غزة بين جوع الإغاثة واستعراض الكاميرات

أمجد الشوا يطالب بإعلان قطاع غزة منطقة مجاعة ويحمل الاحتلال واللصوص المسؤولية عن الكارثة الإنسانية-رائد موسى-خان يونس-الجزيرة نت
الكاتبة: ساعدوا بصمت أو اتركوا لنا كرامتنا وارحلوا فالمعونة بلا كرامة هي جوع أكبر (الجزيرة)
  • عن الخبز المغمس بالذل ووهم "الرفاهية" فوق الركام

يثبتون العدسة بعناية فائقة، يضبطون زوايا الإضاءة لتسقط بدقة على شحوب الوجوه وجفاف الشفاه، ثم ـ وبكل برودـ يطلبون من الضحية أن "تبتسم"! هي ليست مجرد ابتسامة، بل انكسار مقطر، واعتصار للقهر من أعماق الروح.

في غزة اليوم، لم يعد ثمن ربطة الخبز بضع عملات معدنية، بل صار ثمنها أن يبيع الجائع ملامحه في مزاد "اللايكات"، وأن يقايض كرامته بصورة تنشر على منصات الاستعراض.

إن المعونة حق أصيل لكل من نهشته أنياب الحرب، وليست منة من أحد. لكن ما نشهده اليوم هو تحويل المأساة إلى "منصة دعاية"، وتحويل أنين الأطفال إلى "لافتة تسويقية" مدفوعة الأجر. من يفعل ذلك ليس محسنا، بل هو "لص كرامة"، يسرق كبرياء الحي، وينبش في وجع الميت، ليتظاهر أمام العالم بمد يد العون.

إن المعونات التي تغلف بهذا الاستعراض المبتذل لا تشبع بطنا، بل تزيد الجرح عمقا، وتترك في الروح عارا لا يمحوه مر السنين.

هل أضحى وجود "بسطة" حلويات أو محل ملابس وسط الخراب دليلا على الرخاء؟ أين هي الشوارع؟ أين البنية التحتية؟ أين المستشفيات التي دمرت، والجامعات التي سويت بالأرض

إلى تلك المبادرات التي أدمنت التصوير:

إلى أي منطق إنساني تستندون وأنتم توثقون وجوه الأطفال بشعار "نحن أطعمناكم أيام المجاعة"؟ هل صار الإطعام أسلوبا للإذلال؟ كفى افتتاحا لمهرجانات "علب الطعام" فوق جثث لم تمنحها الدنيا مأوى ولا رحمة. إن من يحول دموع الأمهات وصرخات المتضورين جوعا إلى "محتوى رقمي" متنمق، هو سارق صغير يقايض كرامة شعب صامد بابتسامة عابرة أمام فلاش الكاميرا.

وإلى المؤسسات الإغاثية الدولية والمحلية:

كفى تكرارا لتلك الطرود المعلبة والبقوليات التي سئمتها الأمعاء الخاوية، فالمحتاجون في غزة ليسوا "صناديق بريد" تلقون فيها فائض مستودعاتكم. إنهم بشر يستحقون تنوعا يحفظ آدميتهم. المعونة بلا احترام هي طعنة أخرى في قلب المنهك.

لكن، خلف هذا المسرح العبثي، تطل برأسها مأساة أشد وطأة

إننا نرفض، وبأشد العبارات، ذلك الخطاب المضلل الذي بدأ يتسلل ليروج لفكرة "رفاهية غزة". أي جهل هذا؟ بل أي تزييف متعمد للحقائق؟ يتحدثون عن الرفاهية وهم يمرون فوق أنقاض "شارع النصر"، الذي تحولت حواضره إلى خيام وشوادر، أو "شارع عمر المختار"، الذي غدا رصيفا للبؤساء بعد انهيار الاقتصاد كليا.

إعلان

هل أضحى وجود "بسطة" حلويات أو محل ملابس وسط الخراب دليلا على الرخاء؟ أين هي الشوارع؟ أين البنية التحتية؟ أين المستشفيات التي دمرت، والجامعات التي سويت بالأرض، والبيوت التي كانت تؤوي آلاف العائلات وصارت اليوم هباء منثورا؟

غزة لا تطلب شفقة، ولا تبحث عن "محسنين" يصورون جوعها. غزة تطالب بحقها الفطري في الحياة الكريمة

إن بناء مسجد من أعمدة حديدية وشوادر بلاستيكية ليس رفاهية، بل هو "استماتة من أجل البقاء". وإن إنشاء صفوف تعليمية بأدنى المقومات هو "مقاومة للجهل"، وانتشار "تكايا الطعام" هو "اعتراف صريح بفشل العالم" في حماية الإنسان من الجوع.

إلى كل من يغمض عينيه عن حقيقة الإبادة الجماعية ليصطاد صورة "مقهى" وسط الدمار: انظروا جيدا إلى شوارع الجلاء، والنصر، وجباليا. هناك تسكن الحقيقة العارية، لا الدعاية المزيفة.

غزة لا تطلب شفقة، ولا تبحث عن "محسنين" يصورون جوعها. غزة تطالب بحقها الفطري في الحياة الكريمة، وتدين كل لسان يحاول تجميل الخراب أو تبرير الإبادة تحت عناوين واهية.

ساعدوا بصمت، أو اتركوا لنا كرامتنا وارحلوا، فالمعونة بلا كرامة هي جوع أكبر.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان