حقيبة العام السري: أسئلة العبور إلى زمن جديد

تعرف على 18 شيئا الأكثر جنونا التي تركها المسافرون في المطار - حقيبة سفر
الكاتبة: لم تكن الحقيبة مجرد مرفأ للدقائق والشهور بل مرآة حية تعكس صفاء ولد من رحم التحدي (غيتي إيميجز)
  • حين يرحل العام: حكاية الوداع والعبور إلى زمن جديد
  • خلف الأبواب المغلقة

في زاوية هادئة من غرفتي، وتحت ضوء خافت يشي بلوعة الوداع، وقف هناك بصمت يفيض وقارا. كان يضبط حقيبته الصغيرة بحرص يلامس القداسة؛ يداه تتحركان بحنو بالغ، تتحسسان التفاصيل واحدة تلو الأخرى، مودعتين حكايات عشناها معا خلف الأبواب المغلقة: ضحكات قاومت اليأس، وهزائم صغيرة تجلت في حقيقتها كدروس قاسية في فن الصبر.

لم يكن يوضب أمتعته فحسب، بل كان يطوي بين جنبات الحقيبة أجزاء من روح ونبض. كان ذلك المسافر صديقا سريا؛ عاما تشبث بظلي 365 يوما، وها هو الآن يقف على عتبة الغياب، متجها بهدوء إلى محطة الذاكرة.

رأيت في ثنايا حقيبته الصفراء كيف رتبت يد خفية التفاصيل حين عجزت القلوب عن احتمالها، وكيف عاد نبض من نحب إلى مداره الطبيعي

نجاة خفية

كنت أتأمل حركة يديه وهو يجمع تلك الأوراق الصماء: فحوصات وتقارير وذكريات لممرات بيضاء باردة. لحظات ثقيلة يتباطأ فيها الزمن حتى يكاد يتوقف، حيث لا صوت يعلو فوق قلق الانتظار، ولا يقين سوى نبض معلق على مسمار الخوف.

رأيت في ثنايا حقيبته الصفراء كيف رتبت يد خفية التفاصيل حين عجزت القلوب عن احتمالها، وكيف عاد نبض من نحب إلى مداره الطبيعي. كأن الأنفاس استعادت ثقتها بالأرض، ولمست في النجاة رحمة كانت تسبق حتى عتبات الدعاء.

لم تكن الحقيبة مجرد مرفأ للدقائق والشهور، بل مرآة حية تعكس صفاء ولد من رحم التحدي، وطمأنينة تعلمت المشي على مهل.

الرئة الثالثة: نصوص لم تولد إلا لتبقى

توقفت يداه قليلا، كأن العام نفسه تريث أمام ثقل الذكرى، ثم أخرج من زاوية الغرفة صندوقا صغيرا كان يحرسه بصمت. بمجرد أن انفرج غطاؤه فاحت عطور الكلمات، ليملأ المكان بعبق بري طارد ما تبقى من مرارة الانتظار.
لم تكن محتوياته مجرد أوراق مرصوفة، بل كانت «أنثى ونبض» أريقا على الورق ليستردا عافيتهما؛ نصوصا خفيفة الوزن، لكنها مثقلة بمعنى الحياة.

كان ذلك مولدي الورقي الأول.. ديوانا لم يولد من فائض وقت، بل من فائض حياة؛ كتب حين ضاقت الأمكنة، فصارت الكتابة رئتي البديلة ومساحتي الوحيدة للتنفس. نصوص خطت في العتمة، حين لم يكن أحد يرى ولا أحد يصفق، لكنها مع ذلك وجدت طريقها إلى الضوء، وأعلنت حضوري كامرأة تكتب، لا لتعرف بل لتترك أثرا.

بعض الأشياء لا تورث لأنها جميلة، بل لأنها واجبة، والطريق إلى الفجر طويل، يحتاج من الصبر عمرا إضافيا

بوصلة الانتماء

حين بدأت الحقيبة تمتلئ بما يكفي، مد يده فجأة، واضعا علم سوريا الجديدة على كتفي، لا كزينة ولا كاحتفال، بل كعهد صامت. شعرت بثقل مختلف؛ ليس ثقل القماش، بل ثقل المسؤولية؛ كأن العام يقول لي في لحظاته الأخيرة: ما تحملينه ليس لك وحدك.

إعلان

فبعض الأشياء لا تورث لأنها جميلة، بل لأنها واجبة، والطريق إلى الفجر طويل، يحتاج من الصبر عمرا إضافيا. في تلك اللحظة، لم تعد الحقيبة تتسع للأحداث، بل اغتنت بجوهرها. أصبح العام نسيجا من شجاعة حيكت بصبر بين الخوف والكتابة، بين الانكسار والقيام، بين ما كسر وما قرر أن يبقى.

محطة اليقين

مضينا معا إلى المحطة؛ حيث يزدحم العالم بالانتظار، وتتعلق الوجوه بالعام الجديد كما لو أنه المنقذ الأخير. كسرت الصمت بسؤال خافت: ستذهب وتتركني وحدي؟

التفت إلي بهدوء من أتم رسالته وقال: صديقك الجديد قادم، لكنه سيأتي كحقيبة فارغة دون عنوان، ينتظر منك أن تمنحيه المعنى. أدركت أخيرا أن الاستمرار لا يشبه البطولة الصاخبة، بل يشبه تلك الخطوة الصغيرة التي نخطوها في أقصى التعب، بلا ضجيج ولا شهود؛ فالاستمرار فعل هادئ، لكنه وحده الذي يصنع الفارق.

ليس الحظ ما يصنع الأعوام، بل القرار بأن نكون أكثر وعيا وأكثر امتنانا، بأن نتوكل على الله ثم نمضي. وهكذا، لا يبدأ العام الجديد حين تتبدل الأرقام، بل حين نقرر بوعي ما الذي يستحق أن يحمل معنا، وما الذي حان وقت تركه للنسيان.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان