ألوان الشر السبعة!

الكاتب: الشر ليس أسود دائما بل ألوانه سبعة (الجزيرة - مولدة بالذكاء الاصطناعي)
  • ألوان الشر السبعة: كيف يتخفى الشر خلف الوجوه والأقنعة؟

رن جرس السادسة مساء، فغادرت مدرستي متحمسا.. كان مسلسل الرسوم المفضل يبث في الساعة السادسة والربع مساء، وكانت مدة ربع ساعة كافية لأصل إلى البيت وأستمتع بمشاهدته.. غير أن الطقس كان مختلفا هذا المساء.

كانت الغيوم الداكنة تغلف السماء، ورائحة المطر تغمر الأجواء. وفعلا، بعد دقائق فقط انهمر المطر غزيرا، فسارع التلاميذ العائدون والمارة للاحتماء تحت الشرفات. كان أقرب ملجأ إلي هو ورشة نجار امتلأت بتلاميذ الابتدائي، فسارعت إليها وأخذت مكاني قرب المدخل: أراقب المطر، وأستمتع بالرائحة الغريبة لنشارة الخشب الممتزجة برائحة المطر.

لكن ذهني كان منشغلا بأمر آخر: إذا تأخرت عن البيت، فسأفوت برنامج الرسوم المتحركة المفضل، حيث كانت فقرة الصغار تمتد حصرا من السادسة والربع إلى السابعة مساء، وتضم سلسلتين فقط. ولم تكن هناك فضائيات أخرى أبحث فيها عن بديل.. فقط قناة أرضية واحدة.

لقد انتصر الشر وهزم الخير! كانت تلك صدمة حقيقية ما زلت أذكر مراراتها؛ صدمة أثرت في كثيرا لأنها تناقض ضميري الفطري الذي شكله والداي، كما شكلته القصص والحكايات التي تحكي جميعها مغزى واحدا: مهما كان الشر قويا، فلا بد للخير أن ينتصر

ولولعي الشديد بسلسلة "المتحولون"، التي كانت تحكي قصة فضائيين يتحولون إلى وسائل نقل مختلفة (شاحنات وسيارات وطائرات حربية وغيرها)، فقد عزمت أمري واتجهت نحو البيت، ولم أكن أعلم أن خيبة أمل كبيرة تنتظرني!

كنت فعليا الوحيد الذي يمشي تحت ذلك المطر الغزير، وبمجرد أن وصلت إلى البيت وفتحت أمي، حفظها الله، الباب، فوجئت بمنظري وأنا مثل جرو صغير يرتجف بعد أن سقط في ساقية ماء!

كانت منشغلة بتجفيفي وتغيير ملابسي، بينما كنت أتابع باهتمام أحداث الحلقة الجديدة في تلفاز ضخم يشبه صندوقا خشبيا. ورغم أن المسلسل كان يبث باللغة الفرنسية التي لم أدرسها بعد، فإنني لم أكن أمتلك رفاهية اعتبار ذلك عائقا؛ فكان من السهل علي تتبع الأحداث والصراعات وتأويلها، والاستمتاع بالمشاهدة.

إعلان

لكني هذه المرة أيضا صدمت.. لقد انتصر الشر وهزم الخير! كانت تلك صدمة حقيقية ما زلت أذكر مراراتها؛ صدمة أثرت في كثيرا لأنها تناقض ضميري الفطري الذي شكله والداي، كما شكلته القصص والحكايات التي تحكي جميعها مغزى واحدا: مهما كان الشر قويا، فلا بد للخير أن ينتصر.

واختتمت الحلقة، وأنا أمني نفسي بأن البطل سينتصر في الحلقة القادمة، لكن الغريب أنه في كل حلقة كان ينهزم بإذلال، وكنت أعيش معه إحباطا متكررا.

الأمر ليس بسيطا كما تعتقدون، تخيلوا كيف كان على طفل بريء في السابعة من عمره أن يواجه كل يوم لحظة إحباط مؤلمة، حينما ينهزم البطل الذي يحبه. تخيلوا كيف يضطرب داخليا حينما يواجه يوميا صدمة تحدث هذه الفوضى في منظوره القيمي البريء!

وتطلب الأمر مني سنوات حتى أفهم ما الذي كان يحدث: الأمر بكل بساطة هو أن زعيم الأشرار كان رمادي اللون وكان يتحول إلى طائرة حربية، في حين كان لون البطل أزرق داكنا، ويتحول إلى شاحنة كبيرة. ولأن التلفاز كان دون ألوان، فقد كانت جميع المشاهد تتدرج بين الأبيض والرمادي والأسود؛ فكان لون الشرير يبدو قريبا من الأبيض، بينما لون البطل يبدو أسود.

وطبعا، براءة الأطفال كانت تقوم على استعارة ذهنية بسيطة جدا: الخير نور فهو أبيض، والشر ظلام فهو أسود؛ فكنت أعتقد أن زعيم الأشرار هو البطل الطيب بسبب لونه الذي يظهره التلفاز قريبا من البياض، لذا أنزعج في كل حلقة حينما ينهزم، وأعيش معاناة نفسية مركبة: لأن بطلي المحبوب انهزم، ولأن الواقع، كما فهمته، كان يهدم انسجامي القيمي والأخلاقي، ويناقض المبادئ التي كنت وما زلت أؤمن بها.

تجد صاحب الشر الأسود يستمتع بالصراعات، ويعتبر أذية الآخرين مهارة متميزة، ويستمد تقديره لذاته من انتصاراته وهزائم الآخرين، ويمكنه أن يذهب بعيدا في ابتكار خطط الأذية دون أي حدود أخلاقية

في السنة التالية، كان علي أن أنمي تجربتي البصرية في تمثل الشر وتمثيله؛ فكان يطلب منا في درس مادة التربية الفنية في الثاني الابتدائي رسم الأشرار والأخيار. وطبعا كنا، نحن الصغار، نرسم الأشرار بشكل قبيح، بملامح قاسية وشعر أشعث وحواجب كثيفة مضطربة؛ بينما كنا نرسم الأخيار لطفاء، نوزع عليهم الجمال والوسامة وملامح الطيبة بسخاء!

وتطلب الأمر مني سنوات طوالا لأتحرر من براءتي الساذجة، وأفهم علاقة الشر بالألوان؛ إذ أدركت أن الشر ليس أسود دائما، ولا قبيح الشكل دائما، بل يمكنه أن يحمل ألوانا عديدة، ويتأنق أيضا.

فالشر يمكنه أن يكون أصفر حينما يظهر في شكل زميل منافق، يلبس بذلة أنيقة بربطة عنق، ويحييك بمودة، ويغمرك بعبارات التقدير والثناء؛ لكنه في أول اختبار يصدمك بوقاحة مفاجئة بناها على سوء ظن بك، وعلى تأويل سلبي لموقفك بشكل يستحيل أن يكون بين أصدقاء حقيقيين، فتكتشف أن كل تودده كان مهرا مصطنعا يخطب به مصلحة!

والشر يمكنه أن يكون رماديا كئيبا، تجده في الأشخاص الذين لا يهتمون لأمرك ولا تعني لهم شيئا، فتعتقد أنت لسذاجتك أنهم مسالمون، يعيشون في حالهم؛ لكنك، أمام أول حالة تعارض مصالحهم، ستفاجأ بكمية العنف والشر التي قد يواجهونك بها! الشر الرمادي كئيب، وهو في حالة سكون، وينتظر أن يحفزه أي موقف أو مصلحة فينفجر في وجهك.

إعلان

أما الشر الأسود، فهو سيد الشرور، وصاحبه محترف أذية؛ تشكلت هويته بالصراعات والحروب؛ فهو عكس أي فرد عادي يتألم وينزعج حينما يعيش مشكلا اجتماعيا، فيكثر همه؛ إذ تجد صاحب الشر الأسود يستمتع بالصراعات، ويعتبر أذية الآخرين مهارة متميزة، ويستمد تقديره لذاته من انتصاراته وهزائم الآخرين، ويمكنه أن يذهب بعيدا في ابتكار خطط الأذية دون أي حدود أخلاقية.

والشر الأحمر انفعالي، يكون عند سريع الغضب… هو شخص عادي، يكفي أي شعور بسيط لديه بالتهديد أو الظلم أن يدفعه إلى التصرف بعنف شديد، واستدعاء قاموس بديع من الشتائم. هو لا يحترم امرأة ولا يوقر كبيرا، قد يوجه إليك كلاما جارحا إذا تجاوزته في الصف، أما إن صدمت سيارتك سيارته، فأنصحك بأن تدع سيارتك هناك وتهرب بعيدا في انتظار وصول رجال الشرطة.

شر السفهاء يظهر في كسر شجيرة في الشارع، وفي الكتابة على حائط منزل، وفي رمي القمامة أمام بيت جار، وفي إيذاء حيوان بريء، وفي العبث بالممتلكات العامة

هل يوجد شر أزرق؟ نعم طبعا. هو شر هادئ هدوء السماء! تجده عند الحاقدين، وهؤلاء غالبا يكونون من أفراد العائلة وزملاء العمل، وحتى بعض الجيران، حيث يتشكل هذا الشر بهدوء، وينضج على نار هادئة توقدها المقارنة، ويغذيها الحسد والغيرة.

هؤلاء لا يعاملونك بعنف، رغم أن قلوبهم تقطر سما زعافا من الحسد، ويتمنون أن تكثر مصائبك، ولكنهم لا يستطيعون إظهار ذلك؛ وإنما الزمن كفيل بفضحهم، في زلة لسان أو تخلف عن مشاركة فرحة!

أما الشر البرتقالي فهو الشر الوقح، وهو ليس شديد الضرر والأذية، لكنه وقح يرفضه الحس السليم؛ فحتى الشر ينبغي أن يكون محترما وذا مهابة! الشر الوقح فظ، لا يبنى على وضعية عادية للصراع والمواجهة، ولا يحترم مقاما.

يظهر الشر الوقح في كل مخطئ يكابر ويعاند، ويظهر في سائق سيارة مخطئ بشكل فج، ويرد على تنبيه بوق سيارتك بشتيمة وقحة. وتجده في شاب بذيء يتحدث في مكان عام بصوت مرتفع، وحينما تنبهه لا يعتذر أو يستحيي، بل يرد عليك بأنه في مكان عام ومن حقه التحدث كيف يشاء!

أما الشر البني، فهو شر السفهاء، أولئك الذين لا تجد مبررا واضحا لتفسير شرهم، أو أولئك الذين يوجهون انتقامهم المتوهم إلى جهة غير ذات علاقة، أو حتى أولئك الذين يفعلون الشر فقط لأن الآخرين يقومون به!

شر السفهاء يظهر في كسر شجيرة في الشارع، وفي الكتابة على حائط منزل، وفي رمي القمامة أمام بيت جار، وفي إيذاء حيوان بريء، وفي العبث بالممتلكات العامة. شر السفهاء تجده عند متهور يحطم زجاج سيارة فقط لأن أصدقاءه يعبثون بسيارات المارة!

أما اللون الأبيض، فما زلت أعتبره لون الطيبة والطهر والعفاف، رغم أن بعض المحتالين قد يتنكرون به لسلب أموال الناس باسم موعظة زائفة تريح النفس، أو تدريب يفتح أبواب المستقبل.

لكن الشر ليس أسود دائما، بل ألوانه سبعة!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان