عندما تباع السيارات بلا أنظمة سلامة

يشيع اعتقاد بأن مهايئ حزام الأمان للحوامل يوفر حماية إضافية للجنين، غير أنه يشكل خطورة كبيرة على الجنين، وفقا لنتائج اختبارات التصادم، التي أجراها نادي السيارات ADAC الألماني. (النشر مجاني لعملاء وكالة الأنباء الألمانية “dpa”. لا يجوز استخدام الصورة إلا مع النص المذكور وبشرط الإشارة إلى مصدرها.) عدسة: ADAC صور: dpa Credit: dpa
الأنظمة المتقدمة أصبحت في العديد من الدول الأوروبية إجبارية في السيارات الجديدة (وكالة الأنباء الألمانية)
  • سيارات تقتل بصمت: المستهلك العربي ضحية غياب تقنيات السلامة!

في وقت أصبحت فيه السلامة الطرقية عنوانا بارزا للسياسات العمومية في الدول المتقدمة، يطرح واقع سوق السيارات في العديد من الدول العربية أكثر من علامة استفهام، خصوصا فيما يتعلق بتقنيات المساعدة المتقدمة على القيادة "ADAS"؛ فرغم الأرقام المقلقة لحوادث السير، لا تزال بعض الأطر التنظيمية في هذه الأسواق متساهلة، بل ومتأخرة، في إلزام شركات السيارات بتجهيز سياراتها الأساسية بتقنيات أثبتت عالميا فاعليتها في تقليص الوفيات والخسائر البشرية.

تقنيات المساعدة المتقدمة على القيادة، مثل نظام الكبح التلقائي في حالات الطوارئ، والتنبيه عند مغادرة المسار، والمساعدة على الحفاظ على المسار، أو حتى نظام مراقبة النقطة العمياء، لم تعد رفاهية تقنية أو كماليات موجهة للفئات الميسورة، بل إن هذه الأنظمة أصبحت في العديد من الدول الأوروبية إجبارية في السيارات الجديدة، باعتبارها جزءا من الحق في السلامة، وليست خيارا تسويقيا خاضعا لمنطق الربح.

بعد اقتناء سيارة جديدة اكتشفت أن تجهيزاتها فيما يخص أنظمة المساعدة على القيادة أقل بكثير مما هو في نفس الطراز الموجه لأسواق أخرى

في المقابل، يلاحظ المتتبع أن أسواق السيارات العربية لا تزال تستقبل طرازات تسوق على أنها "جديدة"، لكنها تفتقر إلى أبسط تقنيات السلامة النشطة، أو تقدم فيها هذه الأنظمة كخيارات إضافية بثمن مرتفع.

والأخطر من ذلك أن هذا الوضع يتم تحت أنظار السلطات التنظيمية، دون إلزام واضح أو سقف أدنى للتجهيزات، ما يفتح الباب أمام شركات السيارات لتكييف عروضها مع منطق "أقل تكلفة ممكنة" بدل "أقصى حماية ممكنة".

من خلال تجربتي الشخصية كمستهلك وباحث اصطدمت بهذا الواقع بشكل مباشر؛ فبعد اقتناء سيارة جديدة اكتشفت أن تجهيزاتها فيما يخص أنظمة المساعدة على القيادة أقل بكثير مما هو في نفس الطراز الموجه لأسواق أخرى.

إعلان

لم يكن الأمر متعلقا بالكماليات أو الراحة، بل بأنظمة أساسية تمس السلامة اليومية، وتقدم خارج هذه الأسواق كمعيار افتراضي، بينما تحذف محليا أو تدرج ضمن فئات أعلى ثمنا. هذه المفارقة دفعتني إلى التساؤل: لماذا يسمح بتسويق سيارة "أقل أمانا" للمستهلك العربي؟

الأكثر إرباكا في هذه التجربة هو غياب أي شفافية حقيقية عند التسويق؛ فلا الوكيل التجاري يبرز الفوارق الجوهرية في أنظمة السلامة، ولا الإطار القانوني يفرض حدا أدنى واضحا يلزم به الجميع.

وهكذا يجد المستهلك نفسه أمام خيار قسري: إما القبول بنقص في أنظمة الحماية، أو أداء تكلفة إضافية مقابل تقنيات يفترض أصلا أن تكون مدمجة، وهو وضع يعكس خللا بنيويا في حماية المستهلك، لا مجرد حالة فردية معزولة.

هذا التساهل لا يمكن فصله عن اختلال أعمق في العلاقة بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين في قطاع السيارات؛ فبدل أن تفرض السلطات معايير صارمة تحمي المستهلك وتراعي المصلحة العامة، يبدو أنها تفضل منطق الجذب الاستثماري بأي ثمن، حتى وإن كان ذلك على حساب السلامة الطرقية. والنتيجة أن المستهلك العربي يجد نفسه يشتري سيارة بمعايير سلامة أدنى من تلك المفروضة على نفس الطراز في أسواق أخرى.

النقاش حول تقنيات المساعدة المتقدمة على القيادة ليس نقاشا تقنيا محضا، بل هو نقاش حول نموذج الدولة؛ بين دولة تحمي مواطنيها عبر تشريعات استباقية، ودولة تكتفي بردود الفعل بعد فوات الأوان

من زاوية السياسات العمومية، يطرح هذا الوضع سؤال الأولويات: هل تعتبر الدولة السلامة الطرقية قضية سيادية مرتبطة بالحق في الحياة، أم مجرد ملف ثانوي يرحل باستمرار تحت ضغط اللوبيات الصناعية؟ فالمفارقة الصارخة أن بعض الدول تستثمر ملايين الدولارات في حملات التحسيس، بينما يغض الطرف عن أدوات تكنولوجية قادرة على منع الحادث قبل وقوعه.

إن فرض تقنيات المساعدة المتقدمة على القيادة لا يعني بالضرورة رفع أسعار السيارات بشكل كبير كما تروج بعض الشركات، بل هو قرار سياسي وتنظيمي بالأساس. والدليل أن نفس الشركات، حين تلزم في أسواق أخرى، تمتثل دون نقاش. وبالتالي فإن استمرار الوضع الحالي يعكس غياب إرادة حقيقية لفرض قواعد لعبة متوازنة، يكون فيها المستهلك العربي في قلب الاهتمام، لا في هامشه.

وفي الأخير، فإن النقاش حول تقنيات المساعدة المتقدمة على القيادة ليس نقاشا تقنيا محضا، بل هو نقاش حول نموذج الدولة؛ بين دولة تحمي مواطنيها عبر تشريعات استباقية، ودولة تكتفي بردود الفعل بعد فوات الأوان. وبين هذا وذاك، تستمر الأرواح في النزيف على طرقات لا ينقصها الوعي فحسب، بل أيضا القرار السياسي الجريء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان