هل ما يجري في إيران ثورة أم فوضى؟ قراءة في الاحتجاجات الإيرانية

جانب من مظاهرات في العاصمة الإيرانية طهران (أسوشيتد برس)
  • الإيرانيون في مختبر الثورة: من فكر العدالة إلى شبح الهيمنة

تواجه إيران احتجاجات شعبية، غير أنها تختلف تماما عن سابقاتها؛ إذ تتشكل الجغرافيا السياسية في العالم على نحو ينذر بتحول مخيف للإمبراطورية، التي تتخذ شكلا أكثر قتامة وعنفا. ولعل الحرب الإسرائيلية-الإيرانية فتحت أسئلة كثيرة حول قدرة الجمهورية الإسلامية على تفادي هزات عنيفة قد تطيح بالعمائم السود، المخيمة عقودا على الشعب الإيراني.

من الصعب الوقوف مع طرف واحد؛ فالأزمة الحاصلة في الجمهورية تشابكت خيوطها الكثيرة مع تعقيدات تاريخية واقتصادية وجغرافية، جعلت من إيران معضلة لا للشرق وحده، بل للعالم الغربي أيضا، الذي يراها تهديدا وجوديا، ولا سيما في ظل برنامجها النووي.

طبول الحرب تقرع في شمال بحر العرب، والإيرانيون منقسمون بين مؤيد للحكومة ومعارض لها، وأمام أعمال الشغب والنهب يطرح سؤال مركزي حول قدرة الشعوب على التعلم من تجاربها الثورية، ومدى إمكانها تفادي القابلية للعبث، في وقت تسارع فيه الرأسمالية العابرة للدول خنق آخر أصوات الرفض العالمي للصهيونية.

أنحن أمام ثورة شباب إيراني يخلع عنه العمامة السوداء، أم إن الحراك لا يتجاوز أعمال شغب واضطرابات داخلية تستثمر لعودة الاستعمار الجديد؟

ما تطرحه الانتفاضة في الجمهورية الإسلامية اليوم هو سؤال أساسي عن رغبة الشعوب: أهي في الحرية أم في العدالة الاقتصادية؟

سؤال الأزمة

عقب أحداث الربيع العربي، تدخلت إيران بشكل مباشر لحماية حلفائها في المنطقة، معلنة بداية مرحلة من الصراع العنيف في فضاء حلمت شعوبه بالديمقراطية والعدالة الاقتصادية.

وكان تورط الجمهورية الإسلامية في الانتفاضات العربية معول هدم لسردية ثورية، قامت ضد الإمبريالية الغربية وحلفائها؛ إذ أبان تدخل إيران السافر في سوريا عن بنية مواقف سياسية متناقضة للنظام الإيراني، بذريعة حفظ المصالح الشيعية في المنطقة. غير أن هذه الجغرافيا سرعان ما تحولت إلى مأزق وجودي استنزفت فيه إيران طاقتها، في وهم حلم الإمبراطورية الفارسية.

إعلان

لم يمثل التدخل الإيراني المفرط والعنيف في المنطقة حلم الإيرانيين، الذين عانوا سنوات طويلة من الحصار الاقتصادي ورهانات الجغرافيا، بل كان تطلع الشعب الإيراني منصبا على عدالة اقتصادية واجتماعية، تحفظ للمجتمع انسجامه واستمراريته. غير أن ساسة الجمهورية اختاروا الانحياز إلى الرمال المتحركة، ليتورطوا في مستنقع أنظمة تبين أنها حليف للصهيونية.

ما يحدث من احتجاجات في إيران اليوم يعيد إلى أذهاننا، نحن الذين استغرقنا، شعوبا وأنظمة، سنوات نحاول الخروج من التيه، كيف أبانت السياسات الداخلية الفاشلة عن عجزها في تحقيق أدنى مستويات العيش الكريم، وكشفت الفروقات الهائلة بين التفكير البدائي السلطوي من قوم النظم الدكتاتورية، وبين جيل ينزاح طواعية إلى رفض السرديات التاريخية الغارقة في وهم العداء الأسطوري للآخر، حيث يغدو الآخر منقذا لقوارب الهجرة غير النظامية العابرة لبحار الموت.

ما تطرحه الانتفاضة في الجمهورية الإسلامية اليوم هو سؤال أساسي عن رغبة الشعوب: أهي في الحرية أم في العدالة الاقتصادية؟ وإلى أي حد يمكن التنازل عن السيادة الوطنية، والإرث التاريخي، والهوية، في سبيل التخلص من صورة القائد الواحد الذي يرى ما لا نرى، ويقرر، على حين غفلة، من هو الخائن؟

لذلك يغدو من الواجب التمعن في مسببات حراك الشعوب ضد أنظمتها؛ فمثلما تختلف سرديات النظم الحاكمة، فإن "الثورة"، إن جاز التعبير في حالة إيران اليوم، لا تنطلق من مركزية أيديولوجية، بل من الكرامة والحرية والعدالة بوصفها جوهر الفعل البشري في مواجهة ما هو سائد وشمولي.

من المهم جرد الأسباب المباشرة لحراك الشعوب؛ إذ يمكن اختزالها في مطالب اقتصادية كما حدث مع "السترات الصفراء" في فرنسا، أو في مطالب اجتماعية تنبع من رفض الفرد الطقوس البدائية للأنظمة، كما في احتجاجات جيل "زد" في المغرب.

لكن ما الذي يجعل من الثورة محركا لصناعة تاريخ استثنائي، لا يعيد إنتاج سردية المخلص ولا هويات منتفخة؟ لعل الأمر يتعلق بالفقد الذي يعانيه الإنسان؛ فحين نفقد ذواتنا وهويتنا وتاريخنا نصبح مجهولين، ومنفيين، ومهمشين، بلا معنى، وعندها فقط تصبح القدرة على تخطي المصالح ورفض السائد ممكنة.

حين أحرق البوعزيزي نفسه، كان يعبر عن فقدانه للوطن الذي كان من المفترض أن يحتويه، وفي المقابل اختار الأسد أن يحرق سوريا بأكملها في سبيل "لا شيء"، فالتاريخ لا يذكره اليوم إلا بسجن صيدنايا، والمهجرين، والمغيبين، والتواطؤ مع الاحتلال الصهيوني.

ونحن إذ نرقب حراك الإيرانيين ضد نظام طوقه الحصار الإمبريالي وأنهكته مغامرات الربيع العربي، ندرك أن ألد أعداء الحرية هم غالبا من يدعون تمثيلها، مهما تلونت راياتهم واختلفت سياساتهم.

إن مفهومنا للنظام يقتصر على الهيكلية الظاهرة له في أطره السياسية، من دون النظر إلى العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي رسخها طيلة سنوات الحكم

الثورة ليست نظاما بديلا

في الإعلام الغربي تنقل صور القتلى الإيرانيين في الشوارع، مع اتهام قنوات أمريكية لنظام الجمهورية الإسلامية باستخدام العنف الممنهج ضد الثوار، في حين يخضع الأمريكيون اليوم لسياسات عنصرية قاتلة بسبب إجراءات إدارة الهجرة، التي لا تتأخر في استهداف المدنيين.

إعلان

تتعلق الثورة في أكثر تجاربها التاريخية بالعنف؛ فهي ترفض الواقع ليمنح الخيال الثوري أبناءه حلم التغيير. لكن، هل تكون الثورة حقا نظاما بديلا عما هو سائد؟

إن هذا الاعتقاد جرى توظيفه في الربيع العربي، كما تورطت فيه من قبل تجربة الحركة الخضراء في إيران عام 2009، حين استخدمت علنا من قبل قوى في المعارضة الإيرانية للإطاحة بحكومة أحمدي نجاد، عقب فوزه بفترة رئاسية ثانية.

غير أن الثورة سرعان ما جرى التلاعب بها من طرف لاعبين بارزين، أدركوا أن الانتفاضة الشعبية خرجت عن سياقها الطبيعي بوصفها سعيا إلى تحقيق العدالة الإنسانية، لا توريط البشر في أعمال شغب.

ليست الثورة نظاما بديلا يراوغ، بشكل ناعم، مطالب الجماهير المنتفضة، بل إن المطالبة بإسقاط النظام لا تعزز مكتسبات الثورة بقدر ما تورطها في صراعات جانبية تحيد بها عن المبادئ الأساسية التي انطلقت منها؛ إذ إن مفهومنا للنظام يقتصر على الهيكلية الظاهرة له في أطره السياسية، من دون النظر إلى العلاقات الاجتماعية والاقتصادية التي رسخها طيلة سنوات الحكم. وهذا التشابك هو ذاته الذي يفرض قواعد عنف، حين تتعارض المصالح السياسية مع تلك التي تذروها قوى الرفض الجديدة.

ولننظر إلى تجربة الربيع العربي، حين أطيح بأنظمة كانت حليفا موثوقا لإسرائيل: كيف كانت ردة فعل الإمبراطورية في وأد الديمقراطية، عندما استشعرت تغييرا واضحا في الموقف تجاه حليفها، الاحتلال الصهيوني؟ إنها تتشابه مع سرديتها اليوم تجاه إيران، حيث تشكل الجمهورية الإسلامية، ببرنامجها النووي، تهديدا وجوديا لإسرائيل. فأن تكون الإمبراطورية الراعي الرسمي لأعمال الشغب لن يعزز حقوق الإيرانيين، بقدر ما يستجلب الإمبراطورية في ثوبها الاستعماري.

فهل تدرك الشعوب اليوم الخطر الذي تفرضه معادلات التغيير، وكونها ليست نظاما بديلا؟

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان