السودان في قلب مشروع الشرق الأوسط الجديد

تصميم خاص - 4 – قوات الجيش بين تقدم وخسائر وشبح الترسيم السودان في عام جديد: انتظار قد يطول وتردد أميركي وفشل الوساطة
الكاتب: مع تآكل المركز وتعدد مراكز القوة وظهور مشاريع سلطة موازية باتت وحدة الدولة نفسها محل إعادة تعريف (الجزيرة)
  • هل عاد مشروع الشرق الأوسط الجديد من بوابة السودان؟

لم يعد الحديث عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط حبيس الأدبيات النظرية، أو مشاريع غرف التفكير المغلقة، إذ عاد إلى الواجهة بوصفه مسارا عمليا يدار عبر الوقائع لا عبر الإعلانات.

وفي هذا السياق، يبرز السودان لا كحالة معزولة عن محيطه، وإنما كنقطة ارتكاز كاشفة لمسار أوسع، تتقاطع فيه فكرة التفكك مع لحظة إقليمية مضغوطة، يجري فيها الدفع بخيارات الانفصال وتفتيت الدولة بوصفها أدوات لإدارة الأزمات، لا حلولا لها.

التفكك هنا لا يقدم كفشل، بل كإعادة ترتيب، ولا يسوق كخيار اضطراري، بل كصيغة "واقعية" لإدارة دولة منهكة

السودان بوصفه نقطة ارتكاز إقليمية

منذ انفجار الصراع في السودان، لم تتوقف التداعيات عند حدود المواجهة العسكرية، بل تمددت لتشمل انهيار البنية الاجتماعية، وتفكك المجال العام، وتحول النزوح واللجوء إلى إحدى أكبر موجات الإزاحة السكانية في المنطقة.

ومع تآكل المركز، وتعدد مراكز القوة، وظهور مشاريع سلطة موازية، باتت وحدة الدولة نفسها محل إعادة تعريف، لا بوصفها هدفا سياسيا، وإنما كمعطى قابل للتجاوز. هنا، لا يطرح التفكيك صراحة، لكنه يمارس فعليا عبر الوقائع، وعبر هندسة سلطة تدار بمنطق الأمر الواقع.

الدور الجغرافي والإستراتيجي للسودان

في هذا الإطار، يكتسب السودان أهمية تتجاوز حدوده الجغرافية؛ فموقعه على تخوم القرن الأفريقي، وارتباطه المباشر بمسارات البحر الأحمر، وتحوله إلى ساحة تقاطع لمصالح إقليمية متضاربة، كل ذلك جعله مرآة مبكرة لمسار يعاد إنتاجه في أكثر من ساحة. فالتفكك هنا لا يقدم كفشل، بل كإعادة ترتيب، ولا يسوق كخيار اضطراري، بل كصيغة "واقعية" لإدارة دولة منهكة.

يبرز إقليم أرض الصومال بوصفه مثالا صريحا على تطبيع الانفصال دون اعتراف دولي كامل. فعلى مدى سنوات، جرى التعامل مع الكيان المنفصل باعتباره شريكا أمنيا واقتصاديا، رغم غياب الشرعية القانونية

آليات التفكك والوقائع الممارسة

هذا المنطق لا يقتصر على السودان؛ ففي اليمن تتزامن عودة خطاب الانفصال الجنوبي مع إعادة تعريف الصراع بوصفه معركة على الموانئ وخطوط الملاحة، لا على شكل الدولة.

ومع تحول الساحل إلى أصل إستراتيجي، تتراجع فكرة الدولة الجامعة لصالح كيان قادر على تأمين وظيفة محددة ضمن منظومة أوسع. وهكذا، يعاد تقديم الانفصال كخيار استقرار، في حين أنه يعكس تثبيتا لنفوذ طويل الأمد تحت غطاء سياسي.

إعلان

وفي سوريا، تبدو الخريطة أكثر تعقيدا، لكنها لا تخرج عن السياق ذاته؛ فالهياكل اللامركزية، والإدارات الذاتية، ومناطق النفوذ المتعددة، لم تتطور باتجاه تسوية وطنية شاملة، وإنما استخدمت كأدوات تفاوضية قابلة لإعادة التوظيف.

ومع تجميد خطوط الصراع، تحولت هذه الكيانات إلى وقائع سياسية مؤقتة، يحتفظ بها بوصفها أوراق ضغط في توازنات إقليمية لم تحسم بعد. الانفصال هنا لا يعلن، لكنه يترك معلقا كخيار جاهز عند الحاجة.

أما في العراق، فرغم إخفاق تجربة الانفصال الكردي رسميا، فإن نموذج الإقليم شبه المستقل ظل حاضرا بوصفه صيغة قابلة للاستدعاء. فالدولة المركزية، التي تعيش توترات داخلية مزمنة، لم تستعد قدرتها على إنتاج هوية جامعة، ما أبقى فكرة التفكك المؤجل قائمة، لا كهدف معلن، وإنما كخيار احتياطي في لحظة اختلال كبرى.

وفي القرن الأفريقي، يبرز إقليم أرض الصومال بوصفه مثالا صريحا على تطبيع الانفصال دون اعتراف دولي كامل. فعلى مدى سنوات، جرى التعامل مع الكيان المنفصل باعتباره شريكا أمنيا واقتصاديا، رغم غياب الشرعية القانونية.

هذا النموذج، الذي يقوم على الاعتراف الوظيفي بدل الاعتراف السياسي، يعكس اتجاها متزايدا نحو التعامل مع الكيانات المنفصلة وفق منطق المصالح، لا وفق قواعد النظام الدولي التقليدي.

إن ما يجري ليس نتاج مؤامرة واحدة، ولا نتيجة تخطيط محكم، بقدر ما هو تلاقي مصالح في لحظة سيولة. وحين تتلاقى هشاشة الداخل مع حسابات الخارج، يصبح التفكيك المسار الأقل كلفة، حتى وإن كان الأعلى ثمنا على المدى البعيد

القاسم المشترك بين الحالات

القاسم المشترك بين هذه الحالات لا يتمثل في اختلاف السياقات المحلية، وإنما في تزامن الدفع بخيارات التفكيك في لحظة إقليمية واحدة. فمع تراجع الاهتمام ببناء الدول، وصعود منطق إدارة الأزمات، يجري التعامل مع الانفصال كأداة ضبط، لا كحل جذري.

وفي هذا السياق، يعود مشروع "الشرق الأوسط الجديد" بصيغة محدثة، أقل صخبا من نسخته الأولى، وأكثر براغماتية في أدواته.

المخاطر والتبعات البعيدة

السودان في هذه المعادلة لا يختزل في كونه ضحية، بقدر ما يتحول مرة أخرى إلى بوابة اختبار. فإذا ما تم تكريس التفكيك فيه، سواء عبر حكومات موازية، أو عبر كيانات أمر واقع، فإن ذلك سيعزز منطق التعامل مع التفكيك كمسار مقبول إقليميا. وهنا تكمن الخطورة، لا في الانفصال ذاته، وإنما في تطبيعه كحل إداري يغلق الباب أمام أي محاولة جادة لإعادة بناء الدولة.

إن ما يجري ليس نتاج مؤامرة واحدة، ولا نتيجة تخطيط محكم، بقدر ما هو تلاقي مصالح في لحظة سيولة. وحين تتلاقى هشاشة الداخل مع حسابات الخارج، يصبح التفكيك المسار الأقل كلفة، حتى وإن كان الأعلى ثمنا على المدى البعيد. وفي غياب مشروع وطني جامع، تتحول الدولة إلى عبء، وتستبدل بها وحدات أصغر، أكثر قابلية للإدارة، وأشد اعتمادا على الحماية الخارجية.

إعادة التوزيع أم إعادة البناء؟

في هذا المشهد، لا يبدو الشرق الأوسط مقبلا على إعادة بناء، بقدر ما يتجه نحو إعادة توزيع؛ توزيع للنفوذ، وللمخاطر، وللهشاشة أيضا. والسودان، بما يحمله من ثقل جغرافي وبشري، يقف اليوم في قلب هذه اللحظة كنموذج مبكر لمسار يعاد إنتاجه على امتداد الإقليم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان