- في البحث عن أغطية زجاجات المياه الغازية!
- كيف استغل كورتيز سلطة الرجل الأبيض المطلقة لتنصيب نفسه إلها على الكونغوليين؟
من الأشياء التي حيّرتني منذ اليوم الأول لوصولي إلى الكونغو، مشهد الكونغوليين في طول البلاد وعرضها- وخاصة في العاصمة كينشاسا- وهم يسيرون وقد انحنت ظهورهم بزاوية 90 درجة، بمن في ذلك الشيوخ!
هذا المشهد اليومي جعلني أتساءل: هل ثمة عيب خلقي أصاب هذه الأجيال من الكونغوليين؟ أم إن الفقر الذي ورثوه منذ الاحتلال البلجيكي، والذي ورثته إياهم الأنظمة العميلة للمحتل نفسه، قد قصم ظهورهم بعد أن كسر أرواحهم؟
سألت أحد الأصدقاء، فكان رده صادما: "هؤلاء الكونغوليون ينحنون طوال الوقت بحثا عن أغطية زجاجات المشروبات الغازية والبيرة، إذ إن الشركات الغربية المصنّعة- وأكثرها بلجيكية- تضع في باطن أغطية الزجاجات علامات، وفي حال وجودها يدخل صاحبها سحبا على جائزة".
الإجابة أوضحت السبب، إلا أنها لم تبرر انحناء ملايين الكونغوليين بشكل يكاد يقصم ظهورهم، للعثور على أغطية زجاجات "كازوزة".
على مدار الشهور التالية، اعتدت هذا المشهد المؤلم، ورؤية الآلاف كل يوم وهم يسيرون في الشوارع منحنين، لدرجة أنني- ويبدو بالتأثير النفسي- بدأت شخصيا أشعر بآلام في ظهري.
الصادم هو أن الكهرباء في تلك الأيام كانت أرخص شيء في الكونغو، حتى إن أعلى استهلاك لكهرباء منزل لم تكن قيمته تتجاوز ما يعادل دولارا أمريكيا في الشهر
وفي يوم من صيف يوليو/تموز عام 2002، كنت أجلس مع صديق كونغولي تخرج في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر. كانت الأصوات الصادرة عن جهاز التلفزيون عالية، وتتراوح بين الصراخ والهتافات بلغة اللينغالا المحلية، التي أعرف منها مفردات محدودة.
سألت صديقي الكونغولي عن سبب هذه الجلبة، فقال: "هل تذكر ذلك المشهد الذي أدهشك عند وصولك إلى البلاد، بانحناء الكونغوليين باحثين عن أغطية زجاجات المشروبات الغازية والبيرة؟ هذا البرنامج الجماهيري مخصص لإعلان الفائزين بجوائز أغطية زجاجات الكازوزة".
انتبهت لمتابعة نتيجة هذا البحث الذي قصم ظهور الكونغوليين، ولأرى تلك الجوائز التي توقعتها ضخمة نظير هذا الجهد اليومي المضني. أعلن مقدم البرنامج، بحماس، اسم صاحب الجائزة الأولى، الذي قفز من بين الجمهور الحاضر في الأستوديو صارخا مهللا، وركض ليتسلم جائزته، وكانت عبارة عن مظروف.
سألت صديقي: هل داخل هذا المظروف شيك بمبلغ مالي كبير، إذ إن المظروف بدا شديد النحافة؟
جاء رد صديقي ساخرا، لكنه يقطر مرارة: "كلا يا عزيزي، فالمظروف بداخله قسيمة دفع قيمة استهلاك منزل صاحب الحظ السعيد من الكهرباء مدة شهر".
الصادم هو أن الكهرباء في تلك الأيام كانت أرخص شيء في الكونغو، حتى إن أعلى استهلاك لكهرباء منزل لم تكن قيمته تتجاوز ما يعادل دولارا أمريكيا في الشهر.
وعند هذه النقطة، لا أظنك، عزيزي القارئ، تهتم بمعرفة قيمة وماهية الجائزة الثانية، ناهيك عن الثالثة. لكن ما يهمك معرفته هو أن الكونغو أغنى دولة على وجه الكرة الأرضية، بما حباها الله من ثروات طائلة من جميع المعادن النفيسة.
يسأل مارلو مدير الشركة عن هوية الرسام، فيجيب: إنه كورتيز، مدير محطة أعالي نهر الكونغو و"رسول الرحمة والعلم والتقدم"، الذي جاء لينير هذا الجزء "المظلم المتخلف" من العالم
وقد سألت عالما في الفيزياء من جنوب أفريقيا عن ثروات الكونغو المعدنية، فقال: "هل تعلم ما هو جدول مندليف الذي يضم جميع المعادن المعروفة لنا في العالم؟ حسنا، فإن أرض الكونغو فيها مخزونات هائلة من جميع معادن جدول مندليف، إضافة إلى ثلاثة معادن اكتشفت في الكونغو أيضا، لكنها لم تصنّف حتى الآن لضمها إلى الجدول".
هذه الدولة، بهذا الثراء، والغالبية العظمى من شعبها يتسولون قوت يومهم، لا لعيب فيهم سوى أنهم أناس يفترض أنهم- كما يبدو من ظهورهم- باعوا أنفسهم للمحتل السابق والحالي كي يستمر في نهب الشعب. وهي المأساة المتكررة، لا في جميع دول أفريقيا فقط، وإنما في العديد من دول العالم الثالث.
عند هذا الحد، استحضرت ذلك المشهد من رواية "قلب الظلام"، وهو مشهد اللقاء الأول بين مارلو، الشخصية الرئيسية وراوي أحداثها، وبين مدير المقر الرئيسي لشركة "تجارة العاج" -أو بالأحرى "سرقة العاج"- في العاصمة ليوبولدفيل سابقا.
في ذلك المشهد، وقف مارلو متأملا لوحة في مكتب المدير، تصور فتاة بيضاء في منتصف العشرينيات من عمرها، مرفوعة الرأس بخيلاء، وتقتحم الظلام وقد أمسكت بيمينها شعلة. غير أن الشعلة التي حملتها الفتاة كانت تضيء وجهها فقط، دون محيطها الذي غرق في ظلام دامس!
فتاة اللوحة، في الواقع، كانت تنير الطريق لنفسها فقط، بينما تدعي أنها تنير طريق التقدم والتحضر للأفارقة، وأنها أدرى منهم بمصلحتهم، في حين أنها في الحقيقة تستعبدهم.
يسأل مارلو مدير الشركة عن هوية الرسام، فيجيب: إنه كورتيز، مدير محطة أعالي نهر الكونغو و"رسول الرحمة والعلم والتقدم"، الذي جاء لينير هذا الجزء "المظلم المتخلف" من العالم. وقد قصد كورتيز في لوحته أن تمثل تلك الفتاة أوروبا، و"دورها في نشر النور والحضارة في هذا العالم المظلم".
أدرك مارلو- وهو في الحقيقة الكاتب كونراد- أن كورتيز وصل إلى تلك البقعة من القارة بصفته "رسول الحضارة الأوروبية"، وهو يحمل قدرا هائلا من الاحتقار والعداء لما اعتبره "حضارة بدائية"
يروي مارلو كيف أنه، بعد رحلة رهيبة، وصل إلى محطة شركة العاج في أعالي نهر الكونغو كي يستجلي حقيقة مديرها، الذي ذاع صيته في الشركة وفي أوروبا بسبب قدرته على توريد العاج بكميات هائلة، تفوق ما لدى أقرانه من صائدي الأفيال.
وتصل المأساة إلى ما قبل الذروة بصدمة مارلو (كونراد) لقيام الأفارقة بمهاجمة سفينته، في محاولة لمنعها من الرسو في الميناء، ما دفعه إلى الاعتقاد بأن هؤلاء الأفارقة قتلوا كورتيز بسبب ما تردد عن قسوته ووحشيته في التعامل معهم، وهو ما اضطره إلى استخدام الأسلحة النارية للنزول إلى الشاطئ.
ويتصاعد مشهد ما قبل النهاية بالصدمة التي أصابت جوزيف كونراد، عند اكتشافه أن السر وراء مقاومة الأفارقة وعدم السماح له بالنزول إلى الشاطئ لم يكن أنهم قتلوا كورتيز، مدير المحطة، وإنما ليمنعوه من إجلائه، إذ إنه نصب نفسه إلها على هؤلاء الكونغوليين، الذين وجدوا ضالتهم في شخص مختلف عنهم، باعتبار أن الإله يجب أن يكون مختلفا.
ومن ثم، فقد عبد هؤلاء الأفارقة الرجل من دون الله، وكانوا يعتبرون قيامه باغتصاب فتياتهم الصغيرات بركة، وأن قتله من يشاء منهم قدر.
أدرك مارلو- وهو في الحقيقة الكاتب كونراد- أن كورتيز وصل إلى تلك البقعة من القارة بصفته "رسول الحضارة الأوروبية"، وهو يحمل قدرا هائلا من الاحتقار والعداء لما اعتبره "حضارة بدائية". بيد أنه سرعان ما انغمس فيها، بل ووقع عبدا في أسرها، بتنصيب نفسه إلها على هؤلاء الكونغوليين، الذين خضعوا له وقد خالطهم مزيج من مشاعر الرعب والحب والتقديس.
عند هذه اللحظة من سيرة الكاتب الذاتية، توحدت ظلمتا الرواية الرئيسيتان: ظلمة نهار الجلسة على نهر التايمز في قلب العاصمة البريطانية لندن أثناء سرد مارلو قصته، وظلمة نهار أحداث الرحلة التي تنتهي بظلام دامس، هو كل ما يراه القارئ. إنها الظلمة التي تتجاوز الجغرافيا إلى ظلمة النفس البشرية.
الرجل كان يرى أن الظلام الحقيقي هو ظلام القلوب في أوروبا، تلك الظلمة التي ألقت بأستارها على أفريقيا وأصحابها الأصليين
ويأتي مشهد النهاية المفجع، الذي يمثل لحظة الحقيقة لهذا الاحتلال الاستيطاني السرطاني الغربي، الذي ورثته مئات الأنظمة الدكتاتورية المحلية العميلة له نفسه. فعندما انحنى مارلو ليسأل كورتيز- الإله الأبيض المزيف- وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: هل لك في شيء؟ هل من رسالة ترغب أن أنقلها لمن يهمه أمرك في أوروبا؟ رد عليه كورتيز لاهثا بكلمة واحدة رددها ثلاث مرات: الرعب.. الرعب.. الرعب!
فعندما يحضر الموت، يرى الإنسان حياته كشريط سينمائي. كورتيز، في تلك اللحظات، كان يشاهد الجرائم التي ارتكبها من قتل واغتصاب وسرقة، وأخيرا تألهه على بشر لمجرد كونه مغايرا لهم في لون البشرة.
وهكذا يتم كونراد رواية سيرته الذاتية من خلال الشكل الدائري الذي ابتدعه للقص، والذي يعكس سرمدية القهر والفقر والاستعباد التي فرضها الرجل الأبيض على الآخر غير الأبيض. إذ بدأ بالحديث، على لسان مارلو، لزملائه البحارة وهم جلوس على نهر التايمز في لندن، عن شخصية كورتيز، مبعوث ظلام أوروبا، وانتهى أيضا بكورتيز المتأله في ظلام أفريقيا. وما بين البداية والنهاية، ظلمات فوق ظلمات.
كثيرون من النقاد أجمعوا على أن كونراد قصد بعنوان الرواية قارة أفريقيا، وقليلون مالوا إلى تفسير العنوان بأنه ظلام أوروبا. وفي الواقع، وبناء على معيشتي وعملي الصحفي في الكونغو، وتفاعلي مع الرواية منذ أن كنت صبيا، بدا لي واضحا ما قصده كونراد.
الرجل كان يرى أن الظلام الحقيقي هو ظلام القلوب في أوروبا، تلك الظلمة التي ألقت بأستارها على أفريقيا وأصحابها الأصليين. وكان كورتيز المتأله ذروة تجسيد ظلام أوروبا، التي استباحت الشر بزعم نشر "الحضارة"!
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

