- من الهوية إلى السياسة: قراءة في انقسامات أكراد سوريا
- الهوية حين تتحول إلى سؤال سياسي
يشكل الوجود الكردي في سوريا واحدا من أكثر قضايا الهوية تركيبا في المشرق العربي، ليس فقط بسبب جذوره التاريخية الممتدة داخل الجغرافيا السورية، بل بفعل تحولات السياسة والصراع التي أعادت طرح أسئلة الانتماء والمواطنة والدولة.
منذ اندلاع الانتفاضة السورية عام 2011، خرجت القضية الكردية من إطارها الحقوقي التقليدي إلى فضاء سياسي أوسع، تشابكت فيه العوامل الداخلية مع تدخلات إقليمية ودولية، ما أسهم في إنتاج مشهد كردي متعدد الاتجاهات يصعب اختزاله في خطاب واحد أو موقف جامع.
لا تهدف هذه المقالة إلى تقديم سردية إدانة أو تبرئة، بقدر ما تسعى إلى تفكيك البنى السياسية والفكرية داخل المجتمع الكردي السوري، ورصد التباينات في مقاربته لمفاهيم الهوية، والدولة، والمستقبل، في لحظة تاريخية مفتوحة على احتمالات متعددة.
هذه الحالة من التردد جعلت هذا التيار قابلا للتحول، بحسب المتغيرات الإقليمية والدولية، وأضعفت قدرته على إنتاج رؤية طويلة الأمد لمسألة العلاقة بين الهوية الكردية والدولة السورية
التيار الوطني الكردي.. المواطنة بوصفها إطارا جامعا
يمثل التيار الوطني الكردي شريحة واسعة من الأكراد السوريين الذين تشكلت هويتهم السياسية ضمن إطار الدولة السورية، لا على هامشها. فقد عاش هؤلاء في مدن كدمشق (ركن الدين)، وحلب، والحسكة، ونسجوا علاقات اجتماعية واقتصادية وثقافية طبيعية مع بقية المكونات، ما جعل الانتماء الوطني جزءا من تجربتهم اليومية، لا شعارا سياسيا طارئا.
سياسيا، تبنى كثيرون من أبناء هذا التيار مفهوم الدولة الوطنية الجامعة، مع إدراكهم وجود مظالم تاريخية، خاصة فيما يتصل بالحقوق الثقافية واللغوية، وسياسات التهميش التي مورست في مراحل مختلفة.
غير أن مقاربتهم هذه المظالم اتسمت بالسعي إلى الإصلاح ضمن الإطار الوطني، لا القطيعة معه. وقد شارك عدد كبير منهم في الحراك الشعبي منذ بداياته، بوصفه حركة مطلبية سورية عامة، لا مشروعا كرديا خاصا.
هذا التيار، رغم حضوره الاجتماعي، عانى من ضعف التنظيم السياسي المستقل، ومن تراجع تمثيله أمام صعود قوى أكثر أيديولوجية وتنظيما، ما جعله أقل قدرة على التأثير في مسار الأحداث، رغم امتلاكه خطابا أقرب إلى فكرة الشراكة الوطنية.
التيار المتردد.. ازدواجية الهوية والسياسة
بين الاندماج الكامل والانفصال الصريح، برز تيار واسع يمكن وصفه بالمتردد أو الرمادي، يعكس حالة من القلق السياسي والهوياتي. فهذا التيار لا ينكر انتماءه السوري، لكنه في الوقت ذاته يتأثر بخطابات قومية كردية عابرة للحدود، غذتها تطورات إقليمية، وصعود نماذج حكم ذاتي كردية في دول الجوار.
وجود هذا التيار في مناطق شمالي شرقي سوريا، ضمن إطار "الإدارة الذاتية"، أسهم في تعميق هذه الازدواجية. فمن جهة، وفرت الإدارة الذاتية شعورا بالحماية والتمكين السياسي، ومن جهة أخرى، أبقت العلاقة مع الدولة السورية معلقة؛ فلا هي قطيعة كاملة ولا اندماج فعلي. وغالبا ما اتسم خطاب هذا التيار بالبراغماتية، والتكيف مع موازين القوى الدولية، لا ببناء مشروع سياسي واضح ومستقر.
هذه الحالة من التردد جعلت هذا التيار قابلا للتحول، بحسب المتغيرات الإقليمية والدولية، وأضعفت قدرته على إنتاج رؤية طويلة الأمد لمسألة العلاقة بين الهوية الكردية والدولة السورية.
في السياق السوري، برز نفوذ هذا التيار من خلال وحدات حماية الشعب، ولاحقا ضمن قوات سوريا الديمقراطية، مع تبني نموذج إداري وأمني متأثر بتجارب خارج الحدود
التيار المؤدلج.. السياسة خارج السياق الوطني
يمثل هذا التيار الحالة الأكثر تنظيما وانضباطا أيديولوجيا داخل المشهد الكردي السوري، وترتبط بعض جذوره التاريخية بالهجرات الكردية من الأناضول إلى سوريا عقب أحداث عشرينيات القرن الماضي. وقد حافظ هذا التيار على روابط سياسية وفكرية وثيقة مع حركات كردية إقليمية، أبرزها حزب العمال الكردستاني.
لا يقتصر تميز هذا التيار على بنيته التنظيمية، بل يمتد إلى مقاربته النظرية مفهوم الدولة ذاته؛ إذ يتبنى خطابا نقديا جذريا لفكرة الدولة الوطنية، ويستبدل بها مفهوم "أخوة الشعوب" أو "الكونفدرالية المجتمعية"، بوصفها بديلا عن الدولة القومية الحديثة. ورغم ما يحمله هذا الخطاب من بعد نظري، فإن تطبيقه السياسي غالبا ما أفضى إلى تبرير نشوء كيانات أمر واقع موازية للدول، تفتقر إلى الشرعية الوطنية والدستورية.
تلعب قطاعات من النخب السياسية الكردية دورا محوريا في مخاطبة المشاعر القومية، عبر الترويج لشعارات مثل "كردستان" و"روج آفا"، بوصفها أفقا سياسيا ممكنا رغم محدودية شروط تحقيقها في الواقع الإقليمي والدولي. وغالبا ما تتحول هذه الشعارات إلى أدوات تعبئة أكثر منها مشاريع سياسية قابلة للتنفيذ.
وفي هذا السياق، تجد هذه النخب نفسها، بوعي أو من دونه، منخرطة في تفاعلات مع القوى الكبرى، التي توظف الخطاب القومي الكردي ضمن حساباتها الإستراتيجية، من دون أن تتحمل كلفة نتائجه الاجتماعية والسياسية على المجتمعات المحلية.
في السياق السوري، برز نفوذ هذا التيار من خلال وحدات حماية الشعب، ولاحقا ضمن قوات سوريا الديمقراطية، مع تبني نموذج إداري وأمني متأثر بتجارب خارج الحدود.
وقد مكنه هذا التنظيم من ملء فراغ السلطة في مناطق واسعة، بدعم دولي مرتبط بالحرب على تنظيم "الدولة الإسلامية". غير أن هذا الصعود رافقه جدل واسع، محليا ودوليا، بشأن طبيعة الممارسات السياسية والأمنية في مناطق سيطرته، وحدود توافق هذا المشروع مع فكرة الدولة السورية الجامعة.
هذه التجربة توضح أن الانتماء والمشاركة السياسية لا يتحققان فقط بالهوية، بل يحتاجان إلى أدوات تمثيلية واقعية تحمي مصالح القاعدة الشعبية من التجاذبات الإقليمية والدولية
تأثير المشاريع الإقليمية على الأكراد البسطاء
ومن خلال متابعتي المستمرة المشهد السياسي الكردي وقراءتي الأحزاب والحركات، يتضح أن شرائح واسعة من الأكراد البسطاء تم توظيفهم لتحقيق أهداف دولية، دفعوا فاتورتها اجتماعيا وسياسيا، من نفور المجتمعات التي يعيشون معها في الدول العربية وغير العربية، إلى صعوبات في الاندماج الطبيعي.
هذه التجربة توضح أن الانتماء والمشاركة السياسية لا يتحققان فقط بالهوية، بل يحتاجان إلى أدوات تمثيلية واقعية تحمي مصالح القاعدة الشعبية من التجاذبات الإقليمية والدولية.
الدولة بوصفها سؤالا مؤجلا
تكشف الانقسامات داخل المكون الكردي السوري أن جوهر الإشكال لا يكمن في الهوية القومية بحد ذاتها، بل في كيفية ترجمتها سياسيا داخل دولة متعددة القوميات والثقافات؛ فالمظلومية التاريخية، على واقعيتها، لا تقدم إجابة تلقائية عن أسئلة الحكم، ولا تضمن وحدها مشروعا قابلا للاستمرار.
في هذا السياق، يبدو التحدي الأساسي متمثلا في إعادة إدراج القضية الكردية ضمن أفق وطني سوري أوسع، يوازن بين الخصوصية الثقافية ومتطلبات الدولة، ويعيد تعريف العلاقة بين الهوية والمواطنة على أساس الشراكة لا الغلبة.
فمستقبل الأكراد في سوريا، كما مستقبل سوريا نفسها، سيظل مرهونا بالقدرة على تجاوز منطق المشاريع المغلقة، وبناء عقد وطني جديد يستوعب التنوع دون أن يحوله إلى خطوط انقسام دائمة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

