المكتبة كرحلة في الذات والقراءة

2-مقهى القدس الثقافي وهو أحد فروع المكتبة العلمية التابعة لعائلة منى والمختص بالكتب غير الغربية وبتنظيم الفعاليات الثقافية(الجزيرة نت)
الكاتبة: المكتبة ليست مجرد بناء تتراص فيه الرفوف بل هي جدران صامتة تحمل بداخلها أرواحا وأوراقا صفراء وبيضاء (الجزيرة)
  • المكتبة: مكان للقراءة أم متاهة للذات؟

المكتبة ليست مجرد بناء تتراص فيه الرفوف، بل هي جدران صامتة تحمل بداخلها أرواحا وأوراقا صفراء وبيضاء، يغزوها تعب السنين الهاربة. هي مساحة تعوم بداخلها أماكن فارغة ومقاعد باردة، لم يعد كثيرون يحبون القدوم إليها، بل بدأ البعض يخشاها، كأنها وحش مفترس سينقض عليه بمجرد عبور العتبة، أو كأنها مرآة ستكشف له حقيقة ما يهرب منه في صخب العالم الخارجي.

المكتبة في جوهرها هي "متاهة الذات"، يدخلها المرء باحثا عن معلومة، فيجد نفسه أمام تساؤلات وجودية لم تكن في الحسبان

تلك الجدران الخرساء ليست سوى شاهد على زمن منسي وزائل، زمن أغلقت أبوابه في صفحات أخيرة، ورحلت وهي تهمس للرفوف بمرارة: لن نعود، ولن يمسحوا غبارك بعد الآن. نحن العالقون هنا في صمت المجلدات، لا يود أحد قراءتنا؛ لذا ستتحملين أثقالنا ما دمنا متكئين عليك، وستتحملين أخبارنا القديمة التي حفظتها عن ظهر غيب، وستثقلين كاهلك بقصص لن يعرف مضمونها السري سواك، ولن يشعر بأنين ورقها غيرك.

ولكن الأثقل من الزمن المنسي هو أننا ننساه ولا ينسانا؛ فكل زائر يجرؤ على دخول المكتبة اليوم يحمل معه زمنا خاصا، يرميه علينا عند أول رف يصادفه، ويشرد بعينيه في صفحاتنا، فنشعر ببرودة يديه اللتين أضناهما برود التكنولوجيا، فندفئه بحرارة شوقنا للمساته الإنسانية.

نحن الكتب، نحفظ بصمات أصابعه على كلماتنا كرمز سري خاص به؛ لا لنراقبه، بل لنشعره بما يقرأ، ونسحبه إلينا برفق، وكأنه دخل إلى عالم موازٍ بدأ يرى فيه صورته الحقيقية. هناك، بين السطور، يرى ما يود، ويتعجب مما افتقده في ضجيج العالم الخارجي، فنهمس له بكل ما يحب أن يسمع، لنعلقه كشعلة مضيئة في عتمة ممراتنا.

إن المكتبة في جوهرها هي "متاهة الذات"، يدخلها المرء باحثا عن معلومة، فيجد نفسه أمام تساؤلات وجودية لم تكن في الحسبان. هي المكان الذي تتوقف فيه الساعات عن الدوران، حيث يصبح الوقت مجرد وهم، وتصبح الكلمة هي الحقيقة الوحيدة. في هذا المكان، ندرك أن القراءة ليست ترفا، بل هي عملية استعادة لأجزاء مفقودة من جوارحنا، تشتتت في دروب الحياة اليومية.

المكتبة تفتح أبوابها للجميع، لكنها لا تبوح بأسرارها إلا لمن يملك الشجاعة ليضيع في متاهتها، ويقبل أن يكون جزءا من ذاكرتها الطويلة

وهكذا نظل نحن العالقين فيها كل يوم؛ يأتي زائر ويخرج آخر فلا يعود، وكأنه عرف أخيرا حل متاهته الخاصة وغادر. وتظل المكتبة كبئر منسية، بئر عميقة مليئة بالشوق والكلمات العطشى، تنتظر من يأتي بوعيه ليدلي بدلوه من فوق، ويستخرج منها ما يرغب من حكمة أو مواساة.

إعلان

ولكن ما ثمن هذا الأخذ؟ هل يخرج الزائر كما دخل؟ يقينا لا؛ فالمكتبة تأخذ من وقتك لتعطيك عمرا فوق عمرك، وتأخذ من حيرتك لتعطيك دهشة السؤال.

والسؤال الذي يبقى معلقا على الرفوف: أيدفع الزائر الثمن غاليا من تفكيره وتأمله، أم سيخرج ويعفى من ضريبة المعرفة ويتناسى ما رآه كغيره؟

إن المكتبة تفتح أبوابها للجميع، لكنها لا تبوح بأسرارها إلا لمن يملك الشجاعة ليضيع في متاهتها، ويقبل أن يكون جزءا من ذاكرتها الطويلة. إنها ليست مستودعا للكتب، بل هي الأم الحنون للباحثين عن الحقيقة في زمن ضاعت فيه ملامحنا خلف الشاشات الباردة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان