متماسكة بهوياتها السابقة داخل الجيش، ما يحولها إلى مراكز قوة كامنة، بدل أن تكون جزءا من بنية وطنية موحدة.

على المستوى الإداري، تطرح مرحلة ما بعد الدمج سؤال العلاقة بين المركز والمناطق التي خضعت لسلطات أمر واقع لسنوات طويلة. فإعادة بسط مؤسسات الدولة في شمالي وشرقي سوريا لا يمكن أن تتم بمنطق الاستبدال الفوري، بل تتطلب مقاربة انتقالية تراعي الخصوصيات المحلية، وتحافظ على استمرارية الخدمات، وتستفيد من الخبرات الإدارية القائمة، ضمن إطار قانوني واضح يعيد ربط هذه المناطق بالمركز، دون إحداث صدمات اجتماعية أو اقتصادية.

إعلان

أما بالنسبة للمسألة الكردية، فإن دمج قسد ينقلها من المجال العسكري إلى الحقل السياسي والدستوري، وهو انتقال بالغ الحساسية. فالتجربة السورية، كما غيرها من تجارب الدول متعددة الهويات، تؤكد أن إنهاء البعد المسلح لا يعني بالضرورة معالجة جذور الإشكال.

المقاربة المستدامة تفترض الاعتراف بالتنوع الثقافي والاجتماعي ضمن إطار المواطنة المتساوية، وتجنب إعادة إنتاج سياسات الإقصاء أو التهميش التي أسهمت تاريخيا في تفجير الصراعات.

من منظور إستراتيجي وأكاديمي، لا يقاس نجاح أي اتفاق بقدرته على تسليم السلاح فقط، بل بمدى مساهمته في بناء شرعية جامعة

إقليميا، من شأن إنهاء الدور العسكري لـ"قسد" أن يعيد رسم توازنات شمالي سوريا، ويقلص منسوب التوتر مع دول الجوار، لا سيما ما يتعلق بالمخاوف الأمنية العابرة للحدود. غير أن هذا التحول يظل مشروطا بقدرة الدولة السورية على ملء الفراغ سياسيا وأمنيا، ومنع تحول المناطق المدمجة إلى ساحات تنافس غير مباشر بين قوى إقليمية ودولية عبر أدوات محلية جديدة.

خلاصة القول، إن مرحلة ما بعد دمج قسد، وفق هذا السيناريو التحليلي، تشكل اختبارا حقيقيا لفكرة الدولة السورية ذاتها: أستكون دولة قادرة على استيعاب نتائج الصراع، وتحويلها إلى عقد اجتماعي جديد، أم إنها ستكتفي بإغلاق ملف عسكري مع الإبقاء على أسبابه السياسية والاجتماعية؟

من منظور إستراتيجي وأكاديمي، لا يقاس نجاح أي اتفاق بقدرته على تسليم السلاح فقط، بل بمدى مساهمته في بناء شرعية جامعة، ودولة قادرة على إدارة التنوع وتحقيق الاستقرار على المدى الطويل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان