جيل غزة القادم: طفولة بلا أمان

أطفال ينظرون إلى مقر الأونروا المغلق في غزة، 20 مايو/أيار 2025، وسط الحرب والعدوان الإسرائيلي وحصار المساعدات
الكاتبة: الطفولة هنا -في غزة- باتت فكرة مؤجلة حتى إشعار آخر حتى هدنة لم تأتِ وعدالة لا تصل (الفرنسية)
  • الأجيال القادمة في غزة: تأملات في مستقبل الأطفال بعد الحرب

ليس من السهل الكتابة عن مستقبل في مدينة تحاول كل يوم أن تنجو من الحاضر.

في ركن صغير من هذا العالم الذي شرب حياتها، تطوى الخرائط على قلب حزين، حزن قتّال يدعى غزة؛ مدينة حياتها حافلة بالشقاء اللامتناهي الذي أثقل كاهلها، من حصار ودمار، وإبادة للبلاد، وقتل للعباد، ومع ذلك لا تزال شامخة كالشجرة الباسقة، تنبض بالحياة.

لكن ما يطفو على السطح من أنقاض ومآتم ليس إلا قشرة رقيقة تخفي تحتها سؤالا عظيما: ماذا عن الأطفال؟ ماذا عن أولئك الذين يسحبون من رحم الدخان، لا يصرخون ككل المواليد، بل يدخلون الحياة على صمت صفارات الإنذار، وتحت سقوف مرقعة بالنجاة المؤقتة؟ الطفل هنا لا يدعى "مولودا جديدا"، بل "ناجيا مبدئيا"، ومهده الأول قد يكون كيسا من الأسمنت، أو حضنا مذعورا تحت الركام.

ما مستقبل هؤلاء في مكان لا يملك حاضرا؟ ماذا تبقى للغد حين يؤكل اليوم أمام أعينهم؟

الغد هنا ليس وعدا، وإنما هو غد مفقود، مثل آلاف الأجساد تحت الركام، ومثل ألعاب الأطفال التي تحولت إلى رماد، ومثل الحكايات التي لم تروَ لأن من كان سيحكيها لم يعد موجودا

هنا، في غزة، لا يحلم الطفل أن يكون طبيبا أو طيارا، بل أن ينجو من خوف الليل وفزعه. لا يتمنى ألعابا أو دراجات، بل سقفا لا يسقط. لا يسأل عن معنى الكلمات، بل عن معنى الموت، ذاك الذي يزوره مبكرا في فصوله الأولى.

إذن، الطفولة هنا باتت فكرة مؤجلة، مؤجلة حتى إشعار آخر؛ حتى هدنة لم تأتِ، وحتى عدالة لا تصل، وحتى عالم يتوقف عن عد القتلى كإحصائيات مملة، ويبدأ برؤيتهم كقلوب كانت تنبض. لا تنمو الطفولة بين الأنقاض، بل تتشوه، وتتقوس، وتتصلب، وتصبح شيئا آخر: مقاومة، أو خوفا متكلسا، أو رمادا ناعما يتناثر في ذاكرة لن تشفى.

سيكبر أطفال غزة، إن كبروا، وهم يعرفون كل شيء مبكرا؛ يعرفون كيف يحمل الجسد، وكيف تكتب أسماء الشهداء، وكيف يقال الوداع بلا بكاء، لأن البكاء ترف لا يمنح لمن لا وقت لديه للحزن.

إعلان

كيف سيكون شكل الجيل القادم؟ أطفال المدينة المكلومة لا يشبهون أحدا على الإطلاق، ولا يشبهون حتى أنفسهم في المرآة؛ فقد أخذت الحرب ملامحهم، وسرقت ضحكتهم، وزرعت في أعينهم تجاعيد لا تليق بأعمارهم.

هؤلاء لن يكتبوا على دفاترهم دروسا في الجغرافيا، بل سيرسمون خرائط الدمار كما حفرت في أذهانهم، ولن يتعلموا الحروف بترتيبها الأبجدي، بل هم سيرتبونها حسب أسماء الشهداء: أحمد، بلال، تيم، ثائر. إنهم كبار رغم صغرهم، مكسورون رغم بقائهم على قيد الحياة، ولربما كان الموت بالنسبة لبعضهم هو الراحة الوحيدة التي لم تمنح.

الغد هنا ليس وعدا، وإنما هو غد مفقود، مثل آلاف الأجساد تحت الركام، ومثل ألعاب الأطفال التي تحولت إلى رماد، ومثل الحكايات التي لم تروَ لأن من كان سيحكيها لم يعد موجودا.

كل ما يمكن أن يقال عن المستقبل في غزة يبدو مبتورا؛ فكيف تبني شيئا على أرض تنهدت ألف مرة من فرط الانفجارات؟ كيف تنبت الطفولة في تربة سقيت بدم الطفولة ذاتها؟

ومع ذلك، يستمر الزمن غريبا في استمراره، قاسيا في عناده، كأنه يصر على أن يشهد جريمة لا تنتهي.

السؤال المعلق هنا ليس عن الحاضر الذي نراه ونبكيه، بل عن المستقبل الذي لم يكتب بعد: كيف سينشأ جيل تفتتت ذاكرته قبل أن تتكون؟

ربما سيأتي يوم يجلس فيه طفل من الجيل القادم قرب جده ليسأله: لماذا كنتم تموتون كثيرا؟ فيجيبه الشيخ بصوت متحشرج: لأن العالم كان مشغولا، وكان علينا أن نكبر بسرعة، وأن نموت أكثر من مرة قبل أن نعيش.

لأن الطفولة لم تبدأ من لحظة الميلاد، بل من لحظة الفقد. نحن آنذاك، يا بني، لم نكن نصرخ كما في بقية أنحاء العالم، بل كنا نصمت، لأننا فهمنا منذ اللحظة الأولى أن الصراخ لا ينقذ أحدا، وأن الصمت هو اللغة الوحيدة التي لا تستفز الموت.

يا بني، نحن من الأجيال التي نشأت وسط الركام، وتشكلت ذاكرتنا الجماعية آنذاك من مشاهد لا تليق بالطفولة: من جنازات، ومن ركام منازل، ومن دموع أمهات، ومن قوائم شهداء تبدأ بأسماء في عمر الحلوى والكراريس المدرسية. تلقن الحروف منقوشة على شواهد القبور، لا على ألواح الصفوف، ويختصر معنى الحياة بالنسبة لنا في سؤال واحد: هل سننجو من هذه الإبادة؟

الجيل القادم في غزة لا يملك ما يكفي من المساحات ليحلم، ولا ما يكفي من الطمأنينة ليخطط؛ كل ما يملكه هو ذاكرة ثقيلة، وحصار يطوقه منذ لحظة التكوين، وأفق مسدود بالبارود.

يكبر الأطفال هناك بسرعة، ويتجاوزون أعمارهم، لأن الموت أسرع منهم. من لم يقتل، كبر داخل عينيه موت الآخرين، وغرس في كل ما في غزة مشروع شهادة، أو لجوء، أو مقاومة؛ لا خيار آخر.

لكن السؤال المعلق هنا ليس عن الحاضر الذي نراه ونبكيه، بل عن المستقبل الذي لم يكتب بعد: كيف سينشأ جيل تفتتت ذاكرته قبل أن تتكون؟ كيف يمكن بناء مجتمع من أطفال عرفوا الحرب قبل المدرسة؟ أي نظام تربوي سيعلمهم الحب بعد كل هذا الكره؟ وأي خطاب إنساني سيقنعهم أن العالم لم يتواطأ؟

لا تزال الحياة تطرق أبوابهم: طفلة تتعلم الكتابة على حائط منزلها المدمر، طفل يرسم شمسا فوق دخان، وآخر يحاول تهجئة اسمه بين الحطام

لن يكون من السهل ترميم ما كسر؛ فالخراب هنا لا يقاس فقط بحجم الدمار المعماري، بل بعمق التصدع النفسي، وبما خلفته الحرب من خوف مزمن، وقلق وجودي، وانعدام ثقة في كل شيء. فكيف نطالب هؤلاء الأطفال بأن يكونوا طبيعيين، وقد نشؤوا في سياق غير طبيعي على الإطلاق؟

إعلان

في مدارس المستقبل، لن يكتبوا عن أحلامهم، بل عن النجاة. سيصبح الخوف مادة دراسية، والصبر مهارة يومية. سيحمل كل طفل ذاكرة أكبر من عمره، وصورة معلقة في قلبه لأم كانت، أو لأخ لم يعد.

ذلك الجيل لن يولد من رحم السلام، بل من رحم الغياب، وحين يحاول أن يضحك، ستتعثر ضحكته على أنقاض لم ترفع بعد. سيكبرون، نعم، لكنهم سيكبرون في عالم ضاق عن طفولتهم، وفي وطن ما زال يبحث عن شكل جديد للحياة بعد أن أنهكته النهايات.

ومع ذلك، لا تزال الحياة تطرق أبوابهم: طفلة تتعلم الكتابة على حائط منزلها المدمر، طفل يرسم شمسا فوق دخان، وآخر يحاول تهجئة اسمه بين الحطام. هؤلاء ليسوا مجرد أطفال، بل هم بذور تصر على النمو في التربة المحروقة.

وربما يكون الأمل فيهم، لا في الخطابات ولا في المؤتمرات؛ الأمل في تلك القدرة الفطرية على التشبث بالحياة، وعلى ترميم الشروخ باللعب، وعلى الحلم، ولو كان صاحبه متكسر الأطراف.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان