- المثقف والسلطة: صراع القلم والسيف
الثقافة والمثقف مشتقة من مادة ثقف، والثقف لغة هو الحاذق الفطن، وثقف الشيء صوب وأقام المعوج منه، وثقف الإنسان أدبه وهذبه بالعلم والأخلاق. و
يعرف التثقيف بأنه الفائدة التي تؤدي إلى استنارة الذهن، وتهذيب الذوق، وتنمية ملكات النقد المتزن لدى الفرد والمجتمع. وكثيرا ما تترادف الثقافة مع معاني الرقي الفكري، الأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات، بما يترتب معه تغيير في السلوك النمطي. ويشتمل مفهوم الثقافة الجمعي كل ضروب المعرفة من التاريخ، والفنون، والعلوم الإنسانية، والديانات، والعادات والتقاليد.
على مر تاريخ الإنسانية برز دور المثقف وتأثيره في الحياة الاجتماعية والسياسية. ففي الحضارة الإغريقية والرومانية القديمة، برز دور المثقف الذي يروم البحث عن الحقيقة ويدعو إلى الإصلاح الاجتماعي بشتى السبل. فدعا أفلاطون، تلميذ سقراط وأستاذ أرسطو، إلى صياغة قواعد الحكم بأسس جديدة ترسي نظم الحكم والسياسة، وعندما يئس حلم بالمدينة الفاضلة التي يحكمها المثقفون ويتمتع فيها الشعب بأسمى درجات الرفاهية الاجتماعية والثقافية.
حديثا يتفق أن التعريف الشامل للمثقف هو ذلك الشخص الذي ينغمس في التفكير العميق لدراسة ظواهر المجتمع، والتبصر في انعكاساتها القريبة والبعيدة، ثم محاولة التأثير على الرأي العام والمجتمع بنشر الوعي والتنوير.
وكثيرا ما يتعدى المثقف حواجز العجز لبناء حركة تؤدي إلى التغيير المطلوب. من هذا المنطلق اتفق كثير من المفكرين والباحثين أن المثقفين فئة خاصة من المتعلمين ذوي خواص نادرة، يتمتعون بقدر عالٍ من المسؤولية والقيم الأخلاقية، ويؤمنون بمبادئ سامية هي لب الإنسانية، تشتمل على معاني الحرية والعدل واحترام حقوق الإنسان.
مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون (1323-1406) دعا أن يلبس المثقف عباءة السلطان وأن يكون معاونا لنظام الحكم ما استطاع
حفل التاريخ العربي والإسلامي بتطور العلاقة الشائكة بين المثقف والسلطة، لا سيما عندما اختزل الحكم في شمولية الأفراد لا نظام الدولة.
كان عبدالله بن المقفع (724-759) من أوائل المثقفين المسلمين الذين دعوا إلى الإصلاح الاجتماعي وتقويم نظام الحكم ليخدم الرعية، كما دعا صراحة إلى استقلالية المثقف من كنف السلطان.
وفي محاولته نشر حكمة التأثير الأمثل لقلم المثقف تجاه سيف السلطان، كتب عبدالله بن المقفع كتابه السهل الممتنع "كليلة ودمنة"، وفيه صور بدرجة بلاغية متناهية مصانعة وعقلانية حكمة المثقف أمام تسلط وقصر نظر السلطان، وكأنه يقول إن المصانعة والمداهنة أفضل طريق لأن يحقق المثقف غاياته المنشودة للإصلاح عبر بوابة نفوذ السلطة.
لكن ككثير من المثقفين لم يلتزم ابن المقفع بنهجه الذي دعا له، فلم يطق ذرعا بجهل وغوغائية الحاكم، فتصادم مع صولجان السلطان ليتم تعذيبه وقتله بوحشية وهو دون سن الأربعين.
وحتى تبرر السلطة فعلها، ابتدرت سنة سيئة لمجابهة حرية القلم والتعبير، فرمته بتهمة الكفر والزندقة، مؤسسة لكسر شوكة قلم المثقف أمام الرأي العام. ورغم سوداوية الحدث، فإن ذكر وإرث المثقف فاق أضعافا مضاعفة كسب سيف السلطة.
في المقابل نجد أن مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون (1323-1406) دعا أن يلبس المثقف عباءة السلطان وأن يكون معاونا لنظام الحكم ما استطاع، معتبرا أنه بدون يد وقوة السلطان لا يستطيع المثقف أن يحقق التغيير الاجتماعي المنشود.
ذلك النهج طبقه ابن خلدون حرفيا، فعاش طوال حياته الفكرية والعملية في كنف السلطان، يبذل وقته وجهده في خدمة صولجان الحكم مقابل الدعم المادي الذي وجده، ليطوف الأمصار والبلدان، فيتعرف على طبائع وعادات الشعوب، ليلخصها علما ومعرفة على صفحات كتبه العديدة في علاقة تكافلية بلا ضرر ولا ضرار.
للمثقف مسؤولية أخلاقية أساسية تجاه المجتمع، وأن دوره في المقام الأول أن يصدع بالحق ويكشف الكذب والخداع اللذين يقوم بهما السياسيون، وتتبناهما الحكومات لتمريرهما على الشعوب بلا أسس موضوعية
في كتابه القيم "المثقف والسلطة"، استعرض المفكر والأكاديمي الأميركي الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد (1935-2003) مختلف الآراء عن تعريف ودور المثقف في المجتمع خلال القرن الماضي. وفيه استنبط أن المثقف شخص يتبنى ويؤمن بفكرة أو قضية، ولا يخشى أن يبذل حيالها الوقت والجهد لإبراز أثرها في الحياة العامة، ليس هذا وحسب بل ويناضل من أجل الفكرة حتى وإن ترتب عليها مواجهة التقاليد، وتكلس العقول، وشمولية السلطة.
وذهب المؤلف إلى أن المثقف لن يستطيع فكاكا من نير السلطة في العصر الحديث، فلو حاول الهروب إلى سوح الفكر، أو الفن، أو العمل، فلا بد أن يرتطم بظل السلطة التي تتقاطع مع كل ما هو عملي أو معنوي.
إضافة إلى ذلك بين أيضا الفرق بين المثقف التقليدي كالمرشد، والإمام، والأستاذ الذي يحاول التغيير عبر وسائل تقليدية تعتمد على تكرار الخطاب والمنهج، وبين المثقف العضوي الفعال الذي يتجاوب مع أحداث المجتمع ليرى الظاهر والمستتر منها، ثم يحاول التغيير بطرق مبتكرة لا تشمل نشر المعرفة والتنوير فحسب، بل تأليب الرأي العام بمختلف الطرق وبناء القيادة والريادة الرشيدة لتشكيل جبهات ضغط تؤدي للتغيير المنشود.
خير مثال لهذا المنهج الذي وصفه إدوارد سعيد للمثقف الشامل، تبرز حياة وتأثير الفيلسوف والمفكر الأميركي نعوم تشومسكي الذي نذر حياته لاتخاذ مواقف تنبع من مبادئه الذاتية والفكرية، ولم يتوان يوما عن القيام بواجبه تجاه ما يؤمن به، حتى وإن ترتب على ذلك اصطدام سنان قلمه ومبادئه بصخر سيف السلطة الصلب، أو السباحة عكس موج الإعلام الهدام. فقد أسس تشومسكي هذا النهج قبل ما يربو عن الخمسين عاما عندما فصل في مقال مفصلي مسؤولية المثقف نحو قضايا المجتمع المعاصر.
وفيه بين أن للمثقف مسؤولية أخلاقية أساسية تجاه المجتمع، وأن دوره في المقام الأول أن يصدع بالحق ويكشف الكذب والخداع اللذين يقوم بهما السياسيون، وتتبناهما الحكومات لتمريرهما على الشعوب بلا أسس موضوعية أو أخلاقية.
في ستينيات القرن الماضي، ساند المثقفون المستنيرون حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة التي ردت الحقوق للسود بعد أن هضمت حقوقهم لأجيال في مجتمع طبقي يكتب القوانين باليمين ولا يطبقها
في محاولة وجيزة لعرض دور المثقفين في تاريخ الإنسانية الحديث، يكفي أن نشير إلى دورهم في محاربة العبودية والرق في أوروبا وأميركا بعد أن كانت الظاهرة واقعا ملموسا تحميها اللوائح والقوانين.
فبعد سنوات طويلة من تأليب الرأي العام وإقناع السياسيين الموالين للفكرة، تم تمرير قوانين في القرن التاسع عشر تحظر الظاهرة المنافية للإنسانية وتقبرها في المجتمعات الحديثة، ورغم أن الأمر يبدو منطقيا في الوقت الحاضر، فإن تنفيذه في ذلك الوقت كان دونه خرط القتاد.
في مطلع القرن العشرين شارك المثقفون من كلا الجنسين في حركة رد حقوق المرأة حتى تبوأت المناصب القيادية والسياسية التي أصبحت حقا مشروعا اليوم. وفي منتصفه شارك المثقفون في رسم خطوط الإجماع لحقوق الإنسان حتى ضمنتها دساتير الدول المختلفة وأصبحت وسما يشار إليه.
وفي ستينيات القرن الماضي، ساند المثقفون المستنيرون حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة التي ردت الحقوق للسود بعد أن هضمت حقوقهم لأجيال في مجتمع طبقي يكتب القوانين باليمين ولا يطبقها باليسار.
ونتاجا لذلك الجهد والمثابرة، أثمرت الأيام أكثر مما توقعه المؤسسون، فبعد ما يقارب من خمسة عقود من ذلك النصر انتخبت البلاد أول رئيس أسود ليجلس على كرسي البيت الأبيض، منتصرا للمساواة والعدالة والحرية، وأصبح التمييز العرقي في الوقت الحاضر جريمة يعاقب عليها القانون.
وفي ثمانينيات القرن نفسه أبرز المثقفون من كل أنحاء العالم الوجه الكالح لسياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، فرفعوا الشعارات وقادوا المظاهرات ضد زعماء الفصل العنصري حتى انصاع الغرب ليضغط عليهم ليقبلوا بالحل السياسي الشامل الذي أعاد البلاد لسادتها ومهد لدولة العدالة، والديمقراطية، والمواطنة والحريات.
رغم ضعفهم المادي، يدرك المثقفون أنهم يفوقون شوكة السلطان لامتلاكهم سلاح المعرفة والثقافة، ومبدأ التفكر في الماضي والحاضر
حديثا أجبرت أقلام المثقفين السياسيين والحكام في أوروبا على قبول مئات الألوف من اللاجئين الفارين من ويلات الحروب في الشرق الأوسط، إيفاء لمبادئ الإنسانية وحقوق الإنسان على حساب الخوف من مشاكل الهجرة الاجتماعية، والأمنية، والاقتصادية.
رغم أن غالبية أهل السلطة وبعض المتعلمين سيحاولون دوما اختزال دور المثقفين وتأثيرهم في الحياة الاجتماعية والسياسية ورميهم بعقم الفشل المرئي، فإن المثقفين سيواصلون جهدهم ما استطاعوا في المسير المتئد تجاه فجر المستقبل المشرق، خطوة خطوة، وميلا فميلا. ينيرون ظلام العقول، ويهدمون قلاع الجهل والتكلس، وينشرون رايات المعرفة والتنوير.
يساعدهم على ذلك إيمان صلب بالمبادئ، ومضاء للإرادة والعزيمة، وأمل دائم لا ينقطع في تنسم رياح مستقبل التغيير. رغم ضعفهم المادي، يدرك المثقفون أنهم يفوقون شوكة السلطان لامتلاكهم سلاح المعرفة والثقافة، ومبدأ التفكر في الماضي والحاضر، حيث تنتهي الآجال وتتداول الأيام، ويثلم النقصان الكمال، فيستحيل دوام الحال.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
