في خضم التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران، يبرز تساؤل مشروع: أهذه الحرب ضرورية من الناحية الإستراتيجية، أم إنها نتيجة لانهيارات سياسية وإعلامية داخلية وخارجية؟
من الواضح أن إسرائيل، بعد حربها على غزة، تلقت ضربة موجعة على صعيد صورتها الدولية، لا سيما في أوروبا، حيث شهدنا تحولا في الخطاب العام، وتراجعا في التأييد الشعبي، وتصاعد الأصوات المطالبة بمحاسبتها على انتهاكات حقوق الإنسان. ومع تصاعد الحرج الدولي، أصبح لا بد من خلق "عدو أكبر"، يعيد تموضع إسرائيل كطرف مدافع لا مهاجم، ويستجلب التعاطف الغربي.
في هذا السياق، لعبت إيران دور "الخصم المثالي"؛ فتصوير المواجهة معها كحرب استباقية ضد تهديد وجودي، يعيد لإسرائيل دور "الضحية المحاصرة"، ويخفف من حدة الانتقادات الغربية.
إضافة إلى ذلك، تأتي هذه الحرب لتقدم خدمة مزدوجة: من جهة، تضعف إيران سياسيا واقتصاديا، مما يهيئ الأرضية لاتفاق نووي جديد قد يروج له الرئيس الأميركي دونالد ترامب كإنجاز ضخم.
ومن جهة أخرى، تمنح بنيامين نتنياهو مخرجا من مأزقه الداخلي، سواء على صعيد إخفاقاته في غزة أو ملفاته القضائية، عبر استعادة المبادرة وإعادة ترتيب أولويات الرأي العام الإسرائيلي.
الحرب على إيران مناسبة لبنيامين نتنياهو لا لـ"توحيد الصف الداخلي" فحسب، بل أيضا لتأجيل أو تحييد الإجراءات القانونية التي تهدد مستقبله السياسي
انهيار صورة إسرائيل في الغرب
حرب غزة الأخيرة كشفت ضعف الرواية الإسرائيلية أمام كاميرات الهواتف المحمولة؛ إذ سقطت الحجج التقليدية في تبرير استهداف المدنيين، وانهارت صورة "الجيش الأخلاقي"، وتزايدت الأصوات الأوروبية المطالبة بفرض قيود على دعم تل أبيب، وتجددت حملات المقاطعة في الجامعات والنقابات.
في ظل هذا الانهيار، احتاجت إسرائيل إلى خصم يعيد تشكيل المعادلة: خصم كبير، مخيف، يعطي الحرب طابعا عالميا، ويحرج أي طرف يحاول التشكيك في شرعية الضربات. وهكذا، ظهرت إيران من جديد كعنوان جاهز لتمرير الأجندة.
نتنياهو على حافة السقوط.. والفرصة الذهبية
بنيامين نتنياهو، الذي واجه حملة انتقادات قاسية داخليا عقب الإخفاقات في غزة، وتهديدات حقيقية من القضاء، بات في حاجة إلى تحول دراماتيكي.
الحرب على إيران مناسبة لا لـ"توحيد الصف الداخلي" فحسب، بل أيضا لتأجيل أو تحييد الإجراءات القانونية التي تهدد مستقبله السياسي. هذا النوع من "الهروب إلى الأمام" هو سلاح معروف لدى قادة محاصرين في الزوايا.
ترامب وصفقة النووي الجديدة
التصعيد الإسرائيلي يتقاطع بشكل مباشر مع سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي عاد إلى البيت الأبيض وهو يحمل رؤية أكثر تشددا تجاه إيران.
ترامب يسعى إلى إعادة تشكيل الاتفاق النووي بما يخدم مصالح واشنطن وحلفائها الإقليميين، ويرى في الضغط العسكري على طهران أداة لدفعها إلى طاولة المفاوضات بشروط أميركية واضحة.
ولا يمكن إغفال أن هذا التصعيد يخدم أيضا موقع بنيامين نتنياهو، الحليف الأوثق لترامب في المنطقة، والذي يواجه ضغوطا سياسية داخلية، ما يجعل دعم واشنطن له جزءا من شبكة تبادل المصالح بين الطرفين، أكثر منه مجرد تضامن شخصي.
إنها حرب تلبس ثوب الضرورة، لكنها تتحرك بمنطق المصلحة، وتدار كأداة لإعادة رسم المشهد السياسي والإعلامي
الخاسر الحقيقي: الشعوب
وسط هذه الحسابات الباردة، تبقى الشعوب وحدها من يدفع الثمن: الإيرانيون تحت وطأة العقوبات، واللبنانيون والفلسطينيون أمام تهديد دائم بانفجار جديد، والسوريون عالقون بين نيران لا تهدأ. أما العالم العربي، فممزق بين من يؤيد، ومن يصمت، ومن يستعد لدفع الفاتورة.
الحرب كلعبة سياسة لا كضرورة أمنية
هل كانت هذه الحرب حتمية؟ ربما لا. هي تبدو، عند تفكيك السياق، أقرب إلى عملية تلميع لصورة إسرائيل بعد غزة، وإعادة تأهيل نتنياهو سياسيا، وتمهيد الطريق أمام ترامب لعقد اتفاق جديد مع إيران بشروطه الخاصة. إنها حرب تلبس ثوب الضرورة، لكنها تتحرك بمنطق المصلحة، وتدار كأداة لإعادة رسم المشهد السياسي والإعلامي.
وفي النهاية، قد لا نكون أمام حرب ضد "الخطر الإيراني"، بل ضد الفراغ السياسي، وضد فقدان السيطرة على السرديات، وضد مستقبل غامض لزعماء يريدون البقاء بأي ثمن.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

