في لحظات التحول الكبرى، لا تقاس الدول بقدرتها على الحسم وحده، بل بقدرتها على ضبط القوة حين تكون في ذروتها. فالقوة، إذا لم تقيد بالحكمة، تحولت إلى عبء، وإذا لم تدر بعقل الدولة، انقلبت على أصحابها.
ومن هنا، فإن ما نشهده اليوم من مقاربة سورية جديدة في إدارة الصراع الداخلي يعكس ولادة وعي سياسي وأخلاقي نادر، يضع مصلحة الدولة والإنسان فوق نزعات الغلبة والانتقام.
الدولة لا تبنى بإعادة إنتاج الكراهية، ولا تستعاد وحدتها عبر كسر مكون من مكوناتها، مهما بلغت الخلافات أو تعمقت الجراح
ميزان القوة حين يدار بعقل الدولة
مع أن القوة والسلطة بيد الجيش العربي السوري، ومع أن الدولة اليوم في موقع الغلبة الميدانية والسياسية، ومع أن التأييد الشعبي حاضر، والدعم الإقليمي والدولي، صراحة أو ضمنا، يميل لصالح القيادة السورية الجديدة، فإن القرار لم يكن قرار اندفاع أو استعراض قوة، بل قرار تروٍ وتأنٍ محسوبين بدقة.
الدولة التي تمتلك القدرة على الحسم اختارت ألا تجعل من القوة لغة وحيدة، بل جعلتها خلفية صامتة تفسح المجال للعقل، وللسياسة، ولمنطق الدولة الجامعة.
بين جراح الماضي وآفاق المستقبل
لا يمكن القفز فوق ما ارتكبته "قسد" من تجاوزات وانتهاكات تركت آثارا مؤلمة في وجدان السوريين، ولا يمكن إنكار رغبة طبيعية في القصاص لدى من ذاق الظلم. غير أن القيادة السورية فرقت بوضوح بين الحق في العدالة، وبين الوقوع في فخ الانتقام.
فالدولة لا تبنى بإعادة إنتاج الكراهية، ولا تستعاد وحدتها عبر كسر مكون من مكوناتها، مهما بلغت الخلافات أو تعمقت الجراح.
نهج غير مسبوق في إدارة الخصومة
منح الوقت، وتوسيع مساحات الحوار، والقبول بالتفاوض الطويل، والصبر السياسي الذي امتد لأشهر، كلها مؤشرات على عقل دولة لا تبحث عن صورة نصر سريع، بل عن نتيجة مستدامة تخدم البلاد على المدى البعيد.
القوانين والمراسيم الجديدة التي أنصفت أهلنا الكرد، وأعادت لهم حقوقهم المدنية والقانونية، ورفعت من شأن لغتهم وثقافتهم وأعرافهم وأعيادهم، جاءت لتؤكد أن الدولة السورية لا تدار بعقلية الغالب والمغلوب، بل بعقلية الشراكة الوطنية
الإنسان أولا حتى في ذروة الخلاف
فتح الممرات الإنسانية لأهلنا في مناطق سيطرة "قسد"، ثم تمديد فتح هذه الممرات، لم يكن خطوة تقنية أو ظرفية، بل تعبيرا صريحا عن رؤية أخلاقية ترى في الإنسان قيمة عليا لا تختزل بالخلاف السياسي أو العسكري.
هذه الخطوات أعادت تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها، حتى المختلفين معها، ورسخت مفهوم أن الدولة القوية هي التي تحمي الناس قبل أن تحاسبهم.
إنصاف الإخوة الكرد واستعادة المعنى الحقيقي للمواطنة
القوانين والمراسيم الجديدة التي أنصفت أهلنا الكرد، وأعادت لهم حقوقهم المدنية والقانونية، ورفعت من شأن لغتهم وثقافتهم وأعرافهم وأعيادهم، جاءت لتؤكد أن الدولة السورية لا تدار بعقلية الغالب والمغلوب، بل بعقلية الشراكة الوطنية.
هذه الخطوات لم تكن منة، بل تصحيحا لمسار، وإغلاقا لباب طالما استخدم للعبث بوحدة المجتمع السوري من قبل أطراف داخلية وخارجية.
لقد آن الأوان لبناء دولة سورية حديثة، جامعة، عادلة، يسهم في بنائها العرب والكرد وسائر مكونات المجتمع، تحت سقف واحد، وبمنطق الدولة لا بمنطق الثأر
قيم كادت تنقرض
إن هذا السلوك السياسي والأخلاقي لا يمكن فصله عن مرجعيته القيمية العميقة. فهو أقرب ما يكون إلى ما قرأناه في كتب السيرة والتاريخ عن عصور السلف من الصالحين والحكماء، تلك القيم التي ظن كثيرون أنها اندثرت في زمن المصالح الخشنة والسياسة العارية من الأخلاق.
وهو في جوهره امتداد لقيم الإسلام في العدل عند المقدرة، والحكمة عند الغلبة، واحترام الإنسان كإنسان. وهي قيم لا تخدم سوريا وحدها، بل تخدم صورة الإسلام نفسه، وتعيد تقديمه بوصفه مشروع عدل ورحمة، لا أداة صراع وإقصاء.
إن ما تقوم به الدولة السورية اليوم يصب في مصلحة سوريا، حكومة وشعبا، ويؤسس لوحدة وطنية حقيقية لا تقوم على الخوف، بل على القناعة. كما أنه يبعث برسالة أوسع مفادها أن القيم الأخلاقية لا تزال قادرة على إدارة الصراع، وأن الحكمة ليست ضعفا، بل أعلى درجات القوة.
لقد آن الأوان لبناء دولة سورية حديثة، جامعة، عادلة، يسهم في بنائها العرب والكرد وسائر مكونات المجتمع، تحت سقف واحد، وبمنطق الدولة لا بمنطق الثأر. ومن يدرك قيمة هذه اللحظة، يدرك أن التاريخ لا يرحم من أضاع فرص الحكمة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

