- سوريا 2026: من التقسيم المعمق إلى توحيد الدولة – فرصة تاريخية أم إعادة ترتيب؟
في وقت تشهد فيه الساحة الدولية صراعات إستراتيجية حاسمة على الموارد ومستقبل النظام العالمي، وصلت الأزمة السورية مع مطلع عام 2026 إلى مفترق حقيقي في تاريخ الدولة والمجتمع.
الإعلان المفاجئ عن توصل الحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع إلى اتفاق شامل مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لوقف إطلاق النار ودمجها ضمن مؤسسات الدولة لم يكن حدثا عابرا في مسار الأزمة الممتدة منذ عام 2011، بل شكل نقطة تحول مفصلية توحي بأن الدولة السورية، بعد أكثر من عقد من الاضطرابات والانقسامات، تبدأ فعليا في استعادة وحدتها الجغرافية والإدارية على معظم أراضيها.
تجلت هذه اللحظة التاريخية أولا في وقف إطلاق النار الشامل على مختلف الجبهات بين القوات الحكومية و"قسد"، ثم في الاتفاق على دمج القوات شبه العسكرية ذات الغالبية الكردية داخل الجيش السوري والمؤسسات المدنية.
كما شمل الاتفاق تسليم محافظتي الرقة ودير الزور إداريا وعسكريا إلى دمشق، وسيطرة الحكومة المركزية على المعابر والحقول النفطية الكبرى في المنطقة.
هذا التطور المفصلي لم يكن ممكنا دون تلاقي عوامل محلية وإقليمية ودولية في لحظة سياسية دقيقة، ما يجعل الحدث لا يعبر فقط عن نهاية طور من الصراع، بل عن بداية إعادة تركيب الدولة السورية، ووضع مسألة وحدة الدولة على رأس أولويات المرحلة المقبلة.
تبدو تركيا مستفيدة بشكل غير مباشر من الاتفاق، ليس بوصفها طرفا فيه، بل باعتبارها أحد أكثر المتأثرين بمآلات الملف السوري
العودة إلى وحدة الدولة: من انقسام طويل إلى مركزية دمشق
منذ عام 2013 تقريبا، أدارت "قسد" مساحات واسعة في شمال شرق سوريا ضمن صيغة حكم ذاتي غير معلن، مدعومة بشكل غير مباشر من الولايات المتحدة، وامتلكت نفوذا عسكريا وإداريا واسعا. غير أن يناير/كانون الثاني 2026 يبدو محطة فاصلة، إذ إن الاتفاق الموقع مع دمشق لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لـ"قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية، بما يعيد للدولة دورها المركزي في إدارة الحكم والأمن في مناطق ظلت لسنوات خارج السيطرة المباشرة للحكومة.
كما نص الاتفاق على تسليم المحافظات وشؤونها بشكل فوري إلى الحكومة السورية، وإعادة انتشار القوات بعد انسحاب تشكيلات "قسد" من المشهد العسكري المستقل، وهو ما يرسم بداية نهاية التقسيم العملي للأراضي السورية الذي استمر أكثر من عقد.
ولا يقتصر هذا التحول على البعد الإداري، بل يمثل تغييرا جوهريا في طبيعة العلاقة بين دمشق والمكون الكردي، ويفتح فصلا جديدا في السياسة السورية الشاملة يقوم على إعادة دمج الأطراف بدل إدارتها ككيانات موازية.
تركيا: شريك إستراتيجي في معادلة استقرار سوريا
لا يقتصر أثر الاتفاق بين الدولة السورية و"قسد" على الداخل السوري فحسب، بل يمتد إلى الدائرة الإقليمية المحيطة، وفي مقدمتها تركيا، التي تتابع أي تحول في المشهد السوري من زاوية الأمن والاستقرار الحدودي.
فإعادة دمج المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة ضمن الإطار المؤسسي الرسمي، وتراجع منطق الكيانات الموازية، من شأنه أن يخفف من مصادر التوتر على الحدود الشمالية، ويحد من ديناميات عدم الاستقرار التي شكلت عبئا أمنيا متواصلا على أنقرة خلال السنوات الماضية.
من هذا المنظور، تبدو تركيا مستفيدة بشكل غير مباشر من الاتفاق، ليس بوصفها طرفا فيه، بل باعتبارها أحد أكثر المتأثرين بمآلات الملف السوري. فتعزيز حضور الدولة المركزية، وضبط الفضاء الأمني في الشمال الشرقي، ينسجم مع الأولويات التركية المعلنة، ويفتح الباب أمام بيئة أكثر قابلية للتنسيق الاقتصادي والتجاري في مرحلة لاحقة، خصوصا إذا ما ترافق ذلك مع مسار سياسي يحافظ على وحدة الأراضي السورية ويقلص فرص التدخلات الخارجية المتنافسة.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة الاتفاق باعتباره خطوة تخدم منطق الاستقرار الإقليمي، حيث تتقاطع مصالح دمشق وأنقرة عند نقطة أساسية تتمثل في تقليص بؤر التوتر المزمنة، وإعادة ترتيب المشهد السوري على أسس أقل تصادمية وأكثر قابلية للاستدامة.
يشكل الاتفاق اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة السورية على الموازنة بين وحدة الدولة وحقوق المكونات
الولايات المتحدة: من الدعم إلى التهدئة وإعادة ترتيب الأولويات
في سياق هذه التحولات، تبدو المقاربة الأمريكية أكثر براغماتية مما كانت عليه في مراحل سابقة. فرغم الدعم الذي قدمته واشنطن لـ"قسد" خلال السنوات الماضية، أبدت الإدارة الأمريكية ترحيبا نسبيا باتفاق وقف إطلاق النار، معتبرة أنه يفتح نافذة لتقليل التوترات المسلحة وإعادة قدر من الاستقرار.
وتشير بعض التصريحات الأمريكية إلى أن الحوار بين دمشق وقادة الأكراد يمثل نقطة تحول نحو الشراكة داخل الدولة بدل الانقسام خارجها.
اللافت أن الموقف الأمريكي لم يعد يدفع باتجاه كيان مستقل في شمال شرق سوريا، بل يركز على استقرار أوسع تقوده الدولة المركزية، في تحول يعكس إعادة ترتيب أولويات واشنطن في الشرق الأوسط، وسعيها إلى تقليص انخراطها المباشر في صراعات استنزافية، لصالح التركيز على تحديات إستراتيجية أخرى.
أكراد سوريا بين الاندماج وملف الحقوق السياسية والثقافية
داخليا، يشكل الاتفاق اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة السورية على الموازنة بين وحدة الدولة وحقوق المكونات. فخلال العقد الماضي، طالبت الأوساط الكردية بحقوق سياسية وثقافية أوسع، وبرزت طموحات لإرساء نموذج لامركزي يعترف بالتعدد اللغوي والإداري. ورغم أن الاتفاق لا يحقق هذه الطموحات بالكامل، فإنه يفتح المجال أمام اعتراف أكبر بالدور السياسي للأكراد ضمن إطار الدولة الموحدة، بما قد يشمل حقوقا لغوية وثقافية محمية دستوريا.
هذا التطور لا يمثل انتصارا لمشروع حكم ذاتي مستقل، لكنه يمنح الأكراد موقعا سياسيا وإداريا داخل الدولة السورية لم يكن متاحا لهم سابقا بهذا المستوى، وهو ما قد يشكل أساسا لتسوية طويلة الأمد إذا ما أدارته الدولة ضمن مقاربة شاملة وعادلة.
إن التطورات التي تشهدها سوريا اليوم، من وقف إطلاق النار إلى دمج "قسد" في مؤسسات الدولة، تمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة السورية على أسس أكثر استقرارا وشمولية
فرصة تاريخية لإعادة تكوين العقد الاجتماعي السوري
يمكن النظر إلى هذه اللحظة ليس فقط بوصفها تسوية سياسية، بل باعتبارها فرصة حقيقية لإعادة بناء العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع السوري المتنوع. فسنوات الحرب أنهكت المجتمع وعمقت الانقسامات، وأضعفت الثقة بين المواطن والدولة.
الاتفاق الحالي قد يشكل نقطة انطلاق لاستعادة هذه الثقة، شريطة أن يترافق مع برنامج سياسي واقتصادي يعالج جذور التهميش، ويضمن مشاركة حقيقية لكل المكونات، لا الاكتفاء بالحلول الأمنية أو الإدارية.
إعادة الاعتبار لمفهوم المواطنة المتساوية، والاعتراف بالتعدد الثقافي ضمن إطار الدولة، وإدارة الموارد والخدمات بما يحسن حياة السوريين، تبقى شروطا أساسية لتحويل هذه التسوية إلى مسار مستدام، لا مجرد هدنة سياسية مؤقتة.
سوريا الجديدة بين الوحدة واختبار التنفيذ
إن التطورات التي تشهدها سوريا اليوم، من وقف إطلاق النار إلى دمج "قسد" في مؤسسات الدولة، تمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة السورية على أسس أكثر استقرارا وشمولية. هذه اللحظة قد تكون بداية لسوريا موحدة وقادرة على استيعاب تنوعها، شرط ألا يعاد إنتاج أخطاء الماضي في الإقصاء والتهميش.
الدولة السورية تقف اليوم أمام اختبار حاسم: إما تحويل هذه التسوية إلى مشروع وطني جامع يعزز السيادة والوحدة، أو الاكتفاء بإعادة ترتيب إداري لا يعالج جوهر الأزمة.
وإذا كان الاتفاق قد أنهى طور الانقسام العسكري، فإن نجاح المرحلة المقبلة مرهون بقدرة الدولة على بناء سياسات اقتصادية واجتماعية عادلة، لا تقل أهمية عن التسوية السياسية نفسها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

