الذباب الإلكتروني في العالم العربي: حروب بلا جبهات

تصميم خاص - الذباب الإلكتروني في العالم العربي: حروب بلا جبهات
الكاتب: لا تقف خطورة الذباب الإلكتروني عند حدود التحريض الظرفي بل تتجاوز إلى خلق حالة من الفوضى الرقمية المستدامة (الجزيرة)
  • من الملاعب إلى المنصات: كيف تشعل الحسابات المفبركة حروبا بلا جبهات؟

لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات للتعبير الحر أو النقاش العمومي، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى ساحات صراع غير معلن، تدار فيها حروب ناعمة تستهدف الوعي الجمعي قبل أي شيء آخر.

في العالم العربي، أخذ هذا الصراع شكلا خاصا عبر انتشار الحسابات المفبركة وجيوش الذباب الإلكتروني، التي تلعب دورا خطيرا في تأجيج الصراعات الرمزية بين الشعوب العربية، وتحويل الاختلافات الطبيعية إلى حالات عداء مفتوح، كما حدث بوضوح خلال كأس أفريقيا الأخيرة.

ما جرى في الفضاء الرقمي خلال تلك الفترة لا يمكن اختزاله في انفعالات جماهيرية عفوية أو حماس رياضي زائد عن الحد.

فالملاحظة الدقيقة لحركة التفاعل تكشف نمطا متكررا: حسابات حديثة الإنشاء، لغة متشابهة، توقيتا متزامنا، وتصعيدا ممنهجا للخطاب العدائي، خصوصا بين جماهير دول عربية وأفريقية.

هذا النمط هو ما تصفه الأدبيات الأكاديمية اليوم بعمليات "التلاعب المنظم بالرأي العام" عبر الذباب الإلكتروني، وهي ظاهرة موثقة في تقارير دولية مرموقة.

الخطير في الذباب الإلكتروني ليس فقط نشر الأخبار الزائفة، بل قدرته على إعادة توجيه الغضب الشعبي. فبدل أن ينشغل المواطن العربي بأسئلة التنمية والعدالة الاجتماعية أو السيادة الاقتصادية، يجد نفسه منخرطا في معارك وهمية مع شعوب شقيقة

تقارير معهد الإنترنت بجامعة أكسفورد، التي تعد من أهم المراجع العالمية في دراسة الدعاية الرقمية، تؤكد أن حملات التأثير المنسقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ظاهرة عالمية تشمل عشرات الدول، وتستخدم مزيجا من الحسابات البشرية المأجورة والحسابات الآلية.

وتشير هذه التقارير إلى أن الفضاء الرقمي لم يعد محايدا، بل أصبح أداة سياسية بامتياز تستعمل لتوجيه النقاش، وتضخيم الانفعالات، وصناعة الاستقطاب داخل المجتمعات وبين الدول.

إعلان

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه بعض الدول التي راكمت خبرة طويلة في مجال الحرب النفسية والدعاية الرقمية، وعلى رأسها إسرائيل. فالأدبيات الغربية والتقارير البحثية تتحدث عن تطور كبير في الصناعات المرتبطة بالتأثير الرقمي، وإدارة الحملات النفسية عبر الإنترنت، وهي مجالات تدرس وتمارس ضمن ما يعرف بالأمن السيبراني والحرب الإدراكية.

هذا لا يعني بالضرورة أن كل حساب مفبرك مصدره جهة واحدة، لكنه يؤكد أن هناك فاعلين دوليين يمتلكون المعرفة والأدوات والخبرة لتغذية الفوضى الرقمية، خاصة في مناطق تعاني أصلا من هشاشة سياسية وإعلامية مثل العالم العربي.

الخطير في الذباب الإلكتروني ليس فقط نشر الأخبار الزائفة، بل قدرته على إعادة توجيه الغضب الشعبي. فبدل أن ينشغل المواطن العربي بأسئلة التنمية والعدالة الاجتماعية أو السيادة الاقتصادية، يجد نفسه منخرطا في معارك وهمية مع شعوب شقيقة، تغذيها خوارزميات ومنصات لا يهمها سوى التفاعل، وتغذيها أيضا حملات منظمة ترى في الانقسام العربي فرصة إستراتيجية. وهكذا تتحول كرة القدم من مجال للفرح الجماعي إلى أداة لإعادة إنتاج الصور النمطية والكراهية المتبادلة.

ولا تقف خطورة الذباب الإلكتروني عند حدود التحريض الظرفي أو صناعة الكراهية المؤقتة، بل تتجاوز ذلك إلى خلق حالة من الفوضى الرقمية المستدامة التي يصعب التحكم في مآلاتها. فحين يتم تطبيع الخطاب العدائي، وتتحول الإساءة والتخوين إلى سلوك يومي "عادي" على المنصات، يصبح المجتمع بأكمله عرضة لانفلات رمزي وأخلاقي، يضعف منسوب الثقة بين الأفراد والمؤسسات.

في هذه الحالة، لا يعود الذباب الإلكتروني مجرد أداة ضغط، بل يتحول إلى عامل تفكيك داخلي يضرب الاستقرار الاجتماعي، ويربك المجال العمومي، ويجعل أي نقاش عقلاني مستحيلا وسط ضجيج الاستفزاز والتضليل.

إن مواجهة الذباب الإلكتروني لا يمكن أن تتم فقط عبر حلول تقنية أو إغلاق بعض الحسابات، لأن المشكلة أعمق من ذلك. المطلوب هو بناء وعي جماعي بحقيقة ما يجري، وتعزيز التربية الإعلامية

الأخطر من ذلك أن التجارب تظهر أن الفوضى الرقمية لا تحترم منطق الولاء، وغالبا ما تنقلب على الجهات التي وظفتها في البداية. فالحسابات المفبركة، عندما تطلق دون ضوابط أخلاقية أو سياسية صارمة، تكتسب استقلاليتها الخاصة، وتبدأ في إنتاج خطاب متطرف يصعب احتواؤه أو إيقافه.

وهكذا يجد من راهن على الذباب الإلكتروني نفسه أمام رأي عام مشحون، غير قابل للتوجيه، وقابل للانفجار في أي لحظة ضد الجميع، بمن في ذلك صانعوه. في هذا السياق، يصبح الذباب الإلكتروني سلاحا ذا حدين، يهدد ليس فقط المجتمعات المستهدفة، بل أيضا الأنظمة والجهات التي تعتقد أنها قادرة على التحكم الدائم في مساراته.

ما يحدث اليوم يكشف أن الذباب الإلكتروني أصبح فاعلا سياسيا غير مرئي، يشتغل خارج المساءلة، ويتغذى على ضعف الوعي الرقمي وغياب الإعلام الرصين. كما يكشف أن الصراعات الحديثة لم تعد تحتاج إلى دبابات ولا جيوش تقليدية، بل إلى حسابات وهمية قادرة على إشعال فتيل الفتنة في دقائق معدودة. في هذا الإطار، فإن الصمت أو التقليل من خطورة الظاهرة لا يخدم إلا من يستثمر فيها.

إعلان

إن مواجهة الذباب الإلكتروني لا يمكن أن تتم فقط عبر حلول تقنية أو إغلاق بعض الحسابات، لأن المشكلة أعمق من ذلك. المطلوب هو بناء وعي جماعي بحقيقة ما يجري، وتعزيز التربية الإعلامية، وإعادة الاعتبار للعقل النقدي، مع تحميل المنصات الرقمية مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست بين جماهير هذا المنتخب أو ذاك، بل بين وعي حر وإرادة رقمية تسعى إلى توجيهه وتفتيته.

ما كشفت عنه كأس أفريقيا الأخيرة يجب أن يقرأ كإنذار لا كحادث عابر. فحين يصبح الذباب الإلكتروني قادرا على تسميم العلاقات بين الشعوب، فإن الخطر لا يهدد الرياضة ولا السياسة فقط، بل يهدد ما تبقى من الثقة بين المجتمعات العربية نفسها، وهو أخطر ما يمكن خسارته في زمن الأزمات المتراكمة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان