لم يكن النفط في اليمن يوما مجرد مورد اقتصادي قابل للإدارة بعقل الدولة، بل تحول منذ اكتشافه إلى عنصر حاسم في معادلة السلطة والنفوذ. ومع غياب بنية سياسية تمثيلية ورقابية، أصبح هذا المورد جزءا من الصراع على الحكم أكثر من كونه رافعة للتنمية. هكذا تشكلت علاقة معقدة بين السياسة والاقتصاد والمجتمع، كان النفط محورها، والمواطن اليمني ضحيتها.
هذه العلاقة المعقدة لا تنحصر في أرقام الإنتاج أو العوائد المالية، بل تمتد لتشكل ديناميكيات اجتماعية وسياسية تعكس هشاشة الدولة وغياب منظومة متماسكة لإدارة الموارد الوطنية بشكل عادل وشفاف.
النفط، بدل أن يكون صمام أمان، أصبح نقطة هشاشة قاتلة. وهذا يوضح أن الاعتماد على النفط وحده لا يكفي لتحقيق استقرار الدولة، بل يزيد من هشاشتها إذا لم يصاحبه نظام حوكمة قوي وآليات رقابية فعالة
الجذور الأولى: نفط بلا دولة
بدأت ملامح الإشكال مع دخول اليمن نادي الدول المنتجة للنفط في ثمانينيات القرن الماضي، في ظل دولة ضعيفة المؤسسات، مركزية القرار، ومحدودة الشفافية. منذ البداية، لم يدر القطاع النفطي ضمن إطار وطني خاضع للمساءلة، بل كملف سيادي مغلق، تدار عوائده عبر دوائر ضيقة من النخب الحاكمة.
هذا النمط المبكر رسخ فكرة أن النفط ملك للسلطة لا للمجتمع، ووضع الأساس لتحويله لاحقا إلى أداة نفوذ سياسي. وقد لاحظ خبراء الاقتصاد السياسي أن هذه السيطرة المغلقة على الموارد ساهمت في تعزيز نموذج الدولة الريعية، حيث تصبح المناصب العامة وسيلة لتوزيع المكاسب الشخصية بدلا من خدمة التنمية الشاملة.
النفط والهيمنة السياسية
مع تعاقب الأزمات، لم يعد النفط مجرد مورد تمويلي، بل تحول إلى أداة سياسية تستخدم لإعادة توزيع القوة داخل الدولة. السيطرة على الحقول، والموانئ، وخطوط التصدير أصبحت وسيلة لفرض النفوذ أو تعطيل الخصوم.
في هذا السياق، غابت الدولة كوسيط محايد، وحضر النفط كوسيلة ابتزاز سياسي، سواء عبر التحكم بالإيرادات أو توظيفها لبناء شبكات ولاء. السياسة النفطية لم تصغ وفق رؤية وطنية، بل وفق موازين قوة متحركة، الأمر الذي يوضح أن إدارة النفط لم تكن مجرد قضية اقتصادية، بل عنصرا إستراتيجيا في صراع النفوذ، له انعكاسات مباشرة على الاستقرار السياسي والاجتماعي.
هشاشة الدولة تحت وطأة النفط
اقتصاديا، كرس الاعتماد شبه الكامل على النفط فشلا هيكليا في بناء اقتصاد متنوع. تحولت الدولة إلى كيان ريعي، تتآكل قدرته مع كل اضطراب في الإنتاج أو التصدير. سوء الإدارة، غياب الشفافية، وتسرب العوائد خارج الدورة الرسمية، كلها عوامل ساهمت في إضعاف المالية العامة، وانعكست مباشرة على العملة، والرواتب، والخدمات.
النفط، بدل أن يكون صمام أمان، أصبح نقطة هشاشة قاتلة. وهذا يوضح أن الاعتماد على النفط وحده لا يكفي لتحقيق استقرار الدولة، بل يزيد من هشاشتها إذا لم يصاحبه نظام حوكمة قوي وآليات رقابية فعالة.
في الحالة اليمنية، ترسخت قناعة عامة بأن النفط لم يعد أداة تنمية، بل وسيلة للهيمنة، الأمر الذي عمق الإحباط الجماعي ووسع المسافة النفسية بين المواطن والدولة، وجعل الحاجة إلى إصلاح شامل أكثر إلحاحا
النفط والإقصاء: انهيار الانتماء والولاء
غياب التمثيل السياسي حول المواطن اليمني إلى متفرج على ثروته الوطنية، بينما تنفرد النخب السياسية والعسكرية والقبلية بقرارات الاستكشاف والتصدير وتوزيع العوائد. هذا الإقصاء لم ينتج أزمة اقتصادية فحسب، بل خلف أثرا نفسيا واجتماعيا عميقا، إذ تآكل الشعور بالانتماء، وضعف الولاء للدولة، وتصاعد الإحساس بالمظلومية.
حسب تقارير مركز صنعاء للدراسات، هذا الفراغ السياسي أنتج شعورا عميقا بالمظلومية والإقصاء، وأضعف الولاء الوطني، حيث أصبح المواطن ينظر إلى الدولة كمصدر استغلال لا حماية. وتشير دراسات بحثية إلى أن الدول الريعية التي تدار مواردها دون مشاركة مجتمعية تعاني فجوة ثقة حادة بين السلطة والمجتمع، ما يكرس الاستقطاب الاجتماعي ويضعف مفهوم المواطنة.
في الحالة اليمنية، ترسخت قناعة عامة بأن النفط لم يعد أداة تنمية، بل وسيلة للهيمنة، الأمر الذي عمق الإحباط الجماعي ووسع المسافة النفسية بين المواطن والدولة، وجعل الحاجة إلى إصلاح شامل أكثر إلحاحا.
النفط ومستقبل اليمن: استعادة الثقة قبل العوائد
مستقبل النفط في اليمن لا يرتبط بحجم الاحتياطي أو عودة التصدير بقدر ما يرتبط بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. دون تمثيل سياسي حقيقي، وشفافية في إدارة الموارد، ومساءلة علنية للعوائد، سيبقى النفط عامل تفكك لا توحيد.
إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة تبدأ من حق المعرفة، وحق المشاركة، واعتبار الثروة الوطنية ملكا عاما لا أداة نفوذ. عندها فقط يمكن للنفط أن يتحول من وقود للصراع إلى أساس لدولة عادلة، قادرة على تحقيق التنمية الشاملة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

