كثر الحديث، منذ انطلاق عملية طوفان الأقصى، عن أنها لن تكون مجرد مواجهة عسكرية، بل محطة مفصلية قد تحدث تغييرا في بنية النظام الدولي القائم. وقد عبر الشهيد يحيى السنوار عن ذلك مبكرا حين قال: ستكون حربا إقليمية ستغير "الأخضر واليابس". والسؤال اليوم: هل نشهد فعلا ملامح هذا التغيير؟
أحد أبرز هذه الملامح يتمثل في الطرح المتعلق بما يسمى "مجلس السلام" الخاص بغزة؛ غير أن هذا المجلس، في جوهره، لا يتعلق بغزة بقدر ما يعكس محاولة لإعادة هندسة مؤسسات النظام الدولي، بعد أن بات عاجزا -من وجهة نظر المشروع الصهيوني الأميركي- عن خدمة مصالحه.
هذا المجلس لا يقوم على مبدأ التوازن الدولي، بل على منطق "من معنا"، ويستبعد كل طرف يرفض الانصياع، حتى لو كان حليفا تاريخيا. وهنا يبرز التوتر مع أوروبا
أزمة مؤسسات النظام الدولي القائم
أدركت الدوائر الصهيونية الأميركية، خصوصا في ظل قيادة بنيامين نتنياهو وبدعم مباشر من دونالد ترامب، أن منظومة ما بعد الحرب العالمية الثانية، من الأمم المتحدة إلى منظمات حقوق الإنسان ومحكمة العدل الدولية، لم تعد توفر الغطاء السياسي والقانوني المطلوب.
هذه المؤسسات ليست كيانات محايدة، بل هي نتاج لنظام دولي محدد، وعندما بدأ هذا النظام يظهر انحيازا نسبيا للحقوق الفلسطينية، أو يفرض قيودا قانونية على العدوان، أصبح عبئا يجب تجاوزه.
عبر ترامب عن هذا التحول بوضوح حين أقر بأن "الواقع تغير"، فبعد أن كانت غالبية الدول تسعى للتقارب مع إسرائيل، أصبح التعامل معها اليوم مكلفا سياسيا وأخلاقيا. وبهذا المعنى، لم يعد النظام الدولي مريحا للمشروع الصهيوني، ما استدعى البحث عن بديل.
مجلس «السلام»: غطاء نظام دولي بديل
في هذا السياق، طرح «مجلس السلام» بوصفه إطارا لإدارة ملف غزة، لكنه في حقيقته محاولة لتأسيس منظومة دولية موازية، تفرغ مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة من صلاحياتهما، وتنقل مركز القرار إلى دائرة ضيقة تقودها واشنطن، ويشترط فيها الولاء السياسي لا الالتزام بالقانون الدولي.
هذا المجلس لا يقوم على مبدأ التوازن الدولي، بل على منطق "من معنا؟"، ويستبعد كل طرف يرفض الانصياع، حتى لو كان حليفا تاريخيا. وهنا يبرز التوتر مع أوروبا.
المشروع الصهيوني لا ينسى الخصوم، بل يعمل على إضعافهم تدريجيا، سواء عبر الضغوط السياسية، أو من خلال الدفع نحو تغيير الأنظمة بوسائل ديمقراطية موجهة، أو عبر التحالف مع اليمين المتطرف الأوروبي، في انسجام واضح مع الرؤية الترامبية
أوروبا ورفض الاستفراد
فرنسا، بوصفها عضوا دائما في مجلس الأمن، أدركت أن «مجلس السلام» ليس مجرد مبادرة سياسية، بل هو مشروع لاستبعادها، ومعها دول أخرى، من دائرة التأثير. ففي مجلس الأمن تملك الدول الأوروبية أدوات ضغط وصلاحيات حقيقية، أما في المجلس المقترح فإن القرار سيكون مركزيا في يد الولايات المتحدة، ومن خلفها المشروع الصهيوني.
لذلك لم يكن التحفظ الأوروبي إجراء تقنيا، بل موقفا سياسيا واعيا بخطورة التحول الجاري، خصوصا أن أوروبا تمتلك خبرة تاريخية تجعلها قادرة على قراءة مشاريع الهيمنة بعيدة المدى.
منطق الانتقام الصهيوني
إلى جانب إعادة تشكيل مؤسسات النظام الدولي، تحكم المشروع الصهيوني الأميركي عقلية أخرى لا تقل خطورة، وهي عقلية الانتقام السياسي المؤجل؛ فالتجربة التاريخية تظهر أن أي دولة أو نظام يعرقل المصالح الصهيونية يدرج في "سجل الحساب"، حتى وإن تأخر التنفيذ إلى ما بعد انتهاء الحرب.
في هذا السياق، لن تنسى مواقف فرنسا، وبريطانيا، ودول أخرى في جلسات الأمم المتحدة الأخيرة، حين لم تكن على انسجام كامل مع الموقف الأميركي. فالمشروع الصهيوني لا ينسى الخصوم، بل يعمل على إضعافهم تدريجيا، سواء عبر الضغوط السياسية، أو عبر التأثير في المشهد الداخلي، أو من خلال الدفع نحو تغيير الأنظمة بوسائل ديمقراطية موجهة، أو عبر التحالف مع اليمين المتطرف الأوروبي، في انسجام واضح مع الرؤية الترامبية.
بينما يسعى المشروع الصهيوني الأميركي إلى فرض منظومة أحادية تقوم على الولاء والانتقام، تحاول أوروبا الحفاظ على ما تبقى من التوازن الدولي
ساحات الاستهداف وإعادة الهندسة
هذا المنطق لا يقتصر على أوروبا، بل يمتد إلى نطاق أوسع:
- العالم العربي والإسلامي: كل من عارض المصالح الصهيونية، ولو جزئيا، يوضع على قائمة الاستهداف المؤجل.
- إيران: بوصفها العائق الإستراتيجي الأكبر، تستمر معها محاولات العزل والإسقاط.
- تركيا: تطويق دورها عبر ترتيبات إقليمية (من خلال إسرائيل واليونان وقبرص)، ومنعها من التحول إلى قوة إقليمية مستقلة بعد أي انسحاب أميركي محتمل.
- السعودية: الحفاظ على استقرار مدارها عبر استنزاف محيطها الإقليمي، خاصة في اليمن.
- لبنان، وغزة، وسوريا: ضربات مباشرة وغير مباشرة لإضعاف القدرة على الرفض، لا سيما سوريا بسبب رفضها التنسيق الأمني.
- جنوبي وشرقي سوريا: مخططات طويلة الأمد لإعادة رسم الجغرافيا السياسية.
شرعية بديلة للقانون الدولي
ضمن هذا المشهد، يصبح «مجلس السلام» أداة تنفيذ تمنح واشنطن شرعية بديلة، تتجاوز مجلس الأمن؛ فعبر جمع عدد كافٍ من الدول (عربية وإسلامية وأوروبية) تصنع شرعية سياسية جديدة، لا تقوم على القانون الدولي، بل على مبدأ الاصطفاف.
لهذا السبب تتحفظ أوروبا على هذا المجلس، إذ ترى فيه إلغاء عمليا لفكرة التوازن الدولي، وتحويلا للعالم إلى منظومة أحادية القرار.
ما يجري اليوم ليس مجرد نقاش حول إدارة غزة، بل هو صراع على تركيبة النظام الدولي الجديد. وبينما يسعى المشروع الصهيوني الأميركي إلى فرض منظومة أحادية تقوم على الولاء والانتقام، تحاول أوروبا الحفاظ على ما تبقى من التوازن الدولي. وفي قلب هذا الصراع، تبقى غزة -مرة أخرى- نقطة الانفجار التي تكشف حقيقة العالم الذي يعاد تشكيله.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

